الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
​تراجيديا الغياب وانكسار "المركز" في قصيدة (لا نار في المدخنة) ​قراءة في جراحية عبد المنعم حمندي


​تراجيديا الغياب وانكسار "المركز" في قصيدة (لا نار في المدخنة) ​قراءة في جراحية عبد المنعم حمندي

انتصار أحمد

 

في قصيدته (لا نار في المِدْخَنَة)، يقدم الشاعر عبد المنعم حمندي مانيفستو شعرياً عالمياً، يتجاوز حدود الهوية والجغرافيا ليقف وجهاً لوجه أمام "بشاعة الحرب" كفعلٍ بربريٍّ ينهش الجسد الإنساني أينما كان. القصيدة هنا ليست صرخة إقليمية، بل هي "رؤيا نبوئية" تُدين عبثية القتل من الشرق إلى الغرب.

​السؤال الذي يبدأ به الشاعر: (هَلْ تَضيقُ الخَريطَةُ حينَ تَمُرُّ العَساكِرْ؟) هو سؤالٌ يواجه كل جنديٍّ على وجه الأرض. الخريطة هنا هي "كوكبنا" الذي يختنق تحت أحذية العساكر، سواء كانوا في أدغال إفريقيا، أو سهول أوروبا، أو رمال الشرق. حمندي يطرح إشكالية "الضيق الوجودي"؛ فالحرب تُصغّر العالم، وتحول الحدائق (رمز الحياة المشتركة) إلى مقابر (رمز العزلة الأبدية).

​حين يكتب عبد المنعم حمندي، فإنه لا ينظم شعراً، بل يمارس "عملية حفر" في طبقات الهزيمة الإنسانية.

 نجد أنفسنا أمام نصٍّ يبني هندسته الجمالية على "النفي" و"الفقد"، محولاً الصراع من الميدان العسكري إلى الميدان الوجودي.

​هنا، وبطريقة  تشريحية للمكان الشعري، نجد أن "الخريطة" لم تعد تمثيلاً جغرافياً، بل أصبحت "كائناً حياً" ينقبض بمرور آلة الفناء. إن "ضيق الخريطة" هو التعبير الأنطولوجي عن ضيق الروح؛ فالعسكر لا يمرون فوق الأرض، بل يمرون فوق "أعصاب الوجود". ومن هنا، ندرك كيف استطاع الشاعر أن يربط بين (الفعل المادي/الحرب) وبين (النتيجة الروحية/الانكماش).

​في تحليل حمندي لنتائج الحرب، يبرز مقطع يمثل ذروة المرارة الساخرة:

​"قايَضوا كُلَّ أَحْلامِهِمْ بِنياشينَ مِنْ تَنَكٍ وَغُبارْ"

​هنا تتجلى "سوسيولوجيا القيمة"؛ فالإنسان يبذل الأغلى (الحلم/العمر) ليقبض الأرخص (التنك). الشاعر هنا يفضح "زيف المجد" العابر للحدود؛ فالمحارب العالمي، في النهاية، هو ضحيةٌ لعملية تضليل كبرى،

حين يتحدث الشاعر عن المقايضة ، فإنه يشرح حالة "الاغتراب" التي يعيشها المحارب في كل العصور. إنها صرخة ضد "الاقتصاد الحربي العالمي" الذي يُغري البسطاء بمجدٍ زائف ليحصد أعمارهم. الجرح هنا ليس محلياً، بل هو جرح "الإنسان المستغفل" الذي يمضغ الرصاص بِلحم السراب، في حروبٍ لا ناقة له فيها ولا جمل.

حيث يتم تحويل كينونته الإنسانية إلى مادة معدنية تافهة.

  في هذا المقطع:

​"فَلا "الهُدْنَةُ" الآنَ.. إِلَّا دُخانُ الَّذي فازَ بِالمِدْخَنَةْ"

​المدخنة هنا هي "الرمز المركزي" للبيت والألفة، لكن حمندي يفرغها من "النار". إننا أمام عالمٍ يمتلك "الأشكال" ويفقد "الجواهر". الهدنة ليست سلاماً، بل هي مجرد "دخان" باهت لمن استولى على الهيكل الخاوي. هذا التوظيف الرمزي يعكس عمق المأساة؛ فالمنتصر في الحرب العالمية الراهنة لا يربح إلا "أدوات الغياب"، بينما تظل الروح (النار) مفقودة للجميع.

​ينفذ الشاعر إلى كواليس المأساة الإنسانية بلقطة سينمائية مذهلة:

​"يُصافِحُ قاتِلُهُ.. في الخَفاءِ.. وَيَتْرُكُ لِلْجُنْدِ.. حُلْمَ الضَّحِيَّةْ"

​هذه هي "عصب" النص ومكان النزيف؛ فالشاعر يرى أن الحرب هي "اتفاق صامت" بين القوى الكبرى (الذئاب)، وأن الضحية هي الوقود الوحيد لهذا الاتفاق. إن المصافحة في الخفاء تجعل من دماء الجنود مجرد "نخب" يُشرب في مزاد الجنون. هنا ينتقل الشعر من التعبير عن الألم إلى "فعل الإدانة" التاريخي.

و​تتجلى عبقرية النص في فضح "عالمية القتلة":

(يُوَقِّعُ ذِئْبٌ.. لِذِئْبٍ صَفِيٍّ / وَيَشْرَبُ نَخْبَ الدِّماءِ.. الخَبَرْ)

هذا المشهد المسرحي يمثل "الغرف المظلمة" في عواصم القرار العالمي. حمندي يرى الحرب "مؤامرة" عابرة للحدود؛ حيث يتصافح القتلة خلف الستار، بينما يُترك الجنود لمواجهة مصيرهم "سهواً". إنها إدانة لـ "النخبوية المتوحشة" التي تُدير العالم كمزادٍ لبيع الرماد.

​يختم حمندي رائعته بصرخة ترفض الإجابة الجاهزة:

"هَلْ رَبِحْنا؟ يَسيلُ السُّؤالُ دَماً.. فَوْقَ رَمْلٍ غَريبٍ"

​حين يسيل السؤال دماً، تنتهي سلطة "الكلمة" لتبدأ سلطة "الجرح". الشاعر هنا لا ينهي القصيدة، بل يتركها مفتوحة على "عالمية الألم". فالرمل الغريب هو كل أرض دُنست بدم الأبرياء، والهزيمة هي قدر كل من بقي أو من دُفن في عالمٍ فقد فيه "الشرق والغرب" سر القضية.

لقد نجح عبد المنعم حمندي في قصيدة (لا نار في المِدْخَنَة) في تقديم نصٍّ "كوني" يرفض التدجين الجغرافي. إنه نصٌّ يقرأ "الحرب" بوصفها استلاباً كلياً للإنسان.

هي صرخة "الإنسان" الأخبرة. هذا الدم الذي يسيل فوق (رَمْلٍ غريبٍ) لا يحمل جنسية؛ هو دم الضحية في بغداد وأوكرانيا، وبيروت، في غزة، و فيتنام، وفي كل بقعة دُفن فيها حلم. إن تأريخ الهزيمة لمن ظل أو لمن دُفن هو حكمٌ أخلاقيٌّ نهائيٌّ بأن الحرب "خسارة محققة" للجنس البشري قاطبة.

عبد المنعم حمندي في هذا النص لم يكن شاعراً عراقياً أو عربياً فحسب، بل كان "صوتاً للضمير العالمي". لقد استخدم اللغة كمشرطٍ ليعرّي بشاعة "الذئاب" التي تحكم العالم، محولاً "المدخنة" الباردة إلى رمزٍ كونيٍّ لبيتِ الإنسان الذي فقد دفئهة وأمانه بسبب ألاعيب الكبار.

قصيدة

​( لا نارَ في المِدْخَنَة)

......

​هَلْ تَضيقُ الخَريطَةُ حينَ تَمُرُّ العَساكِرْ

أَمْ تَمُدُّ الحَرائِقُ أَرْجُلَها في الحَدائِقِ..

 فَاسْتُبْدِلَتْ بِالمَقابِرْ؟

دَفَنَتْ كُلَّ أَزْهارِها في اللُّحودْ

هِيَ واسِعَةٌ.. غَيْرَ أَنَّ الجُنودْ

قايَضوا كُلَّ أَحْلامِهِمْ بِنياشينَ مِنْ تَنَكٍ وَغُبارْ

يَسْأَلُ المَيِّتونَ النَّواويسَ:

مَنْ كَسَبَ الحَرْبَ وَالِانْتِصارْ؟

مَنْ أَلْبَسَ الخَوْفَ ثَوْبَ المَنارْ؟

هِيَ الحَرْبُ.. تَقْضُمُ أَعْمارَنا

وَيَغْفو عَلى صَدْرِنا.. الِانْكِسارْ

سَلامٌ؟ كَأَنَّ السَّلامَ صَلاةْ

فَلا "الهُدْنَةُ" الآنَ..

إِلَّا دُخانُ الَّذي فازَ بِالمِدْخَنَةْ

يَسْقُطونَ.. وَلا يَعْرِفونَ لِمَنْ

يَرْسُمونَ الحُدودَ بِلَوْنِ الشَّجَنْ

يَمْضَغونَ الرَّصاصَ بِلَحْمِ السَّرابِ

وَيَسْتَسْلِمونَ لِصَمْتِ الكَفَنْ

هَلْ رَبِحْنا؟ يَسيلُ السُّؤالُ دَماً

فَوْقَ رَمْلٍ غَريبٍ، يُؤَرَّخُ فَوْقَ القُبورِ

هَزيمَةُ مَنْ ظَلَّ.. أَوْ مَنْ دُفِنْ!

​.....

​هُناكَ.. وَراءَ البِحارِ البَعيدَةْ

يَخُطُّ الوُحوشُ التَّغاريدَ

أَوْ يَرْسُمونَ عَلى الأَرْضِ

حَرْباً جَديدَةْ

سَيَبْقى التُّرابُ يَئِنُّ

وَيَحْبِسُ أَنْفاسَ نارٍ شَديدَةْ

وَبَيْنَهُما.. يَرْحَلُ الجُنْدُ سَهْواً

بِلا أَيِّ نَصْرٍ.. وَلا رَقْصَةِ ذِئْبٍ

عَلى جُثَّةٍ لَمْ تَزَلْ.. بِانْتِظارِ المَكيدَةْ

​....

​عَلى شَفَةِ الوَقْتِ.. كَالْمُعْجِزاتِ

يَموتُ البَديلُ..

وَلا يُكْسَرُ في صَمْتِهِ نَرْدُ الطُّغاةِ

يُوَقِّعُ ذِئْبٌ.. لِذِئْبٍ صَفِيٍّ

وَيَشْرَبُ نَخْبَ الدِّماءِ.. الخَبَرْ

لِكَيْ يَسْتَفيقَ.. رَصاصٌ أَمَرّْ

يَموتُ "الفَراغُ".. وَلا يَعْلَمونْ

لِمَنْ يُرْفَعُ النَّخْبُ.. فَوْقَ الظُّنونْ

سَلامٌ هُوَ الآنَ.. صَمْتُ المَزادِ

وَبيْعُ الرَّمادِ.. لِمَنْ يَشْتَرونَ الجُنونْ

وَنَغْفو.. لِيَسْتَيْقِظَ الثَّمِلونْ!

​.....

​عَلى مِقْعَدٍ مِنْ زُجاجٍ صَفيقٍ

يُرَتِّبُ فَصْلاً جَديداً مِنَ المَسْرَحِيَّةْ

يُصافِحُ قاتِلُهُ.. في الخَفاءِ

وَيَتْرُكُ لِلْجُنْدِ.. حُلْمَ الضَّحِيَّةْ

فَلا "الشَّرْقُ" يَعْرِفُ مَنْ نَصَرَهُ

وَلا "الغَرْبُ" يُدْرِكُ سِرَّ القَضِيَّةْ.

.....

8-4-2026

عبدالمنعم حمندي


مشاهدات 50
الكاتب انتصار أحمد
أضيف 2026/05/02 - 3:37 PM
آخر تحديث 2026/05/03 - 1:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 96 الشهر 1907 الكلي 15247101
الوقت الآن
الأحد 2026/5/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير