الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أودنيس .. إغفال الاجتهادات السابقة وتفكيك النص


أودنيس .. إغفال الاجتهادات السابقة وتفكيك النص

عصام البرّام

 

يطرح موضوع أودنيس بين إغفال الاجتهادات السابقة والنص المقدّس سؤالًا إشكاليًا يتجاوز حدود القراءة الأدبية إلى فضاء أوسع من التفكير في طبيعة الحداثة العربية نفسها، وفي علاقتها بالتراث من جهة، وبفكرة القطيعة من جهة أخرى. فمنذ أن بدأ أودنيس مشروعه الشعري والفكري، وهو يقدّم نفسه بوصفه ناقدًا جذريًا للبنى الثقافية العربية، ساعيًا إلى تفكيك ما يراه منظومات مغلقة أعاقت الإبداع وقيّدت الخيال. غير أن هذا الطرح، على جرأته، يثير تساؤلات عميقة حول مدى إنصافه للتجارب والاجتهادات التي سبقته، وحول طبيعة تعامله مع النص المقدّس باعتباره مركزًا دلاليًا وثقافيًا في الوعي العربي.

لا يمكن إنكار أن أودنيس قد أسهم في تحريك المياه الراكدة في الثقافة العربية، سواء عبر كتاباته النقدية أو من خلال قصيدته التي كسرت أنماطًا تقليدية في اللغة والبناء. لكنه، في المقابل، بدا في كثير من الأحيان وكأنه يبدأ من نقطة الصفر، متجاوزًا قرونًا من الاجتهادات الفكرية التي اشتغلت على إشكالات مشابهة، وإن اختلفت في السياق أو الأدوات. فالتاريخ العربي الإسلامي لم يكن فراغًا فكريًا كما قد توحي بعض أطروحاته، بل عرف تيارات عقلانية وتأويلية عميقة، من المعتزلة إلى الفلاسفة، مرورًا بجهود المتصوفة الذين أعادوا قراءة النص الديني قراءة رمزية ووجودية. إن تجاهل هذه السلسلة من الاجتهادات يخلق انطباعًا بأن الأزمة كامنة في جوهر التراث ذاته، لا في طرق قراءته أو في تحوّلاته التاريخية.

هذا الإغفال لا يبدو مجرد سهو عابر، بل هو جزء من رؤية أوسع تقوم على فكرة القطيعة، حيث يُقدَّم التراث بوصفه عبئًا ينبغي التخلص منه، أو على الأقل تجاوزه جذريًا. غير أن هذه الرؤية تطرح إشكالًا منهجيًا، لأن أي مشروع حداثي لا يمكن أن يتأسس في فراغ، ولا أن يكتسب مشروعيته إلا عبر حوار نقدي مع ما سبقه، لا عبر إنكاره. فالتاريخ الفكري ليس سلسلة من الانقطاعات التامة، بل هو شبكة معقدة من التراكمات والتفاعلات، حتى في لحظات الثورة والتمرد.

أما فيما يتعلق بالنص المقدّس، فإن مقاربة أودنيس له تتسم بقدر كبير من الحساسية والجرأة، لكنها في الوقت ذاته تثير جدلًا واسعًا. فهو لا يتعامل مع النص الديني بوصفه مجرد مرجع روحي، بل يراه عنصرًا مؤثرًا في تشكيل البنية الثقافية والاجتماعية، ومن ثمّ يخضعه للنقد بوصفه خطابًا قابلًا للقراءة والتأويل. هذا المنظور، رغم أهميته في فتح أفق التفكير، قد يقع في تعميمات تختزل تعقيد العلاقة بين النص وتأويلاته. فالمشكلة لا تكمن بالضرورة في النص ذاته، بل في احتكاره من قبل قراءات أحادية تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.

إن النص المقدّس، في سياقه التاريخي، كان دائمًا موضوعًا لتعدد القراءات، ولم يكن يومًا نصًا مغلقًا كما يُصوَّر أحيانًا. فقد أنتجت الحضارة الإسلامية علومًا كاملة لفهمه وتأويله، من أصول الفقه إلى علم الكلام والتفسير، وهي مجالات شهدت خلافات عميقة ونقاشات ثرية. تجاهل هذا التعدد يُفضي إلى رؤية اختزالية تضع النص في مواجهة الإبداع، بدل أن ترى فيه أحد مصادره الممكنة. فكم من تجربة أدبية وفكرية استلهمت النص الديني وفتحت من خلاله آفاقًا جديدة للمعنى، دون أن تقع في أسر الحرفية أو الجمود.

من هنا، يبدو أن الإشكال في مشروع أودنيس لا يكمن في دعوته إلى النقد أو في رغبته في التحرر، بل في الطريقة التي يصوغ بها هذه الدعوة، حيث تميل أحيانًا إلى التعميم والقطيعة بدل التفكيك والحوار. فالحداثة، إذا أرادت أن تكون فاعلة، تحتاج إلى وعي تاريخي يعترف بتعقيد الماضي، لا إلى اختزاله في صورة نمطية. كما أن التعامل مع النص المقدّس يتطلب حساسية مزدوجة، تحترم رمزيته لدى الجماعة، وفي الوقت ذاته تفتح المجال لقراءته قراءة نقدية متجددة.

إن التوتر بين الإبداع والنص، وبين الحداثة والتراث، ليس خاصًا بالثقافة العربية، بل هو سمة من سمات كل الثقافات التي مرت بتحولات عميقة. غير أن خصوصية السياق العربي تكمن في مركزية النص الديني في تشكيل الهوية، ما يجعل أي نقد له محفوفًا بتوترات إضافية. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين نقد التوظيف الأيديولوجي للنص، وبين الطعن في النص ذاته بوصفه مصدرًا للمعنى.

لذا، يمكن القول إن أودنيس قد فتح بابًا واسعًا للنقاش، لكنه لم يقدّم دائمًا الإجابات الأكثر توازنًا. فمشروعه، رغم أهميته، يحتاج إلى إعادة قراءة تضعه في سياق أوسع، يأخذ بعين الاعتبار الاجتهادات السابقة، ويعيد التفكير في العلاقة بين النص المقدّس والإبداع بعيدًا عن ثنائية الرفض أو التقديس المطلق. وحده هذا المسار النقدي المتوازن يمكن أن يفضي إلى حداثة عربية حقيقية، لا تقطع مع جذورها، ولا تستسلم لها، بل تعيد تشكيلها في ضوء أسئلة الحاضر وتحدياته.

يمكن تعميق هذا النقاش بالنظر إلى البعد اللغوي والجمالي في مشروع أودنيس، إذ لا ينفصل موقفه من التراث والنص المقدّس عن تصوره للغة ذاتها بوصفها مجالًا للصراع والتجديد. فاللغة عنده ليست أداة محايدة، بل كيان حيّ تشكّل عبر قرون من الاستعمال المرتبط بالنصوص الدينية والبلاغية، وهو ما يجعله يسعى إلى خلخلة هذا الترابط عبر تفجير البنية التقليدية للعبارة الشعرية. غير أن هذا المسعى، رغم ما يتيحه من إمكانات إبداعية، يثير سؤالًا حول حدود القطيعة الممكنة مع لغة تشكّلت في حضن النص المقدّس، وهل يمكن بالفعل إنتاج لغة جديدة دون أن تظل مشدودة، بشكل أو بآخر، إلى جذورها الأولى.

كما أن مسألة إغفال الاجتهادات السابقة تبدو أكثر تعقيدًا حين نضعها في سياق التحولات الحديثة التي شهدها العالم العربي، حيث ترافقت مشاريع النهضة مع محاولات متعددة لإعادة قراءة التراث، لا لرفضه، بل لإعادة تفعيله. فقد سعى مفكرون كثر إلى بناء جسور بين الماضي والحاضر، معتبرين أن التجديد لا يتحقق إلا عبر استيعاب ما تحقق سابقًا، ثم تجاوزه من الداخل. في هذا الإطار، يبدو أن خطاب القطيعة الذي يتبناه أودنيس يتجاهل هذه المحاولات الوسيطة، ويقفز مباشرة من التراث إلى الحداثة دون المرور بمراحل التفاعل النقدي التدريجي.

ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى موقفه من النص المقدّس بوصفه جزءًا من إشكالية أوسع تتعلق بعلاقة المثقف بالسلطة، سواء كانت دينية أو اجتماعية. فالنص، في كثير من السياقات، لا يُقرأ بوصفه نصًا مفتوحًا، بل بوصفه سلطة مغلقة تحدد ما يجوز التفكير فيه وما لا يجوز. ومن هنا تأتي أهمية محاولة تحرير القراءة من هذه الهيمنة، غير أن هذا التحرير لا يستلزم بالضرورة إلغاء المرجعية، بل يمكن أن يتحقق عبر إعادة توزيع السلطة داخل الفعل التأويلي نفسه، بحيث يصبح النص مجالًا للحوار لا للإملاء.

إن إعادة الاعتبار للاجتهادات السابقة لا تعني العودة إلى الماضي أو الارتهان له، بل تعني إدراك أن كل محاولة للتجديد هي، في جوهرها، امتداد لسلسلة من المحاولات التي سبقتها. فالإبداع لا ينشأ في فراغ، بل يتغذى من ذاكرة ثقافية معقدة، حتى وهو يسعى إلى تجاوزها. ومن ثمّ، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين التراث والحداثة، أو بين النص المقدّس والحرية الإبداعية، بل في القدرة على بناء علاقة ديناميكية بين هذه العناصر، علاقة تقوم على النقد والتأويل وإعادة الإنتاج.

بهذا المعنى، يمكن أن يتحول مشروع أودنيس، بدل أن يُقرأ بوصفه دعوة إلى القطيعة، إلى مناسبة لإعادة التفكير في شروط هذه العلاقة المركبة، ولطرح أسئلة جديدة حول كيفية بناء حداثة عربية تستوعب ماضيها دون أن تُستَلب له، وتنفتح على المستقبل دون أن تفقد خصوصيتها.

شاعر وكاتب من العراق


مشاهدات 35
الكاتب عصام البرّام
أضيف 2026/05/02 - 3:32 PM
آخر تحديث 2026/05/03 - 1:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 96 الشهر 1907 الكلي 15247101
الوقت الآن
الأحد 2026/5/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير