الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
نص نفر كرامة لو سمحت

بواسطة azzaman

نص نفر كرامة لو سمحت

 أحمد جاسم الزبيدي

 

في هذا الكوكب المزدحم بالشعارات، من شرقه إلى غربه، كلما اشتعلت الحروب واشتدت الأزمات، أول ما نصاب بالدوار ليس السياسة ولا البيانات، بل معدة المواطن المسكين… تلك التي لا تفهم لغة الخطب الرنانة ولا تهضم الوعود المؤجلة.

 أما مدينتي الصغيرة، تلك التي كانت تحيط بها القرى كأساور خضراء في معصم الأرض، فكانت لكل قرية حكاية ولكل حكاية محصول:

البو مصطفى تتباهى ببرتقالها، وبتة وهبي تعرض خضرواتها كأنها عروس في يوم زفاف، والبوعلوان والصباغية يوزعون الحمضيات بسخاء… ولم تكن الأرض وحدها معطاء، بل حتى الرجال كان لهم موسم حصاد من الشجاعة والكرامة.

 وفي ستينيات القرن الماضي، أيام اشتعلت فيها الحماسة كما يشتعل التنور، خصوصاً بعد حرب السابع من حزيران، امتلأت الشوارع بالأناشيد الوطنية، وتدافع الشباب نحو الجبهات، هذا فدائي، وذاك جندي، والجميع يحمل الوطن في جيبه الأيسر… أو هكذا كنا نعتقد.

 المدارس، الجامعات، المقاهي، وحتى المطاعم—كلها تحولت إلى منصات خطابية، واللافتات في كل مكان تصرخ بعبارات من طراز:

«الكرامة أثمن من رغيف الخبز».

 وهنا تبدأ الحكاية

دخل أحدهم مطعماً، قرأ اللافتة، حكّ رأسه قليلاً، ثم نادى النادل بصوت لا يخلو من فلسفة الجوع:

«يمعود تعال بسرعة… أريد نص نفر كرامة… تره ميت جوع

 ومن يومها، يبدو أن «الكرامة» دخلت قائمة الطعام، لكنها بقيت بلا سعر واضح… ولا طعم يُشبع.

 واليوم، بعد كل هذه السنين، ما زال البعض يبحث عن «نص نفر كرامة»…

لكن المشكلة أن القائمة تغيّرت:

أزمة غاز، تأخير رواتب، متقاعد ينتظر الفرج كما ينتظر المطر في آب، وذوو الدخل المحدود يعدّون أيامهم كما يعدّ السجين قضبان نافذته.

 وفي خضم هذا كله، يخرج علينا من يقول بكل ثقة:

«كل شيء يهون من أجل الكرامة

 حسناً… جميل جداً… لكن اسمحوا لنا بسؤال بسيط، وربما وقح قليلاً:

أي كرامة هذه التي لا تجد رغيف خبز تستند إليه؟

وأي كرامة تلك التي تقف عاجزة أمام سارق أو قاتل لأن القانون في إجازة مفتوحة؟

 يبدو أن الكرامة عندنا أصبحت مثل الوجبات السريعة في الإعلانات:

صورة جميلة… حجم كبير… لكن عندما تفتح العلبة، تجد «نص نفر»… وربما أقل. فيا سادتي، قبل أن نرفع لافتة جديدة، دعونا نسأل النادل أولاً:

هل ما زال «نص نفر الكرامة» متوفراً… أم أنه أيضاً تأخر مع الرواتب

 


مشاهدات 11
الكاتب أحمد جاسم الزبيدي
أضيف 2026/04/26 - 3:06 PM
آخر تحديث 2026/04/27 - 12:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 84 الشهر 23336 الكلي 15241409
الوقت الآن
الإثنين 2026/4/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير