من نهاية اللغة إلى بداية القوّة
عطا شميراني
قبيل إقلاع الطائرة الرئاسية إلى واشنطن، فجّر جيه دي فانس مفاجأة مدوّية بكشفه انهيار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد. لم يكن التوقيت تفصيلًا عابرًا، بل لحظة إعلانٍ مكثّف: ما تعذّر على الطاولة، سيُعاد تشكيله خارجها—لكن بلغةٍ مختلفة، وأدواتٍ أكثر صلابة، ومساحةٍ أقل للخطأ.في هذه اللحظات، لا تموت السياسة… بل تتبدّل طبيعتها. إذ تنتقل من حيّز إدارة الخلاف إلى حيّز فرض الإرادة، ومن لغة النصوص إلى منطق الوقائع. فالمفاوضات، في جوهرها، ليست مجرد تبادل مواقف، بل محاولة لاحتواء الصراع داخل إطارٍ قابل للضبط. وحين ينهار هذا الإطار، يتحرر الصراع من قيوده، ويبدأ في البحث عن مسارات بديلة للتعبير عن نفسه.
ما بعد إسلام آباد لا يُختزل في «فشل»، بل في تحوّل. فالأطراف لم تعد تسعى فقط إلى تسوية خلافاتها، بل إلى إعادة تعريف موازين القوة التي تُدار من خلالها هذه الخلافات. وهنا، تبرز عدة سيناريوهات، لا كخيارات منفصلة، بل كطبقات متداخلة في مشهدٍ واحد.
السيناريو الأول هو التصعيد المحسوب، وهو الأقرب إلى منطق المرحلة. في هذا المسار، لا يسعى أي طرف إلى حرب شاملة، لكنه يعمل على رفع كلفة الطرف الآخر إلى أقصى حد ممكن دون تجاوز العتبة الحرجة. الولايات المتحدة قد تعيد تفعيل أدوات الردع عبر حلفائها، وتكثّف الضغوط الاقتصادية والتقنية، بينما تتحرك إيران لتوسيع هامش نفوذها الإقليمي، وإرسال رسائل قوة غير مباشرة. إنها لعبة دقيقة، تُدار على حافة الانفجار، حيث يكون الهدف ليس الانتصار، بل منع الآخر من الانتصار.
غياب الاتفاق
غير أن هذا التوازن الهش يفتح الباب أمام السيناريو الثاني: إدارة الفوضى المحدودة. ففي غياب اتفاق يضبط الإيقاع، تصبح الاحتكاكات أمرًا شبه حتمي. ضربات موضعية، توترات في الممرات البحرية، اشتباكات غير مباشرة عبر أطراف ثالثة. لا أحد يريد الانفجار، لكن الجميع مستعد له. وهنا، لا تكمن الخطورة في النية، بل في الخطأ. فحادث صغير، أو قراءة خاطئة لتحرك ما، قد يتحول إلى شرارة تُشعل سلسلة من ردود الفعل المتتالية.
في الخلفية، يبقى احتمال العودة المؤجلة إلى التفاوض قائمًا، لكنه مشروط بإعادة ترتيب الأوراق. فكل جولة تفاوض فاشلة لا تُغلق الباب فحسب، بل ترفع كلفة العودة إليه. أي اتفاق قادم لن يكون استمرارًا لما قبله، بل إعادة صياغة لقواعد اللعبة نفسها. وهذا يتطلب من الطرفين الوصول إلى قناعة بأن كلفة اللااتفاق أصبحت أعلى من كلفة التسوية—وهو أمر لم ينضج بعد.لكن التحول الأعمق، وربما الأخطر، يتمثل في تسييس الجغرافيا. فالصراع لم يعد يُدار فقط عبر النصوص، بل عبر المواقع. الخليج، العراق، والممرات الحيوية تتحول إلى مسارح رسائل متبادلة. لم يعد السؤال: ماذا قيل في المفاوضات؟ بل: أين تتحرك القوات؟ كيف يُعاد توزيع النفوذ؟ وما هي النقاط التي يُراد تثبيتها كحقائق على الأرض؟ هنا، تتحول الجغرافيا إلى لغة، وتصبح الحركة بديلاً عن الكلام.في قلب هذا المشهد، يقف العراق أمام اختبار دقيق ومعقّد. فهو ليس طرفًا مباشرًا في المفاوضات، لكنه يقع في مركز التوازنات التي تتأثر بها. ومع تراجع فرص التسوية، تزداد الضغوط على الجغرافيا العراقية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. التحدي هنا لا يقتصر على إدارة العلاقة مع الأطراف المختلفة، بل يتعداه إلى منع تحوّل العراق إلى ساحة تُترجم فيها صراعات الآخرين. وهذا يتطلب درجة عالية من الحذر، وقدرة على الحفاظ على التوازن دون الانزلاق إلى الاصطفاف.
اقتصاديًا، يدخل الإقليم في حالة يمكن وصفها بـ«القلق المزمن». الأسواق لا تتفاعل فقط مع الوقائع، بل مع توقعاتها. ومع انهيار المفاوضات، يتراجع الأمل بانفراجة قريبة، وتعود حسابات المخاطر إلى الواجهة. الاستثمارات تصبح أكثر حذرًا، والمشاريع الكبرى أكثر ترددًا، وأسعار الطاقة أكثر حساسية لأي تطور أمني. إنها حالة من الاستنزاف البطيء، حيث لا يحدث الانهيار دفعة واحدة، بل يتسلل تدريجيًا إلى بنية الاستقرار.
في المحصلة، ما حدث في إسلام آباد لم يكن مجرد تعثّر تفاوضي، بل لحظة انتقال من منطق «البحث عن حلول» إلى منطق «فرض الوقائع». ومع كل خطوة خارج الطاولة، تتقلص مساحة اللغة، وتتسع مساحة القوة. فالكلمات، مهما بلغت دقتها، تبقى محاولة لتأجيل الصراع، لا لإنهائه. وحين تعجز عن ذلك، يتقدم البديل الأكثر صلابة.
وهنا، لا يعود السؤال عمّا إذا كان الصراع سيتصاعد، بل عن الكيفية التي سيتخذها هذا التصاعد: هل سيبقى ضمن حدود محسوبة، تُدار فيها التوترات دون انفجار؟ أم أن التراكم البطيء للأخطاء وسوء التقدير سيدفع المنطقة إلى ما هو أبعد من ذلك؟
في عالمٍ تتراجع فيه القدرة على الاتفاق، يصبح التحدي الأكبر ليس في إدارة الحرب، بل في منعها. لكن حين تفشل اللغة في أداء هذا الدور، لا يبقى أمام الدول سوى خيارٍ واحد: أن تتحدث بلغةٍ أخرى… لغةٍ لا تُكتب في البيانات، بل تُرسم في الوقائع.
وهنا تحديدًا… تبدأ القوة بالكلام.