قراءة في قصيدة (من يعيد لي دمي) للشاعر رياض الدليمي
محمد صبي الخالدي
في زاوية منسية من بساتين دجلة حيث يغفو النخيل على حزن قديم، وقف رياض مثقلاً بوعثاء الغياب، يحدق في أرض أقفرت بعدما هجرها المطر. لم تكن الأرض وحدها هي التي جفت، بل كان يشعر أن دمه نفسه قد تسرب من عروقه مع رحيل تلك المتوارية خلف الأسماء. كانت الريح تمر بين السنابل المكفهرة فتصدر صوتاً يشبه النحيب، وكأن الطبيعة كفت عن الغناء وبدأت ترتل تعاويذ الحزن.
التفت رياض نحو الأفق صامتاً، فبرزت من خلف سديم الذاكرة تلك الشخوص التي سكنت نبضه. كانت هي، بطلة الغياب، تقف هناك بعيدة كآية لم تنزل بعد، متجردة من كل صفات البشر، لا يطالها وحي ولا يدركها برهان. ناداها بصوت مخنوق بالحروف اليتيمة، أحلفك بأيلولنا الذي نحب، وبكل ورقة صفراء شهدت عناقنا قبل أن يهوي بها الخريف إلى العدم. لكن الصمت كان هو الجواب الوحيد، صمت حول وجوده إلى لغز عصي على التأويل.
وفي تلك اللحظة، ظهرت له بوقاري المعهود وعيني التي تبصر ما خلف الحرف، اقتربت منه وهو يصارع عجزه وقلت له بلهجة العارف إن قلبك يا صاحبي قد دخل منطقة الصفر، حيث لا غليان يطهر ولا جليد يداوي. إنك الآن لا تخضع لقوانين البشر، بل تعيش في متن الشطحات الروحية، حيث يصبح الحب تنسكاً والرضاب طهوراً.
رد علي رياض وعيناه تلاحقان غيمة ترفض الهطول، يا دكتور لقد تلطخت صحفي بالشطحات وصرت عابراً في هوامش الزمن، فكيف السبيل لفك هذه المعادلة التي لا تقبل القسمة ولا الضرب. نظرت إليه بعمق مدرستي الجفرية وأجبته إن الحل يكمن في تجلي الشمس فيك من جديد، لا تلك الشمس التي تسرق الضحكات، بل شمس الحقيقة التي تعيد للنبض استقامته.
وهكذا ظل رياض غارقاً في عصيانه الجميل، يرتل قصائده اليتيمة كرسول ينتظر برهانه، بينما بقيت تلك المتوارية خلف الأسماء سراً مطلقاً، غيمة تطهر العذابات أو صبراً يورث الغليان، في قصة بدأت بسؤال عن الدم ولم تنته إلا بقلب صار افتراضاً على مدار الزمن.
استنطاق الجفري الرمزي والمدارس الأخرى
ينطلق النص من استفهام وجودي مركزي وهو من يعيد لي دمي، وهو سؤال لا يبحث عن إجابة بقدر ما يعلن عن حالة استنزاف كوني أصابت الذات والبيئة معا. فمن الناحية البنيوية نجد أن الشاعر أقام نصه على ثنائيات ضدية حادة مثل مطر وظما، وغليان وتجمد، ويقين وافتراض، حيث تكررت أدوات الاستفهام لتخلق إيقاعا لولبيا يعكس حيرة الروح أمام الغيبة التي تحولت إلى لعنة كونية. هذا الترابط النسقي جعل من موت النخيل واكفهرار السنابل معادلا موضوعيا لاختناق المواويل في فم الشاعر، فالخراب لغوي بقدر ما هو بيئي.
وعند الغوص في الطبقة السريالية للنص نجد الشاعر يكسر منطق الأشياء ليرسم صورا تتجاوز الواقع، فالشمس تسرق الضحكات والسماء تبكي دما، وهي صور تنقلنا من الحيز المادي إلى حيز الرمز الجفري العميق حيث تفقد العناصر طبيعتها المألوفة لتصبح أدوات في يد الغيب. هنا تبرز الشطحة الإبداعية في أجلى صورها خاصة حين يجعل الشاعر من أيلول والورق الأصفر برزخا زمنيا يجمع بين العناق والتساقط، محولا الخريف من فصل للموت إلى طقس للاحتواء الوجداني.
أما من المنظور النفسي فإن النص يمثل حالة من التنسك الاغترابي، فالشاعر الذي يصف نفسه بالعبد الذي تيمم من الرضاب يعيش صراعا داخليا بين الإحساس بالعصيان والرغبة في التطهر. إن الهروب من معادلات الجبر والضرب ليس إلا رفضا للقيود العقلية الجافة التي لا تستوعب حرارة الألم، مما دفع بالذات لتتحول إلى هامش وافتراض زمني. هذا الانكسار النفسي يصل لقمته في رمزية الصفر حيث يقف القلب في درجة الصفر من الغليان، وهي المفارقة الجفرية الكبرى التي تجمع بين قمة الانفعال وذروة السكون لتعبر عن احتراق داخلي صامت لا يدركه إلا من غاص في أسرار الحرف.
ختاما ينصهر هذا كله في بوتقة المدرسة الجفرية ليعلن أن المحبوبة المتوارية خلف الأسماء قد تجردت من صفاتها البشرية لتصبح هي الآية المنشودة والغيمة المطهرة. إن النص في محصلته النهائية ليس مجرد شكوى من غياب بل هو محاولة لترميم الذات المبعثرة بين الأرقام والحروف عبر استحضار تعاويذ الحب وأغنيات الوفاء بحثا عن رسول يحمل برهان العودة للحياة قبل أن يتحول الوجود إلى لغز عصي التأويل.
التحليل الأكاديمي لنص من يعيد لي دمي :
يصنف هذا النص أكاديمياً ضمن قصيدة النثر الحديثة التي تعتمد على وحدة الدفقة الشعورية بدلاً من وحدة البيت التقليدي. يرتكز البناء الدرامي للنص على تقنية المونولوج الداخلي، حيث تتصاعد حدة التوتر من الاستهلال الاستفهامي وصولاً إلى الخاتمة القدرية.
من الناحية اللغوية، اعتمد الشاعر على المعجم الرعوي الريفي (المطر، الأرض، النخيل، السنابل، البساتين) ليعكس هوية المكان، ثم قام بعملية انزياح دلالي لتحويل هذه المفردات من سياقها الطبيعي الجمالي إلى سياق جنائزي يعبر عن الفقد. إن استخدام الأفعال الماضية (احتبس، اقفرت، مات، اكفهرت) في بداية النص خلق صدمة زمنية توحي بحدوث الكارثة واستقرارها، مما جعل من حركة النص اللاحقة مجرد محاولة لاستعادة زمن مضى.
أما على مستوى الصورة البيانية، فقد وظف الشاعر الاستعارة المكنية بشكل مكثف (السماء تبكي، الشمس تسرق، بريق عينيك تغني)، وهي استعارات تشخيصية تمنح الطبيعة صفات بشرية لتشارك الشاعر في محنته الوجدانية. وفي الجانب التناصي، نجد استدعاءً لافتاً للمصطلح الديني (وحي، آية، تعاويذ، تنسك) لكنه وظفه في سياق غزل صوفي حديث، مما منح النص عمقاً فكرياً يتجاوز المعنى الحسي المباشر للحب.
وفيما يخص الإيقاع الداخلي، اعتمد النص على تكرار الحروف الهامسة والمدود الطويلة التي تناسب أجواء الحزن والانتظار. كما أن الانتقال المفاجئ من لغة الوجدان إلى لغة الرياضيات (الصفر، معادلات الجبر، القسمة والضرب) يعد من الناحية الأكاديمية توظيفاً لتقنية التغريب، وهي كسر التوقع لدى القارئ لصدمه بواقعية الألم وجفافه، مما يؤكد أن الشاعر يمتلك أدوات السيطرة على نصه ويوزع الشحنات العاطفية بدقة فنية عالية.
من يعيد لي دمي ؟
رياض الدليمي
........................
غيابك قد أرهقني
لعنة كونية
لقد احتبس المطر
واقفرت الأرض
مات النخيل
واكفهرت السنابل
اختنقت المواويل في فمي
ودب الظما في عروقي .
السماء تبكي دما
كانت الشمس تسرق ضحكاتك
ليشرق صباح مبتهجا .
لبريق عينيك تغني البلابل
باتت بساتين العراق
تنشد النحيب
من يعيد لي دمي ؟
وأنت هناك في غيبتك
لا وحي مرسل
ولا أية ترشدني إليك .
ايتها المتوارية خلف الاسماء
فتجردتي من كل الصفات .
بأية حروف اناديك
واية تعاويذ ارتلها ؟
كيف تعيدي للحياة نبضها
وتتجلى الشمس بي؟
بالقصائد اليتيمة اناديك
احلفك بالأغنيات التي كنا نغنيها
احلفك بالخريف
وأيلول الذي نحبه
بالورق الاصفر الذي كان يتساقط
ونحن في عناق
هل من مطر قادم ؟
هل من رسول يحمل لي برهان ؟
لا تختبري عجزي
فتكوني صفرا مطلقا
او لغزا عصي التأويل .
ما انا الا عبدا تنسك بالحب
وتيمم من رضابك .
تعالي غيمة تطهر عذاباتي
انا الغارق بالعصيان
وصحفي ملطخة بالشطحات
فقلبي في درجة الصفر من الغليان
لا يصلح للقسمة والضرب
ومعادلات الجبر
صار افتراضا
هامشا
على مدار الزمن