إيران بعد حرب الأربعين يوماً: لحظة الانتقال من الثورة إلى الدولة
محمد عبد الجبار الشبوط
تشير النقاط التي قام عليها الاتفاق الأخير الذي أوقف المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى حقيقة سياسية مهمة: إن هذا الاتفاق يمثل، في جوهره، نصراً مزدوجاً للطرفين. فقد حصلت الولايات المتحدة على ما تعتبره ضماناً لحرية الملاحة في مضيق هرمز واستقرار تدفق الطاقة في العالم، بينما تمكنت إيران من الصمود في حرب قاسية استمرت أربعين يوماً دون أن يُكسر نظامها السياسي أو تُفرض عليها شروط الاستسلام. وهذه هي طبيعة التسويات الكبرى في السياسة الدولية؛ فهي لا تنتج منتصراً مطلقاً ومهزوماً مطلقاً، بل تخلق توازناً جديداً يولد من رحم الصراع.
غير أن قراءة هذا الحدث من زاوية السردية الإيرانية تفتح باباً أوسع للتفكير في المستقبل. فـ«انتصار الأربعين يوماً» لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه صموداً عسكرياً، بل بوصفه لحظة تاريخية نادرة يمكن أن تتحول إلى نقطة انعطاف في مسار الدولة الإيرانية.
لقد قامت الجمهورية الإسلامية قبل أكثر من أربعة عقود على منطق الثورة، وهو منطق طبيعي في المراحل التأسيسية حين تكون الدولة في حالة صراع مع الداخل والخارج معاً. لكن الدول لا يمكن أن تعيش إلى الأبد في حالة ثورية. فالثورة منطق تعبئة وصراع، بينما الدولة منطق استقرار وبناء وتنمية. ولذلك فإن اللحظة التي تعيشها إيران اليوم قد تكون اللحظة المناسبة لبدء الانتقال التدريجي من منطق الثورة إلى منطق الدولة، أي إلى مرحلة تغليب مؤسسات الدولة والتنمية الداخلية على خطاب الثورة الدائمة.
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: سؤال النظام السياسي نفسه. إن ولاية الفقيه، كما صاغها الإمام الخميني، هي اجتهاد بشري داخل الفقه السياسي الشيعي، وليست نصاً دينياً مغلقاً. وكل اجتهاد بشري يبقى بطبيعته قابلاً للمراجعة والتطوير وفقاً لتغيرات المجتمع ومتطلبات الواقع. وقد عبّر المفكر الإسلامي الكبير محمد باقر الصدر عن هذه الحقيقة بوضوح حين أكد أن المجتمعات تطور قوانينها وتشريعاتها وفقاً لحاجاتها ومستواها الحضاري.
إن تطوير نظام ولاية الفقيه بعد هذا الانتصار يمكن أن يشكل خطوة تاريخية نحو تحويل الجمهورية الإسلامية من دولة مقاومة إلى دولة تنمية كبرى في المنطقة. ويبدأ ذلك أولاً بتوجيه الجهد والمال والزمن نحو مشروع واسع للتنمية والإعمار في الداخل. فإيران، بما تمتلكه من موارد بشرية وعلمية وطبيعية كبيرة، قادرة على تحقيق مستوى اقتصادي وتكنولوجي أعلى بكثير مما وصلت إليه اليوم. إن تطوير إنتاجية المجتمع في مجالات العلم والتكنولوجيا والزراعة والصناعة، على أساس معادلة واضحة: وفرة في الإنتاج وعدالة في التوزيع، يمكن أن يفتح أمام إيران أفقاً جديداً للنهوض الحضاري.
والخطوة الثانية في هذا التحول تتمثل في توسيع فضاء الحريات السياسية داخل المجتمع الإيراني. فإطلاق الحريات والقبول بمبدأ المعارضة، حتى إن جاءت من خارج إطار ولاية الفقيه، لا يمثل تهديداً للدولة بل مصدر قوة لها. إن الإسلام في جوهره يكرس كرامة الإنسان وحريته قبل أن يتحدث عن شكل السلطة السياسية. وقد أظهر الشعب الإيراني خلال الحرب مستوى عالياً من الوطنية والتماسك، وهذا الشعب يستحق بعد انتهاء الحرب أن يعيش حراً كريماً، شأنه شأن سائر البشر الذين وصفهم القرآن بأنهم خلفاء الله في الأرض.
أما الخطوة الثالثة فهي الانفتاح على المجتمع الدولي على أساس شراكة تقوم على السلام العادل والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والسيادة الوطنية. فإيران ليست مضطرة إلى أن تبقى أسيرة منطق المواجهة الدائمة مع العالم. بل يمكنها أن تتحول إلى قوة إقليمية كبرى تساهم في الاستقرار والتنمية في الشرق الأوسط والعالم.
وفي الحقيقة، فإن هذا التحول لا يمثل خروجاً عن روح الثورة الإسلامية، بل يمكن اعتباره ترجمة تاريخية ناضجة لشعاراتها الأولى التي أطلقها الإمام الخميني قبل أكثر من أربعين عاماً: الجمهورية الإسلامية، الحرية، الاستقلال.
إن انتصار الأربعين يوماً قد يكون أهم لا بما أنجزه في ساحة الحرب، بل بما يمكن أن يفتحه من أفق جديد في مسار الدولة الإيرانية. فالتاريخ يعلمنا أن اللحظات التي تخرج فيها الدول من الحروب الكبرى هي اللحظات التي تتحدد فيها اتجاهات المستقبل. وإيران تقف اليوم أمام لحظة من هذا النوع: لحظة يمكن أن تتحول فيها من دولة تعيش في ظل الثورة إلى دولة تقود مشروعاً حضارياً وتنموياً كبيراً في منطقتها والعالم.