الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة نقدية في قصة سيمفونية الرماد للقاص محمد رشيد


أجنحة من رماد تنبض بالحياة

قراءة نقدية في قصة سيمفونية الرماد للقاص محمد رشيد

زهراء بريدي

 

القصة القصيرة عبارة عن سرد حكائي نثري، ولأن هذا النوع الأدبي قريبٌ مني وجدت نفسي أمام تجربة أدبية تستحق التأمل والقراءة العميقة، ألا وهي قصة "سيمفونية الرماد"، التي تحمل في طياتها أبعادًا إنسانية ونفسية غنية.

وقد دفعتني هذه التجربة إلى الغوص في عالم النص ومحاولة الكشف عن حدود السرد، ومن هنا تأتي هذه القراءة النقدية بوصفها محاولة لفهم البنية الفنية للنص والاطلاع على لغته المكثفة ودلالاته وصوره الرمزية.

يعمد الكاتب هنا تحويل الرماد إلى صوت، ويغدو الألم نغمة خفية فكل كلمة تنبض بالحياة وكل سطر هو نبضة من روح المعاناة

يرى رشيد أن الحرب لا تُنتج إلا الرماد، ولا تترك سوى آثار الاحتراق في الذاكرة والوجدان، وكما يقول رسولنا الأعظم (ص): "لا تتمنوا لقاء العدو"، وذلك لأن الحروب تخلف معاناة شاملة.

ويقول عالم العلاقات الدولية هانز مورغنثاو: "الحرب ليست فطرة طبيعية في الإنسان بل نتاج ظروف اجتماعية وسياسية تحرك العنف".

ونظرًا لانعدام المنتصر الحقيقي بالحروب، امتدت آثارها لتطال أعمق ما في الإنسان، إذ تتحول القلوب إلى مساحات قاحلة، ويغدو الإنسان عاجزًا عن الإحساس والحب والحياة...

وهنا قدّم رشيد مشهدًا رمزيًا بالغ التأثير حين يرتطم الطائر بالسيارة ويموت. في محاولة لتجسيد هشاشة الحياة وسرعة انطفائها، غير أن اختفاء الريش في موضع الحادثة يفتح بابًا للتأويل إذ لا يبدو الحدث مكتفيًا بواقعيته؛ بل يتحول إلى إشارة رمزية لشيء مفقود.. أو معنى مؤجل، فإن رشيد وهو يبحث عن أثر الطائر إنما يبحث في الحقيقة عن البراءة أو الحياة التي تلاشت فجأة، غير أن المفارقة تتجلى حين يصل إلى الحبيبة ليجدها ميتة ومحاطة بالريش، وكأن ما اختفى هناك تجلى هنا!،اختفى الريش من أمامه، ليظهر في يديها؛ كأن الفقد عنده كان اكتمالًا عندها، وكأن الحب يعيد توزيع الألم ليصنع منه حياة وهكذا لم يعد الريش علامة على السقوط، بل صار جسرًا بين روحين. ليتحول الانتظار في القصة إلى رمز كثيف الدلالة، لا يعبر عن ترقب لقاء عابر بقدر ما يكشف عن حالة ممتدة من القلق واللايقين، فهذا الانتظار الطويل لا يبدو زمنيًا فحسب؛ بل نفسيًا ووجوديًا حيث تجسد كمرآة لمعاناة مستمرة لا تجد نهايتها بطول أمد الحروب وما تخلفه من توتر دائم يثقل كاهل الإنسان، إلى وضعنا الراهن وما نمر به من أحداث بالبلدان العربية والإسلامية حتى عامنا الحالي 2026

سعى رشيد إلى فضح بشاعة الحرب من خلال مشاهدها الرمزية والمترابطة، حيث تتحول عناصر النص من الرماد إلى الطائر ومن الحبيبة إلى الريش إلى رموز نابضة تعبر في عمقها عن فداحة الفقد وقسوة الموت.

فهذه الصور المتناثرة لا تقف عند حدود الحدث، بل تتضافر لتشكل صوتًا واحدًا يكشف عن انكسار الأحلام وتشظي الإنسان تحت وطأة واقع مثقل بالخراب.

ومن هنا برع محمد رشيد بعرض المشاهد بل نسجها بعناية لتشكل لوحة متكاملة تكشف عن وعي جمالي وقدرة لافتة على التعبيرعن أدق الانفعالات الإنسانية.

أما المشهد الأخير من القصة، فتبلغ فيه الجمالية ذروتها وتكتمل الصورة، لما يحمله من إشراقة أمل ونبضة حياة، حين كان الرماد دالًا على الفقد والانكسار؛ يُبعث الطائر من جديد حاملًا في جناحيه بشرى الحياة وبداية أخرى، هذا الانتعاش الرمادي يوفر للقارئ فسحة أمل، يوحي له بأن ما تحطم أو انتهى لا يعني النهاية المطلقة، بل سيمفونية أزلية في بداية ولادتها الجديدة

يمتاز رشيد بعلاقته الوثيقة مع الطائر، فقد كتب عنه مرارًا وربطه بالحياة والحرية والروح الإنسانية، يظهر ذلك جليًا في تصويره للطائر في "سيمفونية الرماد" حيث يمثل البراءة والحياة التي تتعرض للفقد لكنه؛ في الوقت ذاته يحمل إمكانية التجدد والبعث. ولم يقتصر اهتمامه على الطائر العادي بل امتد إلى الرموز الأسطورية مثل "العنقاء" التي تجسد القدرة على النهوض من الرماد. و"الهربان" الذي يمثل مظهرًا خلابًا من الجمال وقدرته على التخفي والتحرك بين الظلال بعيدًا عن الخطر مما يجعله رمزًا للحذر والمرونة في مواجهة مصاعب الحياة.

يتماهى رشيد مع رموزه في النص، ولا سيما صورة الطائر، إذ تبدو شخصيته ممتدة في هذه الكائنات الرمزية. فهو يشبهها في خفته الروحية وقدرته على التحليق فوق الواقع القاسي، كما يشاركها حسّها الفطري في البحث عن الحياة رغم الخراب فهو في هذا يُشبه "الهربان". وإنه لا يعرف الانطفاء متجددًا ک "العنقاء الذي ينهض من رماده. وهو مثل "طائر المرايا" الذي يقف أمام المرآة لكنّه لا يكتفي بالنظر بل يحوّل النظرة إلى سؤال..؟

هكذا يبدو لي محمد رشيد لأنه يمتلك قدرة داخلية على تجاوز الألم وتحويله إلى فعل إبداعي نابض مثلما أمتعنا بهذه السيمفونية التي تنساب سطورها بين يدي في أجنحة من رماد تنبض بالحياة .


مشاهدات 45
الكاتب زهراء بريدي
أضيف 2026/04/07 - 1:36 PM
آخر تحديث 2026/04/08 - 2:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 124 الشهر 6061 الكلي 15224134
الوقت الآن
الأربعاء 2026/4/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير