الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الشرق الأوسط 2026.. من إدارة الأزمات إلى صراع القواعد المتغيرة

بواسطة azzaman

الشرق الأوسط 2026.. من إدارة الأزمات إلى صراع القواعد المتغيرة

انتظار العظيمي

 

لم تعد منطقة الشرق الأوسط تعيش مرحلة «انتظار» لنتائج التوترات بين القوى الإقليمية، بل دخلت فعلياً في طور إعادة الهيكلة الجيوسياسية. القراءة السطحية للمشهد توحي بأننا أمام «إدارة صراع» لتجنب حرب كبرى، لكن التدقيق في التحركات العسكرية والتقنية يشير إلى أننا أمام حرب من نوع جديد، تآكلت فيها الخطوط الحمراء القديمة وحلت محلها قواعد اشتباك أكثر سيولة وخطورة.

ردع متبادل

أولاً: تآكل الردع التقليدي وبروز «الضربات الجراحية»

في السابق، كان «الردع المتبادل» بين إسرائيل وإيران يمنع الصدام المباشر خوفاً من الانزلاق لحرب شاملة. اليوم، نشهد تحولاً جذرياً؛ حيث انتقلت المواجهة من «الحروب بالوكالة» إلى «المواجهة الهجينة».

تجاوز المحظور: لم يعد الهجوم المباشر بين الأطراف الرئيسية «إعلان حرب» بالضرورة، بل أصبح أداة للتفاوض الخشن.

الردع المتآكل: كل ضربة متبادلة تضعف هيبة الردع التقليدي، مما يجعل احتمال وقوع «خطأ حسابي» يؤدي لانفجار كبير أعلى بكثير مما كان عليه في العقد الماضي.

ثانياً: «سلاح التكنولوجيا» والذكاء الاصطناعي في الميدان

التعديل الجوهري في فهم صراع المستقبل يكمن في دخول الذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية كعناصر حسم تفوق الصواريخ التقليدية.

لم يعد الصراع يقاس بعدد الجنود، بل بالقدرة على شلّ الأنظمة الدفاعية، واختراق البنى التحتية، وإدارة أسراب المسيرات ذاتية التوجيه.

هذه التكنولوجيا خلقت ما يمكن تسميته «الحرب الصامتة»؛ وهي مواجهات مدمرة استراتيجياً لكنها لا تترك خلفها دماراً مرئياً يستوجب رداً دولياً فورياً، مما يطيل أمد الصراع دون حسم.

لاعبين متوازنين

ثالثاً: العراق ودول الخليج.. من «ساحات صراع» إلى «لاعبين متوازنين»

طرأ تغيير جوهري على دور الدول المحورية في المنطقة:

1. العراق: يسعى للخروج من دور «صندوق البريد» للرسائل النارية، متحولاً إلى «منطقة عازلة نشطة» تحاول موازنة الضغوط عبر تنويع الشراكات الاقتصادية والأمنية.

2. دول الخليج: انتهجت استراتيجية «التصفير الجيوسياسي»؛ حيث لم تعد تضع رهانها الكامل في سلة واحدة. التقارب مع الصين وروسيا خلق شبكة أمان دولية تمنع تحويل المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة قد تدمر مشاريع التنمية الاقتصادية العملاقة.

رابعاً: الاقتصاد كسلاح للمناورة لا للتهدئة

خلافاً للمنطق القديم الذي يرى أن الاقتصاد يكبح الحروب، أصبح التنافس على «ممرات الطاقة والطرق التجارية» هو وقود الصراع الجديد.

«الصراع اليوم ليس على الحدود الجغرافية فحسب، بل على من يسيطر على 'العصب الرقمي' وطرق التجارة العالمية التي تمر عبر المضائق الحيوية في المنطقة

خامساً: السيناريوهات المرجحة للمرحلة القادمة

بناءً على هذه المعطيات، يتأرجح المستقبل القريب بين ثلاثة مسارات:

1. الاستنزاف المستدام: استمرار الضربات المتبادلة تحت سقف الحرب الشاملة، مع التركيز على تدمير القدرات النوعية (النووية، السيبرانية، والتقنية).

2. الانفجار الموضعي: اندلاع مواجهات كبرى في جبهات محددة (مثل جنوب لبنان أو الساحة السورية) لفرض واقع سياسي جديد دون الانزلاق لمواجهة مباشرة وشاملة بين العواصم الكبرى.

3. التسوية القسرية: تدخل أقطاب دولية (واشنطن وبكين) لفرض اتفاقات أمنية تقنية تضمن تدفق الطاقة والتجارة مقابل تنازلات سياسية متبادلة.

الخلاصة

إن مستقبل المنطقة لا يتجه نحو «انفجار كبير» بالمعنى التقليدي، بل نحو «حالة من الصراع الدائم المنضبط تقنياً». المنطقة تعيد إنتاج نفسها عبر توازنات قوى جديدة، حيث القوة لم تعد تكمن في حجم الجيش، بل في القدرة على الصمود التكنولوجي، المرونة السياسية، والتحكم في ممرات الاقتصاد العالمي.

الشرق الأوسط لا يشتعل، بل «يغلي» تحت غطاء من الحسابات المعقدة التي تمنع الانفجار، لكنها لا تطفئ النيران.

 


مشاهدات 56
الكاتب انتظار العظيمي
أضيف 2026/03/17 - 3:04 PM
آخر تحديث 2026/03/18 - 1:36 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 115 الشهر 15034 الكلي 15007103
الوقت الآن
الأربعاء 2026/3/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير