العجز المعرفي.. نقد الفلاحة الأكاديمية الزائفة
محمود عجاج فهد
في حقول المعرفة التي يُفترض أن تُسقى بعرق الفكر، استنبتت الحداثة المشوهة نوعاً غريباً من «المزارعين»؛ فلاحون يرتدون ربطات عنق أنيقة، يقطفون الثمار دون أن يمسكوا فأساً، ويملأون السلال دون أن تنغرس أقدامهم في طين التجربة. إننا أمام ظاهرة «الباحث المستأجر»، ذاك الذي استبدل القلم بالمال، والمنهجية بالمكتب التجاري، ليحول العلم من «رسالة» إلى «بضاعة» معلبة.
عُقـم الموهبة وجِـنان الزور
إن جوهر الأزمة يكمن في العجز المعرفي الذي يرتدي قناع الألقاب. هؤلاء الذين «تُكتب» لهم أعمالهم، لا يعانون من نقص في المصادر، بل من «أنيميا» في الأمانة و»عقم» في الإبداع. يذهب أحدهم إلى حوانيت «الاستكتاب» كما يذهب المشتري إلى سوق الخضار، يطلب بحثاً بـ «مقاييس خاصة»، وكأن الحقيقة العلمية ثوبٌ يُفصّل حسب مقاس الوجاهة الاجتماعية، لا كشفاً يُنال بالمكابدة.
حداثة الافكار
إنها «فلاحة الوهم»؛ حيث تُبنى الصروح الأكاديمية على رمالٍ متحركة. فالباحث الذي لا يتعب في حراثة أفكاره، يظل غريباً عن محصوله. إذا سألته الأرضُ عن سرّ اخضرارها صَمَت، وإذا استنطقه العلم عن جذور نتائجه ارتبك؛ لأنه لم يعش مخاض السؤال، ولم يذق مرارة الحذف والإضافة، ولم ينم بين طيات الكتب بانتظار إشراق الفكرة.
مكاتب «صياغة الظل» والتربة المسمومةتحولت تلك المكاتب إلى «سرطانات» تنهش جسد البحث العلمي، فهي تبيع «النتائج الجاهزة» لباحثين عاجزين يظنون أن الحكمة تُورث بالصكوك. هؤلاء السماسرة يجمعون فتات الأفكار من هنا وهناك، ويعيدون تدويرها بأسلوب «التبييض الأكاديمي»، ليخرج البحث نضراً في ظاهره، لكنه يحمل في أحشائه بذور الفناء؛ فلا هو يغني المعرفة، ولا هو يبني عقل صاحبه.
جناية «الحصاد السهل» على الأجيال
إن الفاجعة الحقيقية ليست في ورقة تُنشر أو لقب يُمنح زوراً، بل في تلوث التربة العلمية.
حين يرى الباحث الصادق أن «جامع الثمار» يعتلي المنصات بالمال، ينكسر غصنُ الطموح فيه. نحن ننتج جيلاً من «الفلاحين الوهميين» الذين يتقنون فن الحصاد دون أن يعرفوا معنى البذر، مما يؤدي إلى «مجاعة معرفية» مغلفة بضجيج الشهادات الكرتونية.
الختام: لن يبقى إلا ما غرسَهُ الصدق
إن العلم، في قدسيته، لا يمنح مفاتيحه للمتسللين عبر النوافذ. وحين يصبح الباحث «زبوناً» في مكتب تجاري، فإنه يوقع شهادة وفاته المعرفــــية بيده. سيبقى الفلاح الحقيقي هو ذلك الذي تتشقق كفاه بصياغة السطر، وتذبل عيناه بانتظار الدليل، وتشرق روحه حين يرى بذرته قد أصبحت شجرةً يفيء إليها الناس.
أما أولئك الذين جنوا ما لم يزرعوا، فسيظلون «غرباء» في حقول العلم؛ يملكون الصكوك ولا يملكون الأرض، ويملكون الثمار ولا يذوقون طعم الفخر. فالأرض، مهما طال عليها أمدُ الزيف، لا تعترف إلا بمن عجن ترابها بــــدمه وفكره.