الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مضيق هرمز في ظل الحرب.. الجغرافيا تتحدث بصوت أعلى من المشاريع الطموحة

بواسطة azzaman

مضيق هرمز في ظل الحرب.. الجغرافيا تتحدث بصوت أعلى من المشاريع الطموحة

فريدة الحسني

 

في عالم الطاقة والتجارة العالمية لا تتشكل خرائط النفوذ بقرارات سياسية فقط، بل ترسمها الجغرافيا قبل كل شيء. فالممرات البحرية الكبرى التي تتحكم في حركة الاقتصاد العالمي ليست مجرد خطوط على الخرائط، بل هي نقاط التقاء معقدة بين الموقع الطبيعي والاقتصاد والسياسة الدولية، ولهذا السبب كلما تصاعد التوتر في منطقة الخليج أو ازدادت المخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة، يعود الحديث مجددا عن البحث عن ممرات بديلة قد تقلل الاعتماد على الممرات التقليدية ومن بين هذه الأفكار ما يعرف إعلاميا باسم «قناة سلمان» وهي فكرة تقترح شق ممر مائي عبر شبه الجزيرة العربية يربط الخليج بالبحر الأحمروقد ذهب بعض المتحمسين إلى وصف المشروع بأنه «معجزة القرن» قادرة على تقليل أهمية مضيق هرمز، الذي يعد اليوم أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه هنا ليس مدى جرأة الفكرة، بل مدى قدرتها على تغيير حقائق الجغرافيا التي حكمت هذه المنطقة لقرون طويلة؟

مضيق هرمز، شريان الطاقة الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية، فهو يشكل أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم، حيث يمر عبره ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال القادم من دول الخليج

هذا المضيق يمثل المنفذ البحري الأساسي لصادرات الطاقة من عدد من أكبر المنتجين في العالم، مثل العراق والكويت وقطر والإمارات، إضافة إلى إيران والسعودية في جزء من صادراتها

وهنا تظهر الحقيقة الجغرافية التي تجعل الحديث عن تجاوز المضيق أمرا معقدا، فمعظم هذه الدول تقع داخل الخليج أصلا، ما يعني أن أي ناقلة نفط أو سفينة تجارية تريد الوصول إلى البحار المفتوحة لا بد أن تمر عبر هذا الممر

ولهذا ظل المضيق طوال العقود الماضية عنصرا ثابتا في معادلة أمن الطاقة العالمي ومركز اهتمام القوى الدولية التي تسعى دائما إلى ضمان استقرار الملاحة فيه

 فكرة هندسية

الفكرة المتداولة لمشروع قناة سلمان تقوم على إنشاء ممر مائي بعمق يقارب 25 مترا يمتد عبر الأراضي السعودية ليربط الخليج بالبحر الأحمر مع إقامة مشاريع اقتصادية وموانئ ومدن لوجستية على طول المسار وغالبا ما يجري تقديم المشروع على أنه امتداد لنماذج ناجحة من القنوات العالمية مثل قناة السويس

لكن المقارنة بين المشروعين ليست دقيقة تماما، فالقناة المصرية يبلغ طولها نحو 193 كيلومترا فقط، بينما قد يتجاوز طول القناة المقترحة عبر الجزيرة العربية ألف كيلومتر تقريبا

وهذا الفارق الكبير في المسافة يفتح الباب أمام تحديات هندسية واقتصادية أكبر بكثير لأن كل كيلومتر إضافي في مثل هذه المشاريع يعني زيادة في عمليات الحفر والصيانة والبنية التحتية اللازمة للملاحة. طبيعة الجزيرة العربية الجغرافية، هضبة واسعة وليست مجرد صحراء منبسطة.

من أكثر التصورات الشائعة في النقاش العام الاعتقاد بأن الجزيرة العربية مجرد صحراء مسطحة يمكن شق قناة عبرها بسهولة، غير أن الواقع الجغرافي مختلف إلى حد كبير فالجزيرة العربية تضم في وسطها هضبة واسعة مرتفعة نسبيا مقارنة بالمناطق الساحلية ما يعني أن شق قناة مائية طويلة قد يتطلب عمليات حفر عميقة للغاية في بعض المناطق أو إنشاء نظام أقفال مائية معقد يسمح للسفن بالانتقال بين مستويات مختلفة من الارتفاع وهذا النوع من الأنظمة يستخدم في قنوات عالمية مثل قناة بنما، لكن تطبيق نظام مشابه على امتداد مئات الكيلومترات سيزيد من تعقيد المشروع وتكاليفه التشغيلية بشكل كبير.

 تفرض البيئة الصحراوية في الجزيرة العربية تحديا آخر لا يقل أهمية وهو حركة الرمال والكثبان بفعل الرياح فالصحارى بطبيعتها بيئات ديناميكية تتحرك فيها الكثبان الرملية باستمرار نتيجة العواصف والرياح الموسمية، وقد تتغير مواقعها تدريجيا خلال سنوات قليلة.

هذا الواقع يعني أن أي قناة مائية تمر عبر بيئة صحراوية مفتوحة ستحتاج إلى عمليات تجريف وصيانة مستمرة للحفاظ على عمق الملاحة ومنع تراكم الرمال في المجرى الملاحي وحتى القنوات البحرية الحالية تحتاج إلى أعمال صيانة دورية للحفاظ على عمقها، فكيف إذا كان الممر يمتد لمئات الكيلومترات داخل صحراء تتحرك رمالها باستمرار.

 الممرات البحرية الكبرى لا تغير التجارة فقط، بل توازنات النفوذ أيضا

فالتاريخ يبين أن الممرات البحرية الكبرى لا تقتصر أهميتها على التجارة فقط، بل تتحول مع الزمن إلى أدوات نفوذ سياسي واقتصادي. فالقنوات العالمية مثل قناة السويس وقناة بنما لم تغير فقط طرق التجارة، بل أعادت أيضا تشكيل موازين القوة الإقليمية والدولية

ومن هذا المنطلق، فإن إنشاء قناة تربط الخليج بالبحر الأحمر قد يمنح الدولة التي تستضيفها دورا أكبر في إدارة حركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا، وقد يعزز مكانتها كمركز لوجستي عالمي من خلال شبكة الموانئ والمناطق الاقتصادية التي قد تنشأ على طول هذا الممر، لكن في المقابل قد يؤدي ظهور ممر جديد بهذا الحجم إلى إعادة ترتيب بعض التوازنات الإقليمية، لأن الممرات البحرية الاستراتيجية غالبا ما تجذب اهتمام القوى الدولية التي تسعى إلى ضمان حرية الملاحة واستقرار طرق التجارة ومع ذلك، تبقى هذه السيناريوهات مرتبطة بفرضية تنفيذ المشروع على أرض الواقع، وهو أمر ما زال حتى الآن في إطار الأفكار المطروحة أكثر منه في مرحلة التنفيذ الفعلي

وبين الطموحات الاقتصادية والتوازنات الجيوسياسية الجديدة التي قد يفرضها أي ممر مائي في المنطقة، تبقى الحقيقة الأساسية أن الجغرافيا لا تتغير بسهولة، وأن الممرات التي تشكلت عبر التاريخ تظل لفترات طويلة محور الحركة العالمية للطاقة والتجارة، فالمشاريع الكبرى تبدأ غالبا بأفكار طموحة، وبعضها يتحول بالفعل إلى إنجازات هندسية تغير العالم

لكن التجربة التاريخية تظهر أن الجغرافيا تبقى العامل الأكثر ثباتا في معادلة السياسة والاقتصاد

ولهذا، وبينما تستمر الأفكار الجديدة في الظهور على خرائط الطموح، يبقى مضيق هرمز حتى اليوم حقيقة استراتيجية يصعب تجاوزها، لأن بعض الممرات لا تصنعها السياسة وحدها، بل ترسمها الجغرافيا منذ آلاف السنين.

اهتمام دولي

لا تقتصر أهمية مضيق هرمز على كونه ممرا لتجارة النفط فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى كونه نقطة محورية في منظومة الأمن البحري العالمي. فالتدفقات الضخمة للطاقة التي تمر عبره جعلت من استقرار الملاحة فيه قضية دولية تتجاوز حدود المنطقة ولهذا السبب تحظى المياه المحيطة بالمضيق باهتمام متواصل من القوى البحرية الكبرى التي تسعى إلى ضمان حرية الملاحة وحماية طرق التجارة الدولية. فوجود الأساطيل البحرية الدولية في هذه المنطقة يعكس إدراكا عالميا بأن أي اضطراب في هذا الممر قد ينعكس فورا على الأسواق العالمية وأسعار الطاقة ومن هنا يتضح أن أهمية المضيق لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي، بل أيضا من شبكة المصالح الدولية المرتبطة به، وهي شبكة تجعل استقراره جزءا من معادلة الأمن الاقتصادي العالمي

 


مشاهدات 56
الكاتب فريدة الحسني
أضيف 2026/03/16 - 11:03 PM
آخر تحديث 2026/03/17 - 12:09 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 45 الشهر 14005 الكلي 15006074
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/3/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير