(حرب تلد أخرى) مهّدت لكوارث العالم
محاربة صدام لإيران أضعف مقاومة التوسّع الصهيوني ومهّد لحروب واشنطن
حسين فوزي
كتب الأستاذ سعد البزاز «حرب تلد أخرى» عام 1993، ولم يكن قد أعلن انشقاقه عن النظام الشمولي، لذلك لم تكن سطور كتابه تتضمن ادانة مباشرة للحرب مع إيران ولا غزو الكويت، لكن ما بين السطور يستلهم القارئ الذكي أن الحرب على إيران كانت بداية الكوارث اللاحقة، بل هي «أم الكوارث»، إن جاز التعبير، لتلد كارثة حروب متتالية في المنطقة.
لذلك اصبح البزاز مطلوباً من قبل النظام الشمولي، موضوعياً الحرب التي يشنها ترامب على الجارة إيران، ما كان لها ان تكون بهذه الصيغة، لولا انزلاق النظام الشمولي، بفعل فقدان رأسه للعقلية الاستراتيجية، إلى شن حرب شاملة على إيران، رداً على التحرشات الحدودية الواسعة والحملة الإعلامية للجمهورية الإسلامية ضد السلطة في بغداد. وهو ما كان يمكن معالجته بوسائل متنوعة عدا التورط في حرب تحرف الصراع العربي ضد الصهيونية والإمبريالية عن مساره الذي أسس له الزعيم الراحل جمال عبد الناصر والقوى الثورية والديمقراطية العربية.
وهي الحرب التي قادت بفعل الازمة الاقتصادية للعراق إلى قرار آخر مرتجل هو غزو الكويت، الذي أسفر عن اصطفاف عربي ودولي ضد العراق، واستكمل ما بدأته الحرب مع إيران من أضعاف لمسار البناء، ضمنه فقدان العراق لمعدات عسكرية ومستلزمات مكملة أخرى، كانت تضعه قوة رئيسة في موازين إدارة الصراع مع «إسرائيل»، ما أسفر عن تمزيق القوى العربية وتشتيت طاقاتها.
طوائف متناحرة
وهذا ما اعترف به صدام حسين في أيامه الأخيرة.
فضمن المخطط ذاته الذي طرحه علانية برجنسكي ومن بعده برنارد ليفي وبرنارد لويس، بشأن تقسيم البلاد العربية وزجها في صراعات ضد بعضها من جهة، ومن جهة أخرى تقسيم العالم الإسلامي إلى طوائف متناحرة، في استعداء كل دولة أو فرقة ضد الاخرين فكرياً وميدانياً، جاءت المعارك ضد الجمهورية الإسلامية بحجة النووي والصواريخ البالستية، التي تطرحها واشنطن وتل ابيب لتبرير عدوانهما، دون الالتفات إلى حقيقة ان النووي الإسرائيلي وأسلحة الطيران والصواريخ الأميركية والصهيونية هي التهديد الدائم لأمن وسلامة المنطقة والسلم العالمي.
ويأتي رهان الرئيس ترامب ونتن ياهو على أمكانية كسر شوكة إرادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية من خلال ضربات شاملة تستهدف مراكز القيادة والسلاح والبنى التحتية، ضمنها قطع رأس النظام في شخص السيد علي خامنئي مرشد الدولة.
وغاب عن حسابات أقصى اليمين الصهيوني الحاكم في تل ابيب ومضارب العقارات والفنادق وصالات القمار ترامب، أن للسلطة الإيرانية جذور تمتد لأكثر من 1400 سنة من التشيع وقيم الاستشهاد التي ينتصر فيها الدم على السيف، بجانب نزاهة الرموز الرئيسة في الدولة، في ظل وعي قومي فارسي متحالف مع بقية الشعوب المتشيعة وغير الشيعية في إيران، على القيمة الكبرى لسيادة دولة إيران ودورها الإقليمي المتميز وثقلها الدولي.
لذلك فان استهداف 15000 هدف وقتل مئات الاف المواطنين الإيرانيين من فرس واذريين وعرب وبلوش وكرد لم يؤدُ لسقوط النظام، بل حدث العكس، فاصطفت المعارضة الليبرالية الوطنية إلى جانب السلطات الإسلامية، ووصل الأمر أن حزب توده، الذي تعرض لأكبر عملية تصفية بعد عام 1980، شجب العدوان الإمبريالي، مع انه ظل على موقفه الناقد بشدة لسلطات طهران.
وفاق وطني
وهو موقف يستدعي في الذهن مواقف أحزاب سياسية عراقية مثل الدعوة والوفاق الوطني والشيوعي والمستقلين مثل البزاز والجواهري ضد احتلال العراق عام 2003، وهي مقاربة لا تعني التشابه بين النظام الشمولي في العراق والجمهورية الإسلامية، لكنها مقاربة تبين أن السيادة الوطنية تظل معياراً رئيساً في الرؤية السياسية الوطنية في التعامل مع مخططات التدمير والاحتلال الإمبرياليتين، من القوى المعارضة الوطنية.
الحرب مشرط شرذمة العرب والمسلمين
إن العديد من الدول العربية والقوى السياسية، ضمنها اليسار العربي والدولي، لا تهضم نظام ولاية الفقيه في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن إيران جزء من حركة التحرر الوطني، وأنها مع طموحات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته ذات السيادة، وحق عودة اللاجئين إلى بلادهم التي ارغمهم الإرهاب الصهيوني على مغادرتها.
بالمقابل فأن قوى اليمين الصهيوني المتطرفة الحاكمة في تل ابيب تدرك أن مخططاتها التوسعية كذلك مشاريع الهيمنة الإمبريالية الأميركية، لا يمكن المضي فيها ما لم يتم تجزئة البلاد العربية والإسلامية، وتسييد مفاهيم المصالح القومية الضيقة على حساب رؤية استراتيجية للحفاظ على الدول الرئيسة القوية في المنطقة. لذلك فان الهدف هو تجزئة السعودية وسوريا والعراق ومصر وتركيا وإيران، وفق منظور قومي ضيق أو طائفي.
بحيث يستحيل معه قدرة أية دويلة من الـ 14 دولة مفتعلة التي يخطط الصهاينة وواشنطن لتفريخها العيش بدون مظلة رعاية صهيونية امبريالية، وقراءة الفاتحة على الطموحات القومية للتحرر الوطني والسيادة والتنمية السلام، وتسيد تل ابيب في المنطقة.
إيران الخط الامامي
إن كثر ممن لا يستسيغون ولاية الفقيه، سواء في السعودية وبقية مجلس التعاون الخليجي، كذلك مصر والجزائر وتركيا وباكستان واندونيسيا، يدركون أن استهداف سلطة الجمهورية الإسلامية هو بداية استهداف لكل هذ الأطراف. لذلك فأن دول مجلس التعاون الخليجي، مع شجبها بأشد العبارات للهجمات الإيرانية على القواعد الأميركية على أراضيها والتسهيلات الالكترونية المرافقة لها، ترفض الانجرار لمنزلق محاربة إيران كما فعل صدام حسين.
وموضوعياً فأن مطاولة إيران في الصمود بمواجهة الهجوم الشامل الصهيو-أميركي عليها هو الخط الأمامي لمنع تجزئة المنطقة والعالم الإسلامي، لتمكين الصهاينة من التحكم لحساب الرؤية الصهيونية العالمية التي ابتدأت بالحرب الفرنجية (الصليبية) على الوطن العربي في نهاية الألفية الأولى وما بعدها.
ويرى مفكرون كثر أن صمود إيران هو مقاومة لبطش القطب الأحادي المنفلت بشخص رئيس الولايات المتحدة، ودفاع عن الاستقلالية الوطنية، سواء للبلاد العربية والإسلامية، بل حتى الأوربية، حد الدفاع عن سيادة الدنمارك في رفض ابتلاع واشنطن لغرينلاند.
تعاطف وتضامن عالميين
روَع صمود الجمهورية الإسلامية والتفاف الشعوب الإيرانية حول قيادتها ترامب ونتن ياهو، وهو صمود يؤدي إلى تقويض انفلات القطب الواحد في التعامل مع العالم، كذلك تقزيم الكيان الصهيوني، واجباره على التخلي عن مطامعه التوسعية التوراتية المزعومة من النيل إلى الفرات. وهذا الصمود هناك قوى تقف بجانبه بدرجات متباينة فروسيا والصين تمدان طهران بالسلاح والعتاد والمعلومات الاستخبارية، ودول الخليج العربية ترفض الانجرار للحرب، وموسكو وبكين تدركان بأن الحرب على إيران حلقة مركزية في الاستحواذ على منابع النفط لإضعافهما وتقويض فرص تنامي قدراتهما الاقتصادية والسياسية العسكرية. كذلك تدين دول اوربية العدوان على إيران، والمحصلة هي أن غالبية العالم ضد انفلات بطش القطب الأحادي الأميركية، بما يدعم صمود إيران التي أذهلت ترامب وكلفت نتن ياهو لحد الان أكثر من 1500 قتيل، ضمنهم قيادات عسكرية رفيعة، وألحاق ضرر فادح بحاملة الطائرات إبراهام لنكولن.
وهذه الحالة هي التي تؤدي بترامب إلى تناقضات صارخة في تصريحاته عن مزاعم تدمير قدرات إيران العسكرية، فيما تستمر القوات المسلحة الإيرانية في دك مراكز القوة الأميركية والإسرائيلية، وانتظار استسلام طهران الذي لن يتحقق، بل أن صمودها هو بداية العودة لعالم متعدد الأقطاب، وفشل كل تنظيرات برجنسكي والبرنادرين لويس وليفي في شرذمة الوطن العربي والعالم الإسلامي.
من ناحية أخرى فأن المتغيرات المنتظرة على الساحة الإقليمية والدولية إثر صمود الجمهورية الإسلامية، تستدعي في الوقت نفسه حدوث تغييرات في تعاطي الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع المعارضة الوطنية الإيرانية، التي تقف معها في مواجهة الهجمة الصهيو- أميركية، إلى جانب ترسيخ قيم تعامل الدولة وليس المعتقدات مع مواطنيها أو مع الجوار، بمعنى أن الجمهورية الإسلامية مدعوة بإلحاح إلى تعزيز ممارستها لاحترام حق التعبير عن الرأي بكل اشكاله، وترسيخ قيم احترام حقوق الإنسان أكثر فأكثر، لتعزيز فرص تعجيل متغيرات سقوط تحالف أحادية القطب والتطرف الصهيوني ومخططاته السيا- عسكرية للسيطرة على المفاصل الرئيسة في عالم القرن الحادي والعشرين.