الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
موقف إقليم كُردستان من الحرب الدائرة

بواسطة azzaman

موقف إقليم كُردستان من الحرب الدائرة

عدالت عبد الله

 

ثمة أفضال سياسية لكل من الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية على الكُرد في العراق، لا يمكن نسيانها أو الانحياز لأحد الطرفين على حساب الآخر. فالولايات المتحدة أسهمت في حماية إقليم كُردستان عبر القرار الأممي رقم (688) الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 5 نيسان 1991، عقب أحداث حرب الخليج الثانية وما تبعها من قمع للانتفاضات التي شهدها العراق آنذاك ولا سيما انتفاضة الشعب الكُردي في مناطقه، أي في كُردستان.

ولعل الجميع يتذكر جيداً أن هذا القرار شكّل أساساً قانونياً لتدخل المجتمع الدولي لحماية المدنيين، وأدى لاحقاً إلى توفير مظلة دولية للكرد وإنشاء منطقة حظر طيران في إقليم كُردستان.

الأمر الذي ساهم بدرجة كبيرة في حمايتهم من هجمات نظام صدام حسين، بل وساعد أيضاً في تهيئة الظروف لإدارة الكُرد لشؤونهم في المناطق التي سيطروا عليها بعد الانتفاضة الثانية التي أعقبت الأولى بخمسة أشهر. وقد ترتب على ذلك إنشاء مؤسسات حكومية ورسمية في الإقليم، بعد أن سحبت الدولة العراقية إداراتها منه بقصد إحداث فراغ إداري وتعطيل قدرة الكُرد على إدارة أوضاعهم الإدارية والمعيشية.

فضل لا ينكر

ولإيران أيضاً فضلٌ لا يُنكر على الكُرد في العراق، إذ دعمت الثورات والحركات السياسية الكُردية ضد النظام الدكتاتوري في العراق، وفتحت حدودها أمام الهجرة المليونية للكرد إلى أراضيها إبان قمع نظام صدام لانتفاضتهم بالحديد والنار، ولجوء معظم الشعب الكُردي إليها. كما اعترفت الجمهورية الإسلامية الإيرانية رسمياً بواقع إقليم كُردستان بوصفه منطقة حكم ذاتي، وفتحت قنوات سياسية ودبلوماسية وتجارية معه، وكان الإقليم بأمس الحاجة إليها لاستعادة عافيته وتحقيق الاستقرار تدريجياً.

وعليه، ومن هذا المنطلق، يبدو من غير المعقول أن يدخل الإقليم في أي حرب تقع بين الطرفين لصالح أحدهما ضد الآخر، فضلاً عن حقه الطبيعي في تبني موقف الحياد مادام هذا الموقف ينسجم مع شروط الحفاظ على استقراره وعدم الانجرار وراء أجندات قد تكون خاصة بأطراف الحرب لا بالدول أو المناطق الواقعة ضمن جغرافيتها.

صحيح أن كلاً من الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية ترغبان في أن يكون للكرد موقف داعم في هذه الحرب؛ فالأولى قد تتوقع من الإقليم أن يكون ساحة مفتوحة لتنظيم المعارضة الإيرانية ودفعها للتحرك داخل مناطق شرق كُردستان الواقعة ضمن الحدود الإيرانية، بينما تتوقع الثانية منه ألا يتورط في أي تحركات تُعد موجهة ضدها في ظل الحرب الدائرة. غير أن القرار الثابت حتى هذه اللحظة لدى قادة الإقليم هو التمسك بالحياد إلى أقصى حد ممكن، لا سيما أن إقليم كُردستان يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية، ونقص في الخدمات، وإشكالات تتعلق بتأمين رواتب الموظفين شهرياً، فضلاً عن تحديات سياسية أخرى. كما أن الإقليم ملتزم بالسياسة الرسمية للعراق، المعبر عنها بشعار « العراق أولاً «، أي تقديم مصلحة البلاد والعباد، وتجنب التورط في حروب قد تحرق الأخضر واليابس وتدمر المنطقة وما فيها.

إن الكُرد في العراق لا يرغبون في أداء أي دور في هذه الحرب سوى دعم الجهود الرامية إلى وقفها وعودة أطرافها إلى طاولة المفاوضات. وعلى الرغم من تعرض الإقليم لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية أو فصائل مسلحة عراقية مرتبطة بها، فإنه اختار وبعقلانية فائقة التحلي بالصبر وتغليب الحل الدبلوماسي على أي خيار آخر يتناقض مع موقفه المبدئي من الحرب الراهنة. ويتميز هذا الموقف بقدر من الحكمة السياسية وبُعد النظر في تقدير مآلات الحرب وتبعاتها على شبكة العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية التي بناها إقليم كُردستان، والتي يسعى إلى الحفاظ عليها ضمن استراتيجية عراقية رسمية تقوم على لعب دور الوسيط في صراعات المنطقة ومحيطها الإقليمي.

 

باحث في المركز الأكاديمي للدراسات الوطنية ACNS

 

 

 


مشاهدات 52
الكاتب عدالت عبد الله
أضيف 2026/03/07 - 1:39 AM
آخر تحديث 2026/03/07 - 4:54 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 254 الشهر 5685 الكلي 14959754
الوقت الآن
السبت 2026/3/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير