الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الحرب في الأهوار .. المدافع لا تفرّق بين البشر والأسماك

بواسطة azzaman

الحرب في الأهوار .. المدافع لا تفرّق بين البشر والأسماك

نعيم عبد مهلهل

 

كلما أزور بلادي ، اخطف قدمي لأهوارها ، فهي المكان السحري لأجمل ذكرياتي  ، ومنها ذكريات الحرب وجنديتي ، عندما دعيت الى خدمة الاحتياط بعدما كنت معلما في واحدة من مدارس الأهوار  ،  وكان المكان - حينها - أكثر مياه وخضرة، ولم تقف امتدادات غابات القصب، وتنتهي - الآن - عند سداد عالية من التراب، أخبره - حينها - أمير بأنها من بعض قرار تجفيف الأهوار، وأن هذه السداد كانت خطّ صدٍّ لدفاعات الجيش العراقي، وهو يصدُّ الهجومات الإيرانية التي وصلت في معارك شرق دجلة إلى ضفاف الشط، وفي بعض الهجمات الليلية، وصل الجنود الإيرانيون على بعد مائتي متر من قبر النبي العزير.

يمرُّ شريط ذكريات جنديته في هذا المكان، تسكنه تلك الأيام العصيبة، فيتذكَّر تفاصيلها كلما التصقت عيناه بالأفق الممتدّ مع المياه وغابات القصب من ضفاف دجلة حتى العمق الإيراني في سماء بعيدة، يقولون إنها تمتدّ حتى هور الحويزة الإيراني. هنا وهناك كانت ساحات معارك الأهوار، وخواطرها التي سكنت أوراقه، ونعوش ضحاياها من الأصدقاء والغرباء:

تذكّرني حرب الأهوار بشكل عجيب لمشهدية الحرب؛ حيث لا توجد موانع لتعبئة متينة كالملاجئ والسواتر الحصينة المصفّحة بأقواس الأرامكو.. المانع الوحيد هو قصب البردي، وقدرك الذي - ربما - يبلّل جبينه بلزوجة دم فراق الأم من خلال رصاصة قنّاص تأتي من دون موعد، ربما لمجرد أن الجندي في الجانب الآخر يريد أن يفحص بندقيته.. رمى طلقة، وجاءت لتخترق جبهتك..

ليل الحرب الأهوارية هو ليل الأصوات المبهمة، حتى تحسّ أن السمك هو مَن يتكلّم، لهذا؛ ظلَّ الحذر والخوف من القادم من داخل الماء يمتزج برؤى الحكايات الخرافية التي كنت أسمعها من الأهالي الذين لم تُخفهم الحرب، ولم تُجبرهم على هجر موطنهم الأزلي، فظلُّوا يدقُّون أوتاد الحياة لبقاء مُتَّحد حتى في لجَّة المعارك والقصف. وأتذكَّر أن في واحدة من فورانات الهجوم الإيراني في معارك شرق دجلة وصل الإيرانيون إلى قرية السودة والبيضة القريبتين من الشارع العام الواصل بين البصرة والعمارة، وأنهم أسروا مدنيين، ومنهم معلِّمات المدرسة الابتدائية.. هكذا سمعتُ في الأخبار، وحين جئتُ مع وحدتي إلى هذا المكان كان الجيش العراقي قد أعاد المناطق التي احتلَّها الإيرانيون، وصار جرف الهور من الجهة العراقية ساتراً متقدماً، فيما بقي لسان عجيردة والرشيدة أرضاً حراماً.. وعلى الساتر النحيف، أقام الجيشان مراصدهم المعلقة، والتي تشبه تماماً في الشكل برج أيفل في باريس، وأتذكّر أني وأنا معلَّق فوقها طوال ساعات النهار والليل كتبت مقالاً بعنوان: ( تُرى: هل أرى باريس؟) وكنتُ أكلّم فيه الشاعر الفرنسي جاك بريفير، وأدعوه لزيارة المكان، والتمتُّع بقرص( الحرمس )، وهي حشرة لا تُرى - ربما - في العين المجردة، لكن لسعتها من فمها المجهري المدبّب مثل لسع الزنابير، وأتذكَّر أنني ابتدأت تلك المقالة بقصيدة لبريفير، حفظتها وأنا طالب في المتوسطة، تقول: الكل يموت.. الملك والحمار وأنا.. الملك من السأم.. والحمار من الجوع.. وأنا من الحب!.

لم تكن هذه الأبراج الحديدية الشاخصة على حافة الهور، وهي تنظر إلى البعيد الذي لا يُرى متينة الصنع، فقد كانت تتمايل مع أي ريح قوية، لهذا؛ كان الصعود فوقها كمَن يتمرجح في أرجوحة هوائية، صُنعت من قضبان حديدية مضلعة.

فوقها كتبتُ القصص والقصائد، وكان الليل المفعم بالأصوات المبهمة ينقل إليك أحاسيس الماء المدثرة بمشي السنين إلى الوراء، حين كانت هذه الأرض محطة لخيارات سلالات لا تُحصى، وخاصة في الأهوار الواقعة في منطقة ذي قار؛ حيث أثبتت التنقيبات الأخيرة في الخميسية وأهوار الأرطاوي وغيرها وجود مدن وسلالات لم تُكشف بعد، تعود للعهود السومرية الأولى.

ارتبطت الأهوار بذاكرة الحرب. عشتُ أراقبها في مناخات مثل تلك لعام كامل، وشاركت في دوريات الذهاب عميقاً في مياه الهور بحثاً عن سراب أو صيد تائه؛ كي يثبت الآمر أنه فعل شيئاً مع هذا الغموض الطبيعي الذي نراه في الخرائط التي معنا من دون مثابات أو دكات أو شواخص معلومة. الماء هو الموجود دائماً، وكان الزورق الذي يحمل رجال الدورية يحمل معه الصمت الذي يمزّقه صوت السمك والقصب وقفز الضفادع التي تخيفنا بنطَّاتها السريعة، وهي تهرب من مشي الزورق المذعور الذي حمل جنوداً، ينام النعاس على أجفانهم، مثلما تنام القبّرات في عشّها الأرضي.

يترفّع القصب الأخضر أمتاراً فوق سطح الماء، بسبب أن الإنسان في زمن الحرب لم يعد يستثمر هذه الثروة النباتية، وإلى عمر وطول معين تصيب القصب اليبوسة، ويتحول لونه من أخضر جميل مبرقع بشيء من الصفرة إلى أصفر كامل، يستغله بعض الجنود ذوو الأصول البدوية لصناعة نوع من أنواع النايات، يسمَّى شعبيا الفيفرة، ولا أعرف أصل هذه الكلمة، لكنهم يأخذون قصبتين رفيعتين، ويصفُّونهما مع بعضهما بواسطة القير، ويثقبون نهاياتهما بشكل متقن ومحسوب، ثم يبدؤون العزف بصوت مزدوج عذب. كنا نرى فيه الأسماك ناطَّة من قاع الماء، وترقص بمرح كولنيالي لهذا العزف.. ولماذا أصفّ المرح بالكولنيالية.. ربما لأن أعذب عازف على هذه الآلة هو آمر وحدتي من أهالي الحويجة، وهي واحدة من نواحي مدينة كركوك، وهو - على ما أتذكَّر - من عشيرة العبيد، إذ كان يعزف على هذه الآلة في ركن منعزل فوق الساتر. ومع النغم الصحراوي تعلن أطراف القصب الضخم بدء حركات لاشعورية، وكنا سعداء حين نرى السمك يتقافز، والقصب يهزّ تسريحات شعره مثل النساء غجريات. اللافت للنظر أنني حين سألت أهل المنطقة ممّن بقوا ليعيشوا قرب ساتر الحرب.: هل كان الطير كثيراً هنا؟

قالوا: كثيراً، حتى إنه يملأ سماء المنطقة في مواسم الدفء.

قلت: ولكنه قلَّ في هذه الأيام رغم الربيع؟

أجابني أحدهم: لقد ذُعر من صوت تراشق المدافع، ولم يعد يأتي إلى هناك. اذهب إلى أهوار الناصرية، وستراه كم هو كثير.

قلت: أنا من الناصرية.

قال: مبروك عليك أكل الخضيري والحذاف والبط الصيني، أما نحن؛ فلنا الصبر، وما تحمله سيارات الحانوت من خضار، وما يمنحه لنا عرفاء الإعاشة من صمُّون، حتى صيد السمك حُرمنا منه.

لقد حوَّلت الحرب ودويّ مدافعها منطقة الأهوار إلى مقبرة جماعية هائلة للأسماك. فمع كل فصل للقصف المتبادل كانت تطفو نافقة فوق سطح الماء أعداد هائلة من الأسماك، وبقاياها تطوف. هكذا ظل المكان يتحوَّل إلى فضاء من الروائح النتنة. كنا أيام الريح الآتية من الشرق نعاني منها أيّ معاناة، وفي أيام الرياح التي تأتي من الشمال - حتماً - سيعاني منها الجانب الآخر. وكنت أشاهد الحجم الهائل للأسماك النافقة، وأعلق لو كان هذا ( البز ) وهو نوع من أنواع ( الكطان ) لبعته بثمن يعادل راتبي. لقد كان يشبه حوتا صغيراً عندما يتجاوز طوله أكثر من متر..

في حرب الأهوار فاق عدد الأسماك الميتة عدد الضحايا من الجنود. في حين أنه في حروب المياه الأخرى كالتي تحدث في البحار مثلاً لا يعطي السمك هكذا خسائر. السبب أن قاع البحر العميق يكاد يكون ملاذاً آمناً للسمك. فيما يكون القاع الضحل لمياه الهور قريباً من الأرض، فيفجّر الدوي الهائل الغدد الدهنية للسمك في منطقة الرأس والخياشيم، وتموت. وأتذكّر قصيدة لأحد الجنود ممَّن عرفتهم في الحرب، وهو يرثي سمكة ظلَّت تطفو أمام ملجئه لأيام، حتى أكلتها السلاحف، وكانت كبيرة جداً:

( مرثية موت سمكة

لقد حسمت الأمر أيتها الفتاة الزعنفية، وغادرت الماء بإرادة منك، لا بإرادة من الحرب..

عندما اخترت هذه المياه القذرة..

الخوذ تطفو.. زمزميات الماء.. هويات الجنود

وأنت طافية أيضاً..

الفرق..

أن الهويات والخوذ ستترك يتامى ينوحون

أما أنت؛ فلن تتركي شيئاً سوى سنسولك الضخم )

وأعتقد أن( السنسول ) هو المصطلح الشعبي الذي يُطلق على الهيكل العظمي الفقري للسمكة الذي يبدأ من رقبتها حتى الذيل..

تلك مشاهد مرئية لعالم الهور في مناخات الحرب.. مزجتها مع بدء وصفي لمنطقة الأهوار، ثم عرجت مباشرة على ذاكرة الحرب أيام كانت منطقة الأهوار لها مسرحاً وبيتاً، وعلى أديمها المتوقّف برتابة الجنود، وهم يُبلَّغون بانقطاع الإجازات الدورية بسبب الحيطة والترقُّب من قرب هجوم جديد.

وفي محطات أخرى، تذهب الرؤى إلى مشاهدات ووعي جديد لما يطرحه المكان على ذاكرتي وخواطري وقدرتي القصصية على وصف المكان من شتى الزوايا.

 


مشاهدات 74
الكاتب نعيم عبد مهلهل
أضيف 2026/03/07 - 1:31 AM
آخر تحديث 2026/03/07 - 5:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 256 الشهر 5687 الكلي 14959756
الوقت الآن
السبت 2026/3/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير