الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدلالة في النقد العربي القديم


الدلالة في النقد العربي القديم

محمد علي محيي الدين

 

أدرك النقاد العرب القدامى  أن النص الأدبي غنيّ بالدلالات، وهو يحتمل وجوهاً متعدّدة من التأويل قد يتسع فيه النظر والتأويل والقراءات المختلفة والتفسيرات المتعددة واختلاف الرؤى، وجاءوا بالأدلة الواضحة فيما ذهبوا اليه ، لذلك ذهب الامام  علي بن عبدالعزيز الجرجاني في كتابه "الوساطة" في قراءته لقول ابي الطيب المتنبي:

ما بقومي شَرُفتُ بل شَرُفوا بي        وبنفسي  فَخَرتُ  لا  بجُدودي

يقول: ((فختم القول بأنه لا شرف له بآبائه. وهذا هجو صريح. وقد رأيت من يعتذر له فيزعم أنه أراد: ما شرفت فقط بآبائي، أي لي مفاخر غير الأبوة، وفِيّ مناقب سوى الحسب. وباب التأويل واسع، والمقاصد مغيبة. وإنما يُسْتَشهد بالظاهر، ويتّبع موقع اللفظ". (الوساطة بين المتنبي وخصومه: 374.)

كذلك أشار  (ابنُ رشيق القيرواني) الى ما ورد في  بيتَ امرئ القيس عندما وصف فرسه:

مكرٍّ    مفرٍّ    مقبلٍ،    مدبر    معاً        كجُلمود صخرٍ حطَّه السيلُ من عَلِ

فأطلق عليه ((باب الاتساع))  وأورد أكثر من تفسير له ثم ختم بتعليق ذكي فقال: ((يقول الشاعر بيتاً يتسع فيه التأويل، فيأتي كل واحد بمعنى، وإنما يقع ذلك لاحتمال اللفظ، وقوته، واتساع المعنى). ( العمدة: 2/94.)

وأضاف (البغدادي) في (خزانة الأدب) على قول ابن رشيق وما في  بيت امرئ القيس من دلالات، فقال: ((هذا ولم تخطر هذه المعاني بخاطر الشاعر في وقت العمل. وإنما الكلام إذا كان قوياً من مثل هذا الفحل احتمل لقوته وجوهاً من التأويل بحسب ما تحتمل ألفاظه، وعلى مقدار قوى المتكلمين فيه)). ( خزانة الأدب: 2/94).

ولو استعرضنا آراء البلاغيين العرب لوجدنا كثير من هذه الاشارات التي وردت في سياق نقدهم لهذا البيت أو ذاك، والذي يطالع كتاب(الأمالي) للشريف المرتضى فسيجد افانين شتى من التأويلات الدلالية للبيت الواحد ، رغم أن البيت ليس له الا مدلول واحد أراده الشاعر الا ان الفاحص النقدي يذهب الى أكثر من رأي بحكم الدلالات التي توصل اليها من خلال قراءة النص، وهذا يدل بلا شك على السعة التي يتمتع بها قاريء النص فيذهب بآرائه مذاهب شتى أكثرها تحمله اليه الدلالات التي قرأها أو توصل اليها.

 والنقد العربي يحترم النص ودلالاته اللغوية، ويقدمه على قصدية المؤلف ولنا في ردّ الآمدي على ما اتهمه به المعجبون بابي تمام عندما وصموه بعدم فهم قصدية الشاعر ، فكانت عبارته الفصل والتي يمكن اعتبارها من الواعد النقدية التي يجب أن يكون عليها الناقد في التأويل الدلالي: قال الآمدي: (ليس العمل على نية المتكلّم، وإنما العمل على ما توجبه معاني ألفاظه). (الموازنة: 1/179).

ومن هذه العبارة نستخلص مجموعة من القواعد النقدية في تأويل الكلام أو تفسيره منها:

1النص هو المصدر الأساس للدلالة والمعنى، ومن خلال ألفاظه وعباراته تُفهم الأحكام وتُستخلص المفاهيم، وبذلك يحتفظ بسلطته ولا يُسمح بتحميله ما لا يحتمل.

2القول بأن المعنى مرهون بنيّة المتكلم قول غير سليم؛ لأن الناقد لا يستطيع معرفة النيات، ولا يبني قراءته عليها، بل ينطلق من لغة النص نفسها ودلالات ألفاظه. ومن ثم تكون العبرة بمقصدية النص لا بمقصدية القائل.

3سلطة القارئ ليست مطلقة، بل مقيدة بالنص ودلالاته، فلا يحق له أن يؤوّل النص وفق هواه أو أن ينسب إليه ما لم يدل عليه.

4تعدد الدلالات ممكن، لكنه نابع من النص ذاته وما فيه من إمكانات، لا من فرض خارجي. والقارئ المتمرس هو القادر على استنباط هذه الدلالات مع احترام دور النص ومكانته.

5 – الاحتكام إلى النص لا يعني فصله عن سياقه التاريخي أو الاجتماعي، لأن هذه السياقات قد تكون جزءًا من دلالته، وتسهم في تشكيل معانيه.

 

 

 


مشاهدات 44
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/02/28 - 2:36 PM
آخر تحديث 2026/03/01 - 1:17 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 100 الشهر 100 الكلي 14954169
الوقت الآن
الأحد 2026/3/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير