الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
 ماجينه يا ماجينه .. طقس رمضاني يتحدّى الزمن

بواسطة azzaman

ممارسة إجتماعية تعزّز الجيرة وتعلّم المشاركة بلا تمييز

 ماجينه يا ماجينه .. طقس رمضاني يتحدّى الزمن

 

بغداد - ساهرة رشيد

الماجينة ليست مجرد حلويات أو أغان للأطفال، بل ممارسة اجتماعية تعلم المشاركة، وتعزز الجيرة، وتمنح رمضان نكهته الإنسانية الخاصة.

اليوم، ومع اختفائها من الأحياء الراقية وبقائها في المناطق  الشعبية، نقف عند مفترق طريق:

إما أن نحافظ عليها ونمنح أطفالنا فرصة عيش هذا الفرح البسيط، واجواء رمضان أو نتركها تنسحب بصمت من الذاكرة الرمضانية العراقية… لتصبح حكاية تروى، لا طقسا يعاش.

وفي منتصف شهر رمضان، عندما تغيب الشمس وتبدأ الأزقة الشعبية في المدن العراقية برائحة اشهى الطعام ورائحة التوابل والحلويات، يتردد صدى كلمات الأطفال وهم يطرقون الأبواب مرددين: (ماجينه يا ماجينه). لكن هذا المشهد الذي كان مألوفا في كل بيت، بدأ يختفي من الأحياء الراقية، تاركا أثره الحنين في الذاكرة، بينما ما زال حيا وبقوة في الأحياء الشعبية حيث تظل الروابط الاجتماعية أقوى، والجيران على تماس مباشر مع أطفالهم.

في موضوعنا هذا نحاول الاقتراب من سر هذا الطقس الشعبي: لماذا اختفت الماجينة من الأحياء الحديثة؟ ولماذا بقيت حية في الاحياء الشعبي؟

الماجينة عادة شعبية عراقية، تمارس يوما واحدا فقط في رمضان، لكنها علامة مميزة للشهر الكريم، ينتظرها الأطفال بفارغ الصبر، وتظل محفورة في ذاكرة الكبار.

أصل الكلمة: (يا صاحب البيت لولاك ما جئنا)، وكانت تطلق على خليط من الحلويات مثل الملبس، الحامض حلو، الجكليت، والمسقول، مع الزبيب التين اليابس ، إضافة إلى الزلابية والبقلاوة واحيانا تعطى مبالغ مالية بسيطة بيد اكبرهم وهو قائد المجموعة  يتقاسمها . ويحل موعدها مساء اليوم الرابع عشر من رمضان، حيث تنتشر مجاميع الأطفال في الأزقة، حاملين طبولهم الصغيرة (الدنابك) ، ويرددون الأغاني الشعبية الخاصة بالمناسبة (ماجينه يا ماجينه، حلي الجيس وانطينا، تنطونه لو ننطيكم، بيت مكة انوديكم

ويرددون أيضا (ياهو على التينه… يكبر وينطينه)

ويذكر اسم أحد أبناء العائلة: (محمد على التينه… يكبر وينطينه. عندما يفتح الباب… وعندما يرشّ الماء. وعندما تُفتح الأبواب، يدخل الأطفال باحة الدار مردّدين أهازيجهم، ليحصلوا على خليط الحلويات أو النقود في أكياس معلّقة على أعناقهم.

وفي حال لم تُفتح الأبواب، يردّد الأطفال:(يا أهل السطوح… تنطونه لو نروح).وفي البيوت الفقيرة، حيث لا تُقدّم الحلويات، كان أهل الدار يرشّون الماء على الأطفال، كرمز للخير والبركة، فيردّد الصغار: (بيت الفكر (طشوا) ذبوا علينا الماي ).

وفي جولة ميدانية، بدا واضحا أن الأحياء الحديثة شبه خالية من هذه الطقوس. الشوارع واسعة، العمارات مغلقة، والعلاقات بين الجيران أقل تواصلا. في المقابل، الأزقة الشعبية ما زالت نابضة بالحياة، حيث تفتح الأبواب بحرارة، ويشارك الكبار فرحة الأطفال، محافظين على الروح الجماعية للطقس.

أصوات من الميدان

أم ياسين 46 عاما  من حي شعبي تقول(نخلي أولادنا يطلعون… لأننا نعرف الجيران. الأطفال يفرحون، ونحس ونشعر  رمضان بعده محافظ على روحه. لو اختفت الماجينة، راح يختفي وياها جزء من فرحة الأطفال).اما محمد 25 عام ، وهو شاب من حي حديث (في العمارات الحديثة، ما شفت ولا مرة أطفال يسوون ماجينة. البوابات مغلقة، والخوف على الأطفال يمنعهم من النزول. الوضع تغير، والعلاقات بين الجيران مو مثل قبل).

ويقول أبو يوسف 68 عام ، وهو جد لعدد من الاحفاد (زمان كنت أرافق أولاد الحي بالماجينة… الفرحة كانت مشتركة، والجيران يساعدون بعض. اليوم الوضع تغير، نأمل أن الأطفال في المناطق الشعبية يستمرون على التقليد).

وتوضح الباحثة الاجتماعية ميساء عبد الله:ان (الماجينة تعتمد على بنية اجتماعية مفتوحة، فيها تواصل مباشر بين الجيران ومساحات مشتركة. في الأحياء الحديثة، نمط السكن العمودي والبوابات المغلقة وتراجع الروابط الاجتماعية كلها عوامل تضعف استمرار الطقس) وتضيف (الخوف المبالغ على الأطفال وغياب الإحساس بالجماعة يجعل الأسرة تفضل إبقاء الطفل داخل البيت حتى في المناسبات الشعبية).

هنالك مدن حافظت على الطقس منها النجف الأشرف  ،اذ، اشتهرت بإحياء الماجينة بصورة أوضح، وفي بعض المدن تكون ليومين: يوم للأغنياء، ويوم للفقراء بحلويات أبسط.

اما محافظة البصرة، فتسمّى العادة هناك (الگرگيعان)، وما تزال تمارس بقوة، مع أغانٍ خاصة للأطفال وأكياس الحلويات، مؤكدة أن الطقس الرمضاني الشعبي لا يزال حيا عندما تتوافر البيئة الاجتماعية الداعمة وروح الجيرة.

ومن الملفت أن العراقيين يؤدون هذه المناســــبة منذ زمن بعيد، على اختلاف مذاهبهم وقومياتهم، بوصفها طقسا اجتماعيا بسيطا يجمع الجميع، ويعكس روح المشاركة والفرح الجماعي.

 

 


مشاهدات 62
أضيف 2026/02/24 - 3:16 PM
آخر تحديث 2026/02/25 - 4:04 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 155 الشهر 19519 الكلي 14951162
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير