الإنسداد السياسي.. قراءة في الموت السريري للحلول
كاظم نزار الركابي
في المعجم السياسي الذي تشكل في العراق عبر عقدين من “الفوضى الخلاقة” تارة، و”الاستقرار الهش” تارة أخرى، حملت مفردة “الانسداد” دائماً دلالة “تكتيكية” مؤقتة. عنت في عرف الفرقاء، المساحة الرمادية الفاصلة بين “إعلان نتائج الانتخابات” و”ولادة الحكومة”، إذ تُمارس لعبة “عض الأصابع”، وتُرفع سقوف المطالب، وتُتبادل الرسائل المشفرة عبر المنابر الإعلامية، بانتظار “الهاتف الخارجي” أو “الحكمة المرجعية” لفض الاشتباك. هكذا فهمنا “الانسداد” ، وتعايشنا في أزمة 2010 الشهيرة، وفي انكسار 2014، وحتى في صراع 2022 الذي كاد يجر البلاد إلى الاقتتال. في كل تلك المحطات، كان الانسداد ينتهي بـ“تسوية” تعيد تقاسم كعكة السلطة، وتمنح النظام “عمراً إضافياً” وأنفاساً جديدة.
لكن ما نعيشه اليوم، ونحن نطل برؤوسنا على استحقاقات عام 2026، ظاهرة مغايرة كلياً في الجوهر والمبنى. إنه ليس “انسداداً” في قنوات التفاوض، بل هو “تجلط بنيوي” في شرايين النظام السياسي نفسه. نحن أمام ما يمكن تسميته بـ“الانسداد السريري”؛ تلك اللحظة التاريخية الفاصلة التي تكتشف فيها “الطبقة الحاكمة” أنها استنفدت كل “أرواح النظام السبعة”، وأن “صمامات الأمان” التقليدية (المالية، والسياسية، والاجتماعية) التي كانت تحمي “القلعة” من الانهيار قد تعطلت واحداً تلو الآخر، بلا رجعة.
من “الديمقراطية التوافقية” إلى “إقطاعيات الطوائف”
لفهم عمق هذا الاستعصاء، ينبغي أن نغادر مصطلحاتنا القديمة التي لم تعد صالحة للتوصيف. لم تعد المعضلة تكمن في “المحاصصة” بمفهومها الكلاسيكي الذي عرفناه في السنوات الأولى. إذ تحول النظام من “ديمقراطية توافقية” (رغم هشاشتها)، إلى نظام “إقطاع سياسي” صارم، تتوزع فيه النفوذ “مراكز قوى” متناحرة داخل المكون الواحد، وليس بين مكونات عدة. كانت “البيوتات السياسية” (الشيعية، السنية، الكردية) تمتلك حداً أدنى من “المركزية” في القرار، وقدرة على ضبط إيقاع جمهورها. كان هناك “كبير” يمكن التفاوض معه، وكانت هناك “كلمة” يمكن الرهان عليها. أما اليوم، فقد تشظت هذه المكونات إلى ما يشبه “ملوك الطوائف”، إذ يتسيد المشهد “بارونات” المال والمقاولات والسلاح.
البيت السني: يعيش فراغاً قيادياً مدوياً بعد إزاحة الرمزيات الكبرى وتفتيت المرجعية السياسية، ليتحول إلى “جزر معزولة” يتنازع عليها زعماء محليون بلا مشروع سياسي جامع يربطهم بالمركز، مما جعل التفاوض معهم عملية عبثية لأنهم لا يملكون قرار “المكون” بل قرار “المصلحة الضيقة”.
البيت الكردي: يمر بأسوأ مراحل انقسامه التاريخي، إذ تحولت “الحرب الباردة” بين السليمانية وأربيل إلى “قطيعة مؤسساتية” تهدد وحدة الإقليم نفسه، وتجعل من الكرد “لاعباً محلياً” منشغلاً بترميم بيته الداخلي المتصدع بعد أن كانوا في السابق “بيضة القبان” وصناع الملوك في بغداد.البيت الشيعي: وهو الأهم والأخطر، فرغم هيمنته الظاهرية على مقاليد “الدولة العميقة” ومفاصل القرار، إلا أنه يعيش رعب “أزمة الخلافة”. فالجيل المؤسس يشيخ بيولوجياً وسياسياً، وصراع “الوراثة” بين زعامات الصف الثاني يهدد بتحويل “الإطار” من “تحالف ضرورة” إلى حلبة صراع وجودي، سيما مع الغياب المقلق والمربك للتيار الصدري، الذي يمثل “الغائب الحاضر” القادر على قلب الطاولة في أية لحظة.هذا التشظي العمودي والأفقي يعني غياب “الطرف الآخر” القادر على صناعة الحل. الانسداد هنا ليس لأنهم لا يريدون الاتفاق، بل لأنهم “عاجزون” عن إنتاج اتفاق يصمد لأكثر من شهر. الآليات التقليدية للحل (اجتماع القادة، وثيقة شرف، اتفاقية سياسية) ماتت سريرياً.
موت “عقد النفط”: المال لم يعد يشتري الصمت
العمود الثاني الذي استند إليه استقرار النظام طوال العشرين عاماً الماضية هو “شراء الولاء بالمال العام”. كانت المعادلة بسيطة وواضحة: النظام يشتري “الصمت الاجتماعي” عبر التوظيف العشوائي، وتضخيم الجهاز الحكومي، وتوزيع الهبات والرعاية الاجتماعية. كان “النفط” هو “المخدر” الفعال الذي يؤجل الانفجار ويستر عيوب الإدارة. اليوم، هذه المعادلة انتهت أو تكاد. أسواق الطاقة العالمية تتغير بحدة، والطلب يتذبذب، بينما “فاتورة الرواتب” تضخمت لتصبح “غولاً” يلتهم الموازنة بأكملها ولا يترك فتاتاً للتنمية.
الدولة لم تعد قادرة على “شراء” ولاءات جديدة، ولا حتى على ضمان استمرار الولاءات القديمة.الخريجون الجدد، جيوش العاطلين، الفقراء، وحتى الطبقة الوسطى التي بدأت تتآكل تحت وطأة الضرائب المقنعة، يدركون جميعاً أن “خزائن القلعة” لم تعد تتسع للجميع. وعندما يعجز “النظام الريعي” عن الدفع، تسقط شرعيته فوراً. الانسداد الاقتصادي القادم ليس “أزمة سيولة” عابرة، لكنه “إعلان إفلاس” للعقد الاجتماعي الذي قام عليه النظام منذ 2003.
وهم “الاستقرار الخدمي” والهروب إلى الأمام
قد يجادل البعض بأن الشارع هادئ، وأن الحكومة الحالية ترفع شعار “الخدمات” وتبني الجسور وتعبد الطرق. لكن هذا الهدوء هو “الخادع البصري” الأخطر في مشهد الانسداد الأخير. إنه هدوء “اليأس” لا هدوء “الرضا”. الشارع العراقي لا يتحرك ليس لأنه مقتنع بالأداء، لكنه فقد الأمل في جدوى الحركة التقليدية، ولأنه يخشى البديل المجهول. الحكومة الحالية، ورغم نشاطها الخدمي الملحوظ، تمارس عملية “تجميل” لـ “واجهة” المبنى، بينما “الأساسات” في الطابق السفلي (الاقتصاد، السيادة، الحقوق، الحريات، التعليم) تتآكل بسرعة مرعبة. الاعتماد على “شرعية الإنجاز الخدمي” كبديل عن “الشرعية السياسية والدستورية”، رهان خاسر على المدى الطويل. لأن الجسور لا تطعم الجياع، وتعبيد الطرق لا يغني عن غياب العدالة وتكافؤ الفرص. النظام يظن أنه بإغلاق “فضاء المنافسة” السياسي قد أمن نفسه، لكنه في الحقيقة حول الدولة إلى “مرجل يغلي” ومغلق بإحكام، إذ يتراكم الضغط بصمت تحت السطح، بانتظار شرارة واحدة قد تكون اقتصادية بحتة.
العامل الخارجي: من “رعاية التجربة” إلى “فرض الاستقرار”
أخيراً، ولعل هذا هو المتغير الأخطر، تغيرت وظيفة العراق وموقعه في الستراتيجية الدولية. إذ ولى زمن “بناء الأمة” والحديث الأمريكي عن الديمقراطية، وانتهى زمن “التوازن الدقيق” الإيراني. نحن الآن في عصر “الصفقات الكبرى” و”المصالح العارية”، كما أن عودة النهج “الترامبي” إلى البيت الأبيض، والتحولات الدراماتيكية في المنطقة، تضع العراق أمام خيارات صفرية قاسية. العالم لم يعد يهتم بـ “ديمقراطية” العراق ولا بـ “تعدديته” أو حقوق أقلياته. العالم يريد شيئاً واحداً فقط: “الاستقرار القسري” الذي يضمن تدفق الطاقة ولا يُصدّر المشاكل واللاجئين والإرهاب.هذا التحول قد يدفع القوى الدولية الكبرى للقبول بأنموذج “الاستبداد المستنير” أو “حكم القلة”، شريطة أن يكون هذا الحكم قادراً على ضبط الساحة بالحديد والنار إذا لزم الأمر. لكن السؤال الجوهري: هل تستطيع “الطبقة السياسية” الحالية، المنقسمة على نفسها والمتنافرة في مصالحها، أن تلعب هذا الدور؟ أم أن العراق سيُترك لمصيره، أمام سيناريو “الفوضى غير الخلاقة”، إذ تتصارع الفصائل والقوى المحلية على الموارد الشحيحة، وتتحول المحافظات إلى “إمارات” مستقلة بحكم الأمر الواقع، في ظل عجز المركز عن فرض هيبته أو توفير قوت شعبه؟
ما بعد الحائط الأخير
نحن لا نكتب هذا التشريح القاسي منطلقين من التشاؤم أو تسويد الصورة، وإنما لإطلاق صافرة إنذار أخيرة، لعلها تجد آذاناً صاغية. الفرق الجوهري بين “الأزمة” و”الانسداد”، هو أن الأزمة وعكة صحية عابرة لها دواء في صيدلية السياسة، أما الانسداد فهو “فشل عضوي” يحتاج إلى جراحة كبرى أو استبدال للعضو المصاب. وصلنا إلى “الحائط الأخير”. ومحاولات القفز فوقه عبر “قوانين انتخابات مفصلة” على المقاس، أو “تسويات عشائرية” هشة، أو “تخدير خدمي” مؤقت، لم تعد تجدي نفعاً لأن صلاحيتها انتهت. الزمن السياسي في العراق لا يسير ببطء، لكنه يركض إلى المجهول. وما لم يجر تدارك الأمر بـ “عقد سياسي واجتماعي جديد” حقيقي يعيد تعريف شكل الدولة وعلاقتها بالمجتمع (وهو أمر يبدو مستبعداً في ظل العقلية الحالية المتشبثة بالامتيازات)، فإن “الانسداد السريري” لن ينتهي بتشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات القادمة، بل قد ينتهي بإعادة رسم خرائط الوجود نفسه.