الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الطائفية في خدمة المخططات الخارجية 

بواسطة azzaman

الطائفية في خدمة المخططات الخارجية 

ادهم ابراهيم 

 

لم يكن التشيّع ولا التسنّن، عبر قرون طويلة من التاريخ الإسلامي، سوى مذاهب دينية وفقهية عاشت جنباً إلى جنب، وتزاوج أتباعها، وتقاسموا المدن والأسواق والمصير الواحد. غير أنّ ما شهدناه خلال العقود الأخيرة يكشف تحوّلاً خطيراً، حيث جرى تفريغ المذاهب من مضمونها الديني والأخلاقي، وتحويلها إلى أدوات صراع سياسي تخدم مخططات إقليمية ودولية لا علاقة لها بالدين ولا بالعقيدة.

إنّ الانقسام السني–الشيعي لم ينفجر من تلقاء نفسه، بل جرى استغلاله وتغذيته وتضخيمه بشكل منهجي لأغراض جيوسياسية. هذا الاستقطاب أصبح ذريعة جاهزة لتبرير الحروب والتحالفات بالوكالة في لبنان والعراق واليمن وسوريا، حيث تُدار المعارك باسم الطائفة، بينما تُحصد المكاسب باسم الدول الكبرى والإقليمية.

  هناك من يقول بان الغرب مكن الشيعة لمعاقبة السنة بعد هجمات 11سبتمبر . الا ان هذا الكلام غير دقيق، ففي العراق، لم يكن تغيير النظام بعد الغزو الأمريكي تمكيناً للشيعة كطائفة، بقدر ما كان تمكيناً لطبقة سياسية طائفية فاسدة، عُرفت ب “غمان الشيعة” بلهجة الشارع العراقي ، اي حثالات، حيث انتشر الفساد، وترسخت المحاصصة، ونُهبت الثروات على أيدي باعة المحابس والسبح، ورعاعٍ بلا مشروع وطني، بعضهم قاتل مع الجيش الإيراني في حرب الخليج الأولى، وبعضهم صُنع في دهاليز الاحتلال والإدارة الأمريكية. وحتى النظام الإيراني نفسه لم يكن ينظر إلى كثير من هؤلاء باحترام، بل استُخدموا كأدوات مؤقتة، شأنهم شأن شخصيات شاذة أو هامشية صُنعت سياسياً بعد الغزو.

وفي المقابل، لم يكن حال أهل السنة أفضل، حين جرى تمكين زمر القاعدة وداعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية التي قتلت ودمّرت باسم “الدولة الإسلامية”، فشوّهت السنّة كما شوّهت الإسلام، وفتحت الباب لتدخلات دولية وحروب مدمرة. وهكذا، جرى اختزال المشهد بشكل ظالم: “الشيعة حرامية، والسنة إرهابيون”، وهي صورة نمطية جائرة لا تخدم إلا أعداء المجتمعات العربية والإسلامية .

الحقيقة أن المتطرفين موجودون في كلا الجانبين، ولا علاقة لهم لا بالتشيّع ولا بالتسنّن. كثير منهم انجرف إلى هذه الصراعات إما عن خبث وانتهازية، أو عن حسن نية وجهل، فصاروا أدوات تنفذ مخططات خارجية شرقية وغربية، حتى انتهوا ضحايا للجوع والفقر والتشرد وفقدان الأوطان.

السياسيون والانتهازيون، في كل زمان ومكان، يتخذون من الدين والطائفة والمذهب وسيلة للتغرير والارتزاق والتسلّط، وتخدير الشعوب والاستخفاف بها وسلب مقدراتها، بل ودفعها نحو الانحراف الفكري والأخلاقي. وهذه الظاهرة لا تختص بمذهب دون آخر، ولا بدين دون آخر، ولا بقومية دون غيرها.

إنّ الحرب بين المسلمين اليوم ليست حرب عقيدة، ولا صراعاً بين التشيّع والتسنّن، بل هي معركة مصالح بين دول ومشاريع نفوذ، ضحيتها عامة الناس من السنة والشيعة معاً

     بعد سنوات من الغزو الأمريكي للعراق، جاءت انتفاضات الربيع العربي لتفاقم هذه التوترات تحت مسميات طائفية، فازدادت الفوضى، وتعمّقت الانقسامات.

أما نظام “ولاية الفقيه” في إيران، فهو يمثل دولة ذات حلم صعود إقليمي، متأثرة بإرث إمبراطوري، وبعقيدة سياسية–دينية مركزية تُدار من طهران. هذا النظام ليس شيعياً بقدر ما هو مشروع إمبراطوري يتخذ من التشيّع العربي وسيلة لبسط نفوذه في المنطقة. ولهذا عمل على إنشاء أذرع سياسية وعسكرية في المناطق ذات الوجود الشيعي، وصنّع زعامات دينية–سياسية محلية تقود تلك الأذرع، بحيث يخدم كل مشروع فرعي السياسات التوسعية . ومن خلال ذلك تمدد النفوذ الإيراني إلى بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وقد ادى ذلك في كثير من الأحيان إلى التضحية بقادة ومقاتلين عرب دون أي اكتراث حقيقي بمصيرهم.

واليوم، يواجه هذا المشروع تحديات هيكلية متزايدة، مع تصاعد الضغوط الأمنية والضربات الموجهة لوكلائه. وتشير كثير من التحليلات إلى أن مرحلة الاعتماد الكلي على المليشيات الوكيلة ، قد شارفت على نهايتها، وأن المشروع الإيراني يمر بحالة “إدارة سقوط” لنموذج النفوذ المليشياوي، مع محاولات للانتقال إلى أدوات أخرى .

إنّ العصر الراهن يثبت كيف استعملت الدول الغربية والإقليمية الطامعة، الجهلة والعوام لتحقيق غايات التدخل وتدمير الدول، وكيف كان توظيف الاصطفافات الطائفية وسيلة ناجحة لتفكيك المجتمعات العربية حصراً. وهذا يؤكد أن العرب كانوا الهدف الأوضح، وأن الطائفيين من كلا الطرفين خدم بعضهم بعضاً، مستندين إلى تجهيل الناس وتغييب وعيهم.

حين تتحول الهوية الدينية إلى وقود لمعارك سياسية، يدفع الثمن البسطاء من كل المذاهب. وحين تكون الحرب بين المسلمين بلا أساس ديني حقيقي، يصبح السؤال المشروع: من المستفيد؟

المذاهب ليست إلا شماعة، والمعركة معركة مصالح، والضحايا هم الشعوب المغلوبة على أمرها.

هل نكره بعضنا لأجل العقيدة حقاً؟ أم لأن الإعلام وخطاب الكراهية غذّى هذا الحقد؟ إنّ كل ما تعلّمناه عن “الآخر” يحتاج إلى مراجعة ذاتية عميقة، ونقد شجاع للذات، وعودة إلى الوعي والصواب.

انظروا إلى ما آلت إليه الأوضاع في العراق من انقسامات سياسية، وإلى المشهد السوري المتحوّل، وإلى عودة العمليات الإرهابية، ونقل آلاف الدواعش، والى الأساطيل المحيطة بالمنطقة، واسألوا: هل استُنفدت الأدوار كما استُنفدت من قبل قيادات عربية ثم جرى التخلص منها؟

وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل يجري اليوم قلب المشهد، وانقلاب الاستثمار الطائفي لإعادة إنتاج الفتنة؟ 

أم أن التاريخ يعيد نفسه ونقع في المطبات ذاتها؟

الحذر واجب، فالمرء لا يُلدغ من جحر مرتين، ومن لم يتعظ من دروس الماضي، لا مستقبل له.

 

 


مشاهدات 53
الكاتب ادهم ابراهيم 
أضيف 2026/02/14 - 8:15 AM
آخر تحديث 2026/02/14 - 9:51 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 326 الشهر 10449 الكلي 13942093
الوقت الآن
السبت 2026/2/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير