عقول ضاعت في أروقة التكنولوجيا
ساجدة جبار
في زمنٍ لم يعد الصمت فيه مألوفًا، أصبحت الشاشات رفيقة الإنسان منذ نعومة أظفاره. طفلٌ يفتح عينيه على ضوء الهاتف قبل أن يتعلّم معنى الدفء، وشابٌّ يشيخ عقله قبل جسده من فرط التحديق في عالمٍ افتراضي لا يمنح إلا وهم القرب.
لم تعد التكنولوجيا أداةً في يد الإنسان، بل تحوّلت إلى متاهةٍ واسعة، أروقتها لامعة لكنها بلا نوافذ. كلما ظنّ الداخل أنه يقترب من المعرفة، ابتعد أكثر عن ذاته. ضاعت العقول بين الإشعارات، وتبعثرت الأفكار بين تطبيق وآخر، حتى صار التركيز عملة نادرة، والتأمل ترفًا من الماضي.في أروقة التكنولوجيا، تراجع الحوار الحقيقي، وخفتت الأصوات الدافئة، وحلّت محلها كلمات مختصرة لا تحمل روحًا. أصبحنا نعرف أخبار الغرباء أكثر من أحوال من يجلس بقربنا، ونحفظ كلمات المرور وننسى كلمات المواساة. نضحك على شاشة، ونحزن بصمت، ونخفي هشاشتنا خلف صورٍ مُفلترة.
الخطر ليس في التكنولوجيا ذاتها، بل في الاستسلام لها دون وعي. حين يُربّى الطفل على أن الهاتف هو الملجأ، يكبر وهو يجهل كيف يواجه الحياة دون شاشة. وحين يعتاد العقل على الاستهلاك السريع للمعلومة، يفقد قدرته على التحليل، وعلى طرح الأسئلة العميقة التي تصنع الإنسان.
ومع ذلك، لا تزال هناك نافذة نجاة. فالعودة إلى التوازن ممكنة، حين نُعيد للتكنولوجيا دورها الطبيعي كوسيلة لا غاية. حين نغلق الشاشة أحيانًا لنفتح كتابًا، أو نُصغي لقلبٍ يتحدث، أو نمنح عقولنا لحظات صمت تعيد ترتيب الفوضى.
عقولٌ كثيرة ضاعت في أروقة التكنولوجيا، لكن العقول الواعية وحدها قادرة على الخروج من المتاهة. فالإنسان لا يُقاس بما يملكه من أجهزة، بل بما يحمله من وعي، وما يصونه من إنسانيته وسط هذا الضجيج الرقمي.