قصير فستان صبري
قراءة في مجموعة الشاعرة ميادة مهنا سليمان
حمزة فيصل المردان
أيّ مجموعة شعريّة او نثريّة تُعَبّر عن حالات مختلفة بأطر زمنية محدّدة حتى لو عبرتْ الزمكانيّة في أغلبها وأكاد أجزم بأنّ أغلبها تدرج ضمن المسمّى آنف الذكر لأنّها تبدأ توهّجهها من صدمةٍ عاطفيّةٍ أو فَقْدٍ أو تراجعٍ في بعض المهام المناطة لهذا الشخص أو ذلك بوصفه عنصرا فاعلا في المجتمع أو هكذا بدا دوره في الحياة التي نزلنا إليها موهنين وَقَوى عودنا بسبب الرعاية الأبويّة والدعم الأسري بالكامل وعين الخالق ترعانا رغم كلّ قساوة الحياة - وكان نموّنا تدريجيّا لكسب خبرات نعتمد عليها لاحقا فلكلّ مرحلة عمريّة تبعاتها وعلينا إكتساب خبرة بهذا المجال وفي المحصّلة تجتمع عدّة خبرات توجّه سلوكنا نحو التألق بفائدة ما - أو دونها المهم هي دورة الحياة ويجب أن نمرّ بها أو نعيشها مجبرين
واستمرارها أمر إلهي غيبي وهذا ديدن البشر اجمعين عبر عصور خلتْ من العصور الحجريّة والوسطى وصولا لحاضرنا بحلوه ومرّه وتلك مسألة ليست سهلة على الإطلاق فالسلوكيات تأتي من التعلّم والمتابعة والمشاهدة اليوميّة لطبيعة العلاقات التي ننتمي إليها أو نندرج فيها بتعاملاتها اليوميّة التي ننخرط فيها لا شعوريا وبمشاعر مختلفة أيضا وسلوكنا يحدّد الوضع العام والخاص معا
وهذه سمة الحياة التي تجمعنا شئنا ام ابينا -
لدينا في مدار البحث والتقصي
مجموعة نثريّة أغلب نصوصها وجدانيّة تُعَبّر في مضمونها عن حالة إنسانية محض وهي صورة لتعاملنا مع الآخر باعتباره شريكا في الحياة وعنصرا مهما يجب التعامل معه بحذر شديد حتّى نكتشف ماهيته ونتعامل معه ضمن هذا الإطار أو ذاك المفهوم - وحسب ما تمليه الظروف علينا
نأتي الى عنوان المجموعة وهو الثريا التي نفتتح بها قراءتنا هذه بعد التوّكل على الله...
( قصير فستان صبري)
نعم - هو كذلك فاللبشر طاقة محدودة يتحمّل فيها الألم والحزن والفراق والشوق وكلّنا نقف عند هذه الحدود وننادي الآخر عند تخومها لأنّنا بطبيعتنا البشرية لا نستطيع تخطّيها ، اللّه سبحانه وتعالى خلقنا هكذا رغم إنّ أغلب الديانات السماويّة تدعونا إلى الصبر وعدم الجزع لو اصابنا مكروه أو مرض أو فُجِعْنا بعزيز - أمّا عندما يبتعد عنّا عزيزا لسبب ما - بزعل أو لإنشغاله بإموره الخاصة أو لإكمال مشواره الدراسي خارج البلد أو لإختياره حياته الخاصة بمعزل عنا - أو حبيب قرّر الهجر لا لسبب بل لمجرّد إختيار رفيق جديد أملته عليه الظروف أو الحاجة وربّما الإعجاب المتبادل ففي حقيقة الأمر الصبر لو تعدى حدوده يكون مميتا لو جاء من فَقْدٍ أو ماشابه - من الواجب عَلَيَّ كقاريء فعلي للنص أو للمجاميع الشعرية والنثرية أن أدخل إلى هذه المجموعة وغيرها لأقطف منها ما يَسِرُّ النظر ويبهج القلب ويقوّي عزيمة الروح ويعطيها زخما اضافيّا - فالعنوان لافت ومغري لأن ليس هنالك شاعر/ة افرد مجموعة نثريّة كاملة عن الصبر وما يعنيه للمتلهف والمنتظر ولدينا حالات تدعونا إلى الإنتظار والتتبّع وأعتقد بأنّها أجزاء بسيطة من الصبر الذي له حدود كما أسلفت نقف عندها ولا نستطيع تخطيّها بتكويننا البشري لمحدودته أو هكذا أرادنا اللّه أن نكون بهذه الصورة وربّما ليختبرنا بها ويعطينا أجرا ينفعنا في الآخرة مادامت الحياة فانيّة وقهرنا اللّه بالفناء مهما وصلنا إلى مراتب ودرجات وظيفيّة فيها نحن وكلّ المخلوقات...
نأتي إلى الإهداء -
( إلى وجهك الجميل الذي أراه في مرايا السماء
إلى عينيك الساحرتين اللتين صارتا بلون الغيم
إلى روحك النقيّة التي أحبّها اللّه فاصطفاها
ليبقى لي منك ذكريات ووفاء وحبّ لن يجفّ نبعه
إلى روحك زوجي الوفي رامز سلمان سليمان )
/_
يمثل الإهداء علامة بارزة في المجموعة بدلالاته الروحيّة والنفسيّة والارتباطيّة بالآخر الجزء المفقود الذي غيّبه الموت قسرا فالحاجة لعودته كبيرة جدّا ، يحسّ القاريء وهو يتتبّع سطور النصوص بأنّ الكلمات التي كونته تحمل دفقا عارما من المشاعرة والاحاسيس ....
لكنّ هذا الذي أسميناه دفقا بصورته الروحيّة والجدانيّة يعزله جدار عالي يختلف عن أيّ جدار في الدنيا #
لذلك هذا الظمأ يتحوّل إلى سطور جميلة يدخل من خلالها القاريء إلى المجموعة بلهفة كبيرة ليسبر أغوار النصوص وماأُخْفِيَ منها عبر توريّة تقصدها الشاعرة /_ ميادة سليمان _ رغم إنّ جميع نصوصها من السهل الممتنع والذي به دلالات عميقة تحرّك مشاعرنا ونتفاعل معها ونحن نتنقّل بين نصوص مجموعتها المكونة من ثلاثة فصول الفستان الأول
الفستان الثاني
الفستان الثالث
بعلاماتها الإنسانيّة التفاعليّة الكبيرة والمهمّة وربّما بعض القرّاء يقولون هذه النصوص شخصية ولا تعنينا او لا تمثل حالات إنسانيّة تفاعليّة مع الآخر الحيّ الذي هو أهمّ من الميت مهما كان قربه منّا..
فهي أيّ الشاعرة ألموما إليها حيث تعيش في عالم عاشته واحبّته بكل طاقتها الروحيّة والجسديّة وتريد أنْ تظلّ به لراحتها النفسيّة والروحيّة فيها وهي الآن تعيش ضمن فراغ كبير وتتواصل مع الماضي المحبّب لها عبر ذكريات لا تريد ان تنساها أو تتنصّل منها ِلأهميتها لديها...
نأتي الى النص الاول في المجموعة قصير فستان صبري وهو بعنوان ( الفستان الاول)
نقتطع مقطعا منه للبحث والتقصي
حيث تقول:-
( لبست فستانا قصيرا
قصصت ضفائري
وشيئا من ( الروج)
وضعت على شفتي
أيراودك ( شانيل)
عن ضمي
فيم هدوء ملامحك
يجيئني صراخ مشاعرك
أهدوء ما قبل عاصفة الاشتياق
صارحني ، فلن أحدث بعشقك اليوم أنشئت
ها قد لبست فستانا قصيرا
اتغريك مفاتني...)
* / صور جميلة ذكرتها الشاعرة في أول نص من مجموعتها ( قصير فستان صبري ) تعلن من خلالها استعدادها التام لاستقبال الحبيب الغائب بحيث تجملت ووضعت عطرا نسائيا نفاذا لاجل الحبيب الذي غيّبه الموت فهل لهذه الاستعداد نتيجة تُطفِئ نار الشوق لديها لشخص كان يعتبر في يوما ما النصف المكمّل ان لم يكن في نظرها هو الدنيا كلها وما فيها وبغيابه تتعطّل الحواس وتموت المشاعر ويبرد الإشتياق لكنها في هذه الصور التي صرّحت لنا بها كيف تستعد لإستقباله المهم لها بحيث جعلت القاريء يتعاطف معها ويتمنى أنْ تتحقّق أمنيتها - فهي قَصّتْ الزائد من شعرها لتبدو أجمل - ولبست فستانا جديدا ليجعلها تبدو أجمل وأكثر إثارة - ووضعتْ العطر وايضا وضعت - أحمر الشفاه - آملة ومتأملة ضمّة منه توقظ نار شوقها التي ربّما خبتْ بسبب الإبتعاد - بعد أن اتمّت كل تلك الأمور استعدادا لمقدمه على أرض الواقع- تخاطبه/ فيم هدوء ملامحك - فهو لا يتحرك وكإنّها تخاطب صورته على جدار الايام/ تسأل هل بعد كل هذا الإستعداد يجيء صراخ مشاعرك - اسكوته هذا تعقبه عاصفة من الشوق
* / بعدها - تقول له - صارحني كيف تريدني ان اكون فلن أتحدّث مع أيّ شخص عن هذا اللقاء الذي ستكون هويته العشق والإشتياق واللهفة وتكرّر بأنّ ثوبها قصيرا وليس بالضرورة أن يكون ثوبا على الجسد بقدر هو علامة للانتظار والاسراع لاستقباله فربما تضيع اللحظات الجميلة بعد مقدمه بانشغالها بالثوب الطويل الذي يعيق حركتها وكذلك هو رمز لقلّة صبرها على فراقه
وفي نص ( أهنئ نفسي)
تقول:-
( في العيد
ككلّ الأيّام
اشتاق إليك
اسرق نفسي من بين الناس
وانادي عليك
فيجيب النبض الدّافي
ياعشيقتي
أنا كلّي لديك ...)...
*/ الشوق لا مكان له ولا زمان هو ينطلق لا شعوريا كيف حدّدتْ الشاعرة شوقها في العيد هل لان العيد يحمل قدسية معينة تجعله فوق الأيام وربّما لذاكرة المكان وعطرها النفاذ تفرض على المحب أشياء كثيرة لفقده من يحب وإنّها تسحبه بقوة الى أماكن تواجدا فيها لقضاء الوقت أو للفسحة والإستجمام والترويح عن النفس بسبب أعباء الحياة بالمعيشة وتبعاتها
بحيث الشاعرة تسرق نفسها من بين الآخرين لتأتي خلسة الى أماكن بعينها وتقف في هذه الأماكن وتنادي على حبيبها نداء روحيّا كي لا يقال عنها بأنّها جُنّتْ وربّما بصوت مسموع تطلقه انّات العاشق المتلهف الى معشوقه وهو مكمّل الروح فلا يجيبها أحد الّا النبض الذي تدفّئ بالذكريات - وكلمة عشيقي صورة اخرى للعشق وربّما لم يكن صوفيّة ابدا فبه ممارسات جنونية يفرضها اللقاء الانفرادي بالمحبوب من القبل وغيرها والدليل قول الشاعرة/ أنا كلّي لديك وكإنّه موجودا فعلا قربها أو هكذا تحسّ وهذا مااكتشفناه في النصوص الكثيرة والجميلة التي خصّصتْ له وحده دون غيره .
وفي نص ( أريد عيديتي)
تقول :-
( أنا انتظر
أريد عيديتي
قبلة عبر المدى...)...
*/ صور متلاحقة حدثت في الطفولة برفقة من تحب تعيدها ذاكرة المكان المفعمة بعطر أخاذ - بحيث العيدية تمثل شيئا كبيرا ومهما للطفل وحتى اليافع والشاب وحتى الذي يوزعها عليهم يتمنّى ان يأتي شخص يعطيه عيديه لما لها من وقع روحيّ ونفسيّ وليس ماديّاً فحسب ...
هل المدى يمنح من يعاني من الفقد والحرمان عيدية واي نوع منها واكيد هي ليس ماديّة بل تطالبة بقبلة فقد حدّدتها لما لها من وقع روحي كما اسلفنا فهي أيّ القبلة تعطيها زخفا اضافيّا لمواصلة الحياة رغم احساسها المفرط بانه غير كاف.
﴿ الفستان الثاني ﴾
في نص ( فستان الحب الحزين)
لن يتقن فن العشق
من ينتظر حبيبا
حمقاء- تلك الانثى التي غاب حبيبها
فمزقت فستان الحب...)...
*/ في الحب تحدث أمور غريبة وجميلة في آن واحد فالقلب يجر العاشق الى التحدّي على كُلّ الأصعدة ليحمي حبيبه من أمور كثيرة منها التدخّل بعلاقته مع الحبيب من قبل ضعاف النفوس لإحداث مشاكل لأجل تفرقتهم وقتل الحب - فهل يستطيعون ذلك - طبعا لا وذلك يتبع قوة الحب بينهما وكلّ النصوص آنفة الذكر تشير إلى ذلك ،
لكن من غاب حبيبها بسبب الموت او السفر لا تعني لها الحياة بعده شيئا مهما سوى عَدْ أيّام لذلك مَزّقتْ فستانها الذي اختارته للقائه لكن القدر كان أسرع فاختطفه دون رجعة وأصبحت الحياة بعده مجرد روتين عادي جدّا لأنّ كلّ الأشياء الجميلة ذهبتْ بذهابه
في نص ( أخيراً إقتنعتْ العصافير)
تقول:-
كيف أقنع العصافير
أنّ قلبي
ليس من فصيلتها
فمذ أحببتك
وهو يحلق معها....)
*/ نعم - في العشق تحدث أمور كثيرة ومنها يحسّ العاشق بأنّه يطير في الهواء لا لشيء فقط لكي يرى حبيبته والقلب هو الذي يحلّق وحده في فضاءات لا يعرفها غيره مع العصافير وغيرها حتى يصل إليه فكيف يصل من فقد هذه الميزة بفقد الحبيب
﴿الفستان الثالث ﴾
في نص ( قصير فستان صبري)
تقول:-
( أنيق حبّي
في حضرت وسامتك
وقصير جدا
فستان صبري
إذا تخاصمنا
يعري سوأة الحنين
ويوصل لسعات الأسى
إلى جمرة ولهي
فينطفئ زهوي...) ...
*/ كل هذه المجموعة التي اتحفتنا بها الشاعرة تتحدث عن الماضي وعودة الحبيب والذكريات التي تشم عطرها كلمّا مرّتْ بمكان كانا يلتقيان فيه
فيتجدّد الحب وتوقد نيرانه ويحدو الشوق بمركبه نحو سنين خلت فمن حق الشاعرة تذكّر الشخص الذي أحبّته وكذلك السنين الغير عجاف التي عاشتها معه لكن غيابه القسري قطع كل متعة وكلّ وقت جميل فما اتعس الفراق وما آلمه على المحبين.
في نص ( تبّا لربطات عنقك)
تقول:-
( أنيق حبّك
باذخ اللهفة
يسكب عطر الأمنيات
على عنق الوجد
فيغري أنوثتي...) ...
*/ هل هنالك امور تحرّك الأنوثة لدى المرأة وتصل الى درجة الأغراء وكيف تكون وهل الرجل معنيّ بها لوحده ،
وهل للوجد عنق وهل هو كائن يتحرك أم الشاعرة تشاهدهُ في خيالها الخصب الذي أنضجه الفراق - ومن يسكب عطر الامنيات وما دخل الامنيات في ما ذكرته الشاعرة وهل الأمنيات متعلّقة بشخص غاب وغادر الى عالم اللاعودة بحيث تصبح هذه الامنيات مستحيلة جدا وصعبة المنال وكيف يكون الحبُّ أنيقا
واللهفة صفة الشخص الحي فقط