الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة نقدية في قصة خديجة 1974 – فاطمة 1981 من مجموعة تجليات جلنار للقاص إسماعيل إبراهيم عبد


هل يكفي الحدث ليصنع قصة سياسية؟

قراءة نقدية في قصة خديجة 1974 – فاطمة 1981 من مجموعة تجليات جلنار للقاص إسماعيل إبراهيم عبد

حمدي العطار

مقدمة

يُعدّ القص المعرفي السياسي من الأجناس السردية التي لا تكتفي بعرض الوقائع أو الإشارة إلى السلطة والبطش، بل تشترط وعيا سياسيا فاعلًا داخل البنية السردية، يتجلّى في الشخصيات، والحوار، والرؤية الكلية للنص. فليست كل قصة تدور في مناخ قمعي أو زمن مضطرب بالضرورة قصة سياسية، ما لم تتحول السياسة من خلفية زمنية إلى أفق دلالي واع، من هذا المنطلق، تثير قصة «خديجة 1974 – فاطمة 1981» تساؤلا جوهريا حول حدود انتمائها إلى القص المعرفي السياسي، رغم تصنيفها من قبل القاص ضمن هذا الحقل.

*تحليل مضمون القصة

تنقلنا القصة إلى سوق أم البروم في البصرة، حيث تشتغل شخصيتا فاطمة وخديجة ببيع الطيور والملابس، في فضاء شعبي نابض بالحياة اليومية. يتمكن القاص بمهارة وصفية واضحة من خلق مشهد واقعي كثيف، يجعل القارئ حاضرا في السوق، مراقبا التفاصيل الصغيرة، ومتتبعا حركة الشخصيات.

يظهر في هذا الفضاء رجل غامض، يلمح إلى كونه ضابط أمن، متنكرا في هيئة بائع ساعات مقلدة لعلامات عالمية. ينشأ بينه وبين المرأتين حوار تحكمه المنفعة، إذ يشتري ما تبقى من بضاعتهما، ثم يرميها في مشهد يشي بالاستعلاء السلطوي، لكنه يظل سلوكا فرديا لا يرتقي إلى بناء وعي سياسي أو مساءلة بنيوية للسلطة.

بعد سبع سنوات، يعود الرجل ذاته إلى السوق، وقد أصبح ضابطا برتبة عقيد في الجيش، ليسأل عن فاطمة، ويلتقي بخديجة التي شهدت تحولا جذريا في مسارها الاجتماعي، من بائعة أقمشة إلى وسيطة تقود إلى بيت دعارة. تقنعه بمرافقتها من دون حماية، لينتهي الأمر بالعثور على جثته في صباح اليوم التالي، ويسجّل الحادث بوصفه «اغتيالا سياسيا».

هنا تتكشف الإشكالية المركزية في القصة:

فالحدث، على عنفه، لا ينبثق من وعي سياسي للشخصيات، ولا من مشروع سردي يفضح آليات السلطة أو يشتبك معها معرفيا، بل يبدو أقرب إلى انتقام اجتماعي أو تصفية غامضة جرى تحميلها لاحقا دلالة سياسية جاهزة. كما أن تصوير اغتيال ضابط برتبة عقيد في زمن الحرب بهذه السهولة يفتقر إلى المصداقية السردية، خاصة في ظل معرفة تاريخية وسياقية تشير إلى تعقيد حماية مثل هذه الشخصيات، فضلا عن شيوع ممارسات استغلال النساء بوصفها جزءا من منظومة الفساد لا من مقاومتها.

السياسة هنا ملصق خارجي، لا بنية داخلية، ووسم «الاغتيال السياسي» لا يصنع تلقائيا قصة سياسية ما لم يدعم بمنطق سردي ومعرفي مقنع.

الخلاصة

إن قصة «خديجة 1974 – فاطمة 1981» تمتلك مقومات قصصية واضحة على مستوى المشهد واللغة والجو العام، لكنها تتعثر عند ادعاء الانتماء إلى القص المعرفي السياسي. فالسياسة في النص تظل خلفية زمنية أو توصيفا لاحقا للحدث، لا وعيا متجذرا في الشخصيات أو الرؤية السردية. ومن هنا، يمكن القول إن القصة تنتمي أكثر إلى السرد الاجتماعي المظلم أو القص الواقعي العنيف، لا إلى القص السياسي بالمعنى المعرفي الدقيق، الأمر الذي يفتح نقاشا ضروريا حول معايير تصنيف النصوص، وحدود التوسع في تحميلها دلالات لا تنتجها بنيتها الداخلية.

 

ورقة نقدية في جلسة ملتقى السرد بالمركز الثقافي البغدادي حول كتاب ( قص معرفي) للقاص والناقد اسماعيل ابراهيم عبد اليوم الجمعة 30/1/2026

 


مشاهدات 29
أضيف 2026/02/01 - 3:39 PM
آخر تحديث 2026/02/02 - 1:24 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 38 الشهر 808 الكلي 13932452
الوقت الآن
الإثنين 2026/2/2 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير