كلام أبيض
إلى محافظ ديالى: هل تحافظ؟
جليل وادي
لا أتجنى على أحد، ولا أستهين بالثقافة التي أراها مدخلا لكل ارتقاء، لكن هذا هو الواقع، فمقالي الذي بين أيديكم يحكي ما رأيته على مدى ربع قرن، وأستذكرته أمس بحضوري فعالية شعرية نسوية نظمها اتحاد ادباء وكتاب ديالى في مقره ببناية السراي في بعقوبة، هذه البناية التي يرجع تاريخها الى ما يقرب من مئتي عام، تعد معلما تراثيا بارزا في المحافظة، وتعود الى حقبة العهد العثماني، اذ كانت مكتبا للوالي، وفيما بعد مقرا للسلطات البريطانية حتى قيام ثورة العشرين، واستمرت في أداء بعض الوظائف أثناء الحكم الملكي، الى جانب بناية البريد التي شيدها الانكليز أواخر عشرينيات القرن الماضي على الأرجح.
والبنايتان متميزتان في طرازهما المعماري، وشاهدتان على مرحلة تاريخية مهمة، لكنهما مهملتان، وان سقوطهما أصبح وشيكا، فلم تحظيا بعناية أبدا، ولم تشغلا بال المسؤولين اطلاقا، والرطوبة تأكل جدرانهما، والاندثار ينهش بهما، مع ان بناية السراي اللافتة بجمال بنائها وتصميمها اتخذت مقرا لبعض الفعاليات الثقافية كاتحاد الادباء والكتاب، واتحاد الصحفيين، وبيت المقام العراقي، وجمعية المصورين الفوتوغرافيين، وجمعية الصم والبكم، ونقابة الصحفيين العراقيين التي انتقلت مؤخرا الى مقر جديد، وغيرها من منظمات المجتمع المدني ممن لا تحضرني أسمائها. اذا جاز لي ان أصف البنايتين ، ليس بوسعي سوى القول انهما متهالكتان وقذرتان، وتحيط بهما النفايات والمياه الآسنة، وتخيلوا ان الفنون والآداب توضع في هكذا مكان، مع ان وظيفتهما الكشف عن الجمال، أي جمال هذا الذي تلفه النفايات والرطوبة وانعدام مظاهر الرقي والنظافة، فالخدمات الصحية يُرثى لها، فما أن تُقدم عليها حتى تفر منها لاعنا كل من خطر على بالك، ويذكرني منظرها بمرافق صحية في وزارة رفيعة يتطلب دخولها رفع بنطالك الى ركبتك، والانتقال بخطواتك من طابوقة لأخرى تحاشيا لمياه مجاريها، بينما تحثنا هذه الوزارة في كتبها الرسمية شديدة اللهجة على الارتقاء بأذواق الناس، والاهتمام بثقافتهم وتنمية سلوكهم بما يجعله حضاريا، لا، ويحدثونك عن التنمية المستدامة ضمن أهدافها السبعة عشر، تتكلمون صدقا ام كذبا، ام نحن أهل (هبة وهمبلة )، وتعجبنا الشعارات البراقة كشعار الجودة ومعاييرها.
صدقوني لو كانت هاتان البنايتان في بلد آخر، لكانتا معلما سياحيا يدر من الأموال ما لم يكن في الحسبان، وهنا تستحضر ذاكرتي الاسطنبولية الطابور الطويل الذي دفعني الفضول الصحفي للوقوف فيه والتعرف الى تفاصيله، اذ قيل لي: ان في هذا المكان جرى تصوير مشاهد من مسلسل (العشق الممنوع) للحبيبين نور ومهند الذين خلبا قلوب الشباب وعقولهم، قهقهت في داخلي لأن المكان ليس فيه سوى صور فوتوغرافية للممثلين معلقة على الجدار، وكرسيين خشبيين، ومصور يلتقط صورا تذكارية للسياح، هكذا تستثمر الأشياء سياحيا.
كما يسترجع شريط ذاكرتي ذلك الحفل البهيج والكرنفال المميز الذي نظمه قسم الاعلام بمحافظة ديالى في بناية السراي العام (2001) بمناسبة صدور أول جريدة في المحافظة (أشنونا) الذي حضره السيد المحافظ وقيادات رفيعة الا اني كنت منشغلا بتأمل البناية بطابقيها والسلم المؤدي الى غرفة الوالي والمدخل الذي يضم غرفتين متقابلتين للحرس، وفي نهاية الحفل تحدثنا مع السيد المحافظ (أرجوكم أعفوني من ذكر الأسماء) حول البناية وضرورة أن يوليها عناية تليق بها، ووعدنا خيرا، وسقط النظام ولم يتحقق الوعد، وتكرر الحديث مع محافظ آخر بعد السقوط، وتحمس لحديثنا، ويبدو ان حماسه تلاشى مع خروجنا من غرفته، مع انه يصنف على المثقفين، اما الثالث الذي أفرحنا عندما دعا محاسبه ليسأله عن الأموال في خزينته ليرصد منها مبلغا لصيانة البناية، الا انه غادر منصبه بعد ولاية طويلة لم يكلف نفسه فيها بزيارة واحدة للسراي ، ما الذي يشغلهم عن الثقافة بتقديركم؟.
ربما يضحك المسؤولون من دعوتي للاهتمام بهذا المعلم التراثي الذي لا تكلف صيانته سوى وليمتين دسمتين من ولائم ما قبل الانتخابات، ويقولون في سرهم: انظروا لهذا البطران الذي لا عمل لديه. محبطا غادرت البناية بعد الاستماع لقصائد مرتجفة في قاعة باردة، بينما المثقفون يلتحفون معاطفهم، ويكرعون أكواب الشاي الحار أبو الهيل.
jwhj1963@yahoo.com