الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
القنبلة الثلاثية في الداخل الأمريكي: قراءة بنيوية في التحول الدولي

بواسطة azzaman

القنبلة الثلاثية في الداخل الأمريكي: قراءة بنيوية في التحول الدولي

من منظور عراقي/عربي في توازنات القوة العالمية

عباس النوري العراقي

 

لا تمرّ التحولات الكبرى في النظام الدولي عبر الانهيار المفاجئ، بل تتشكّل غالباً من خلال تراكم اختلالات بنيوية داخل القوى المهيمنة. ما تشهده الولايات المتحدة اليوم يمكن تحليله ضمن هذا الإطار، بوصفه تفاعلاً مركباً بين الاقتصاد السياسي، والبنية الاجتماعية، ووظيفة القوة الخارجية، وهو ما اصطلح بعض الباحثين على تسميته مجازاً بـ«القنبلة الثلاثية».

هذه القراءة لا تنطلق من موقف أيديولوجي، بل من تحليل مقارن للتجارب التاريخية، وبخاصة تجارب دول عانت من تآكل الداخل قبل تراجع الدور الخارجي.

أولاً: الدين العام وكلفة الهيمنة الاقتصادية

بلغ الدين الفيدرالي الأمريكي مستويات غير مسبوقة، متجاوزاً 34–35 تريليون دولار، أي ما يزيد عن 120% من الناتج المحلي الإجمالي. غير أن الإشكالية لا تكمن في حجم الدين بحد ذاته، بل في كلفة خدمته.

تشير المؤشرات المالية إلى أن:

فوائد الدين الفيدرالي تقترب من تريليون دولار سنوياً

خدمة الدين باتت تنافس بنوداً سيادية كالدفاع والرعاية الصحية

أي تشديد نقدي إضافي يهدد بتقليص الإنفاق التنموي

اقتصادياً، يعني ذلك أن الولايات المتحدة انتقلت من نموذج:

الاستدانة من أجل النمو

إلى نموذج

الاستدانة من أجل الاستقرار المؤقت

وهو انتقال يعكس بداية إجهاد بنيوي في الاقتصاد السياسي للقوة المهيمنة.

ثانياً: تركّز الثروة واختلال العقد الاجتماعي

تُظهر البيانات أن الثروة في الولايات المتحدة باتت مركّزة بشكل غير مسبوق في يد شريحة ضيقة للغاية. إذ تتحكم أقل من عشرة مليارديرات بقطاعات استراتيجية تشمل التكنولوجيا المتقدمة، الذكاء الاصطناعي، الإعلام، والأسواق المالية.

هذا التركّز لا يمثل ظاهرة اقتصادية فحسب، بل تحولاً في بنية القوة داخل الدولة، حيث:

تتزاوج الثروة مع التأثير السياسي

تتراجع فرص الحراك الاجتماعي

تتآكل الطبقة الوسطى

في المقابل، يعيش جزء واسع من المجتمع الأمريكي حالة هشاشة اقتصادية مزمنة:

أكثر من نصف السكان لا يمتلكون مدّخرات كافية

الملايين يعيشون على حافة العجز المالي

الفقر بمعناه الواسع (غير الإحصائي) قد يشمل ما يقارب 40–50% من المجتمع

وهنا يظهر الخلل الجوهري:

النظام الاقتصادي لم يعد يعمل بوصفه آلية توزيع،

بل كآلية تراكم عمودي للثروة.

ثالثاً: الانقسام المجتمعي وأزمة الشرعية السياسية

الاختلال الاقتصادي انعكس مباشرة على البنية الاجتماعية والسياسية. فالولايات المتحدة تشهد اليوم:

استقطاباً سياسياً حاداً

تراجع الثقة بالمؤسسات

صراعاً حول مفهوم الهوية الوطنية

لم تعد الديمقراطية الأمريكية فضاءً لإدارة التعدد، بل باتت ساحة تنازع سرديات متضادة، وهو نمط تاريخي يُنذر دائماً بإضعاف الشرعية السياسية على المدى المتوسط.

ومن منظور مقارن، فإن هذا النمط من الانقسام هو ذاته الذي سبق مراحل التراجع في قوى كبرى عبر التاريخ.

رابعاً: السياسة الخارجية بوصفها انعكاساً للأزمة الداخلية

في علم العلاقات الدولية، غالباً ما تسعى القوى المهيمنة عند تعثر الداخل إلى إعادة إنتاج دورها الخارجي لتعويض فقدان التماسك الداخلي. إلا أن السياسة الخارجية الأمريكية اليوم تعكس:

تعدد ساحات التدخل دون حسم

تراجع القدرة على فرض القواعد

صعود قوى منافسة ذات رؤية طويلة الأمد

لم تعد الهيمنة الأمريكية مطلقة، بل باتت إدارة نفوذ متناقص في بيئة دولية أكثر تعددية.

خامساً: إشارة استشرافية (1991)

في هذا السياق، لا بد من التذكير – بوصفه توثيقاً فكرياً لا مفاخرة – أنني كنت قد حذّرت مبكراً من هذا المسار، في مقال نشر عام 1991 في جريدة العرب اللندنية بعنوان:

«النظام الدولي الجديد»

(عباس رضا – السويد)

حيث أشرت آنذاك، بعيد انتهاء الحرب الباردة، إلى أن:

القطب الواحد يحمل في داخله بذور اختلاله

الهيمنة الاقتصادية غير المتوازنة ستؤدي إلى أزمات داخلية

الدول العربية مطالبة بعدم الارتهان الأحادي، وضرورة إعادة توجيه بوصلتها الاستراتيجية نحو الشرق وبناء علاقات متوازنة مع القوى الصاعدة

وهو ما تؤكده تحولات العقود الثلاثة اللاحقة.

سادساً: توصيات استراتيجية للعراق والمنطقة العربية

في ضوء التحول البنيوي الجاري، تبرز جملة توصيات علمية وعملية:

تنويع الشراكات الدولية

الانتقال من سياسة المحاور إلى سياسة توازن المصالح.

تحصين القرار الوطني

بناء مؤسسات مستقلة عن الضغوط الدولية المتقلبة.

الاستثمار في العدالة الاجتماعية

فالتجربة الأمريكية تؤكد أن غياب العدالة يهدد الاستقرار السياسي.

التحول شرقاً دون قطيعة غرباً

أي اعتماد مقاربة براغماتية متعددة الاتجاهات.

الخاتمة: من الهيمنة إلى التعددية

ما تشهده الولايات المتحدة ليس انهياراً فورياً، بل انتقالاً تاريخياً من موقع القطب الأوحد إلى فاعل رئيس ضمن نظام متعدد الأقطاب.

والدرس الأهم للعراق والمنطقة:

من لا يقرأ التحولات الدولية بعقل بارد،

سيجد نفسه دائماً في موقع التابع لا الشريك.

 

 

 

 


مشاهدات 40
الكاتب عباس النوري العراقي
أضيف 2026/01/23 - 3:12 PM
آخر تحديث 2026/01/24 - 1:28 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 59 الشهر 17945 الكلي 13525368
الوقت الآن
السبت 2026/1/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير