الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
العراق على المحك

بواسطة azzaman

العراق على المحك

ضرغام القاضي

 

لم يعد المشهد العراقي يحتمل المجاملة أو الخطاب الرمادي. فالعراق يقف اليوم أمام اختبار مصيري يتجاوز حدود الحكومة والعملية السياسية، ويمتد إلى جوهر فكرة الدولة نفسها. تتكاثر التحديات وتتقلص الخيارات، وسط خارطة معقّدة من الضغوط الداخلية والصراعات الإقليمية غير المعلنة التي باتت تنعكس على الداخل بوضوح.

الحكومة العراقية تعيش واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ عام 2003، حيث تراجع الثقة الشعبية وارتفاع منسوب القلق العام يشكلان مؤشراً واضحاً على تآكل الرصيد السياسي للنخب التقليدية. فالمواطن العراقي الذي أنهكته الأزمات الاقتصادية والخدماتية والأمنية لم يعد يكتفي بالوعود أو الخطابات، بل يطالب بإجراءات ملموسة تُعيد الاعتبار للدولة وتثبت قدرتها على فرض القانون دون انتقائية أو مجاملة لأي جهة.

التحدي الأكبر لا يكمن فقط في إدارة الملفات اليومية أو الاستجابة للأزمات المتلاحقة، بل في القدرة على اتخاذ قرار وطني مستقل بعيداً عن الضغوط الحزبية والتوازنات الهشة التي عطلت الدولة لسنوات وجعلت القرار السياسي أسير حسابات ضيقة، لا تعكس حجم المسؤولية ولا حساسية المرحلة.

من جهة أخرى، لم تعد الحدود العراقية مجرد خطوط جغرافية، بل تحوّلت إلى ملف سيادي بامتياز. فالهشاشة الأمنية وطول الحدود وتشابك المصالح الإقليمية والدولية جعلت العراق عرضة لاختراقات متكررة، وأدخلته في قلب تنافس محموم على النفوذ. وفي ظل هذا الوضع، أصبح الحفاظ على سياسة التوازن أمراً بالغ الصعوبة، لكنه في الوقت نفسه الخيار الوحيد لتجنيب البلاد سيناريوهات خطيرة.

الصراع الإقليمي اليوم لا يُدار عبر مواجهة مباشرة فقط، بل عبر ساحات وسيطة وأوراق ضغط، ويُنظر إلى العراق كإحدى هذه الساحات نظراً لموقعه الجغرافي وعمقه الاجتماعي وتركيبته السياسية. وهذا ما يزيد من حساسية المشهد، لأن الانزلاق نحو أي محور أو فقدان وضوح الموقف الرسمي قد يضع بغداد أمام تداعيات لا تمتلك رفاهية تحمّلها.

ولا يقلّ البعد الاقتصادي أهمية عن البعد الأمني والسياسي. فغياب رؤية اقتصادية واضحة وتباطؤ خطوات الإصلاح، في ظل معادلة دولية متغيرة وسوق طاقة مضطرب، يجعل من الوضع الداخلي أكثر هشاشة. فلا سيادة مكتملة دون اقتصاد قادر ولا استقرار دائم دون مؤسسة مالية قوية. وهو ما يدركه المواطن حين يقيس أثر السيادة على حياته اليومية لا على مستوى الشعارات.

في هذا المشهد المركب، يصبح السؤال الأبرز: هل يمتلك العراق القدرة على اتخاذ قرار يعكس مصالحه الوطنية العليا؟ أم أنه لا يزال عالقاً في لعبة توازنات مفروضة عليه من الخارج ومكبّلة من الداخل؟ الإجابة ستحدد شكل الدولة في العقد المقبل، بل وربما مصير مشروع الدولة ذاته.

إن اللحظة السياسية الراهنة ليست لحظة عبور عادية، بل مفصل تاريخي يختبر قدرة العراق على حماية سيادته وتماسكه الداخلي وتجنب الانزلاق نحو صدامات أو اصطفافات قسرية. فالإدارة الحذرة للمشهد لا تعني التردد، بل تعني امتلاك رؤية تُدرك حجم المخاطر دون أن تهرب منها، وتوازن بين ضرورات الداخل ومقتضيات الإقليم دون أن تتنازل عن مبدأ السيادة.

 

 


مشاهدات 39
الكاتب ضرغام القاضي
أضيف 2026/01/23 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/01/24 - 1:28 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 59 الشهر 17945 الكلي 13525368
الوقت الآن
السبت 2026/1/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير