الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
لا إصلاح اقتصادي من دون عدالة اجتماعية

بواسطة azzaman

لا إصلاح اقتصادي من دون عدالة اجتماعية

إسماعيل محمود محمد العيسى

 

(1) *حين يبدأ الإنقاذ من الأعلى*

في واحدة من أكثر الأزمات المالية قسوة في العصر الحديث؛ وجدت آيسلندا نفسها عام 2008 على حافة الانهيار،

مصارف مفلسة؛ عملة منهارة؛ وغضب شعبي يملأ الشوارع،

لكن الدولة هناك لم تبحث عن الحل في جيوب الموظفين ولا في موائد الفقراء؛ بل اتخذت قرارًا غير مألوف: الأزمة تُدار بالعدالة قبل الأرقام.

خُفِّضت رواتب كبار المسؤولين؛ أُلغيت امتيازات غير مبررة؛ قُلِّصت الحمايات والمخصصات؛ وأُعيد تعريف مفهوم الخدمة العامة باعتبارها تكليفًا لا غنيمة.

وبعد سنوات قليلة؛ استعادت الدولة توازنها؛ لا لأنها كانت أغنى من غيرها؛ بل لأنها اختارت أن توزّع الخسارة بعدالة.

اليوم؛ يقف العراق أمام اختبار لا يختلف في نتائجه؛ وإن اختلفت أسبابه.

الموارد متوفرة؛والنفط حاضر؛ لكن القلق يتصاعد.

موازنات ضخمة؛ دين داخلي وخارجي يفاقم الأزمة؛ إنفاق تشغيلي متضخم؛ امتيازات تتراكم بصمت؛ فيما يُطرح سؤال التقشف كلما اهتز سعر النفط؛ وكأن الموظف البسيط هو الحلقة الأسهل.

المشكلة ليست في الرواتب الصغيرة؛ بل في تشوّه العدالة المالية.

رواتب خاصة؛ تقاعدات مرتبطة بالمناصب لا بالخدمة؛ حمايات ومواكب وصرفيات لا تنتج قيمة مضافة؛ ومؤتمرات وسفرات لا تنعكس على أداء الدولة، هذا هو النزيف الحقيقي الذي لا يظهر في العناوين؛ لكنه يظهر في العجز وفقدان الثقة.

 

وحين يشتد الضغط؛ يرتفع صوت الغضب في الشارع مطالبًا بالإلغاء والقطع.

 

الغضب مفهوم؛ لكنه ليس سياسة عامة.

 

الدولة لا تُدار بالانفعال؛ بل بقرارات عقلانية تُوازن بين الإصلاح والاستقرار الاجتماعي.

 

الإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا يعني تحميل الفقير فاتورة لم يكتبها؛ ولا الموظف مسؤولية لم يصنعها.

الإصلاح يعني أن يبدأ من الأعلى؛ من حيث تُصنع القرارات وتُمنح الامتيازات؛ وأن تُراجع هذه الامتيازات قبل أن تُمسّ الحقوق الأساسية.

 

العراق لا يحتاج إلى تقشف يعمّق الفجوة الاجتماعية؛ بل إلى تقشف عادل:

يحمي رواتب الموظفين وأصحاب الدخل المحدود؛

يُخضع الجميع لقانون واحد بلا استثناءات؛

ويعيد ترتيب الأولويات على أساس الكفاءة والعدالة لا النفوذ.

 

التجارب الدولية تؤكد أن الدول التي نجحت في عبور الأزمات لم تكن أكثر ثراءً؛ بل أكثر شجاعة في اتخاذ القرار الصعب.

والسؤال اليوم ليس: هل نحتاج إلى إصلاح؟

بل: هل نملك الجرأة لنبدأ الإصلاح من حيث يجب؛ قبل أن يصبح الانهيار هو الخيار الوحيد؟


مشاهدات 73
الكاتب إسماعيل محمود محمد العيسى
أضيف 2026/01/21 - 4:01 PM
آخر تحديث 2026/01/22 - 2:03 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 98 الشهر 16474 الكلي 13523897
الوقت الآن
الخميس 2026/1/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير