الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إقتصاد الظل في العراق.. قطاع لا تراه الدولة

بواسطة azzaman

إقتصاد الظل في العراق.. قطاع لا تراه الدولة

حسين الفلوجي

 

غالبا ما ينشغل الخطاب الاقتصادي الرسمي في العراق بثنائية تقليدية: قطاع عام مترهّل يستهلك الجزء الأكبر من الموارد، وقطاع خاص هشّ يُعوَّل عليه للخروج من الأزمات، لكنه يعاني التهميش وغياب الدعم الجاد. وبين هذين القطاعين، يتحرّك بصمت اقتصاد ثالث غير مُعترف به رسميًا، لكنه آخذ في التوسّع والتجذّر. إنه اقتصاد الظل؛ واقعٌ اقتصادي موازٍ لا يظهر في الموازنات العامة، ولا في الخطط التنموية، لكنه يشكّل جزءًا حيًا وأساسيًا من النشاط اليومي للمجتمع والدولة على حدّ سواء.وحين نتأمّل في حجمه الحقيقي، يتبيّن أننا لا نتحدّث عن نشاط هامشي أو استثناء عارض، بل عن منظومة واسعة تستوعب ملايين العاملين وتُدير تدفقات مالية ضخمة خارج النظام الرسمي. إنها منظومة تُنتج، وتوظّف، وتؤثّر، لكن دون أن تمرّ عبر بوابات القانون أو تُسجَّل في دفاتر الدولة. وهذا وحده يُبرز حقيقة لا جدال فيها، ان اي إصلاح اقتصادي جادّ سيبقى ناقصًا ما لم يبدأ بفهم هذا القطاع، والاعتراف به، والعمل على تنظيمه وإدماجه تدريجيًا في إطار الاقتصاد الوطني.

ما هو اقتصاد الظل؟

اقتصاد الظل لا يعني بالضرورة انه نشاطًا إجراميًا، بل يشمل طيفًا واسعًا من الأعمال المشروعة في طبيعتها، لكنها تُمارَس خارج النظام الرسمي. قد يكون صاحب محل نجارة، أو ورشة خياطة، أو مكتب خدمات، أو حتى عيادة خاصة تُدار بلا ترخيص بالكامل. ما يوحّد هذه الأنشطة هو ابتعادها عن التسجيل القانوني والضريبي والرقابي. هذه الأنشطة تعيش وتزدهر في الظل، مستفيدة من ضعف الدولة، وتعقيد القوانين، وغموض المسارات الرسمية وتفشي الفساد المالي والاداري.

لماذا يزدهر اقتصاد الظل؟

الحقيقة المجردة هي ان الكثيرين لا يدخلون اقتصاد الظل اختيارًا، بل اضطرارًا.

فحين تصبح الإجراءات الرسمية معقدة، وتتحوّل مؤسسات الدولة إلى عبء بدل أن تكون عونًا، يصبح الاقتصاد غير الرسمي هو الخيار الأسرع والأقل كلفة. الفرد العادي أو ربّ العائلة لا يسعى إلى التهرب من القانون بدافع الجريمة، بل للهروب من البيروقراطية، والفساد، وسنوات الانتظار. إنه رد فعل طبيعي على بيئة طاردة لا تحتضن الأفكار والمشاريع الصغيرة، ولا تحمي العاملين المستقلين، ولا توفر دعمًا لمن يحاول البدء من الصفر.

المفارقة المؤكدة، أنّ اقتصاد الظل، رغم كونه غير رسمي، لكنه أصبح أكثر فاعلية وتنظيمًا من القطاعات التي تشرف عليها الدولة. لذلك تكونت شبكات كاملة من التعاون بين أصحاب المصالح، وتطورت أنماط عمل تتجاوز تعقيدات القانون، وتُبنى أسواق موازية خارج الأنظمة التقليدية. في غياب الدولة، تبتكر الناس طرقها الخاصة للتعامل، للتوظيف، ولحلّ النزاعات. هذا يُنتج منظومة اقتصادية موازية لها قوانينها غير المكتوبة، وأدواتها، ومراكز نفوذها.

من المستفيد ومن الخاسر؟

في المدى القصير، قد يبدو أن الجميع يستفيد: العامل يجد رزقه، وصاحب المشروع يقلل التكاليف، والزبون يحصل على خدمة أرخص. لكن على المدى الطويل، الجميع خاسر. الدولة تخسر القدرة على التخطيط وتحصيل الإيرادات، والمواطن يفقد الحماية القانونية والاجتماعية. في اقتصاد الظل لا يوجد تقاعد، ولا تأمين، ولا ضمانات. وما يُبنى في الظل يمكن أن ينهار في أي لحظة، لأن لا أحد يضمن الحقوق ولا يضبط الالتزامات. الخطر الأكبر أن هذا النمط يصبح هو القاعدة، لا الاستثناء.

عائق أمام الإصلاح

كلما تعمّق وجود اقتصاد الظل، تقلّ فعالية أي إصلاح اقتصادي محتمل. كيف يمكن ضبط السوق إذا كانت نصف التعاملات خارج الرقابة؟ كيف يمكن تصميم سياسة ضريبية عادلة إذا كان نصف الدخل لا يُعلَن عنه؟ كيف يمكن إنجاح مبادرات التشغيل والتمويل إذا كان المستفيدون المفترضون لا يظهرون في قواعد البيانات؟ الدولة تُخطّط لاقتصاد رسمي، بينما الواقع الفعلي يتحرّك في منطقة رمادية لا تُرَى ولا تُضبَط.

العقوبات لا تكفي

الردّ السريع على اقتصاد الظل غالبًا ما يكون بتشديد العقوبات، وزيادة الغرامات، وتكثيف الحملات التفتيشية. لكن هذه الأدوات، رغم أهميتها، قد تكون غير مجدية إذا لم تُرافقها حلول هيكلية.

لا يكفي أن نقول للناس «التزموا»، بل يجب أن نُعطيهم بيئة تشجّعهم على الالتزام. تبسيط الإجراءات، تقليل كلفة الامتثال، حماية المشاريع الصغيرة، وتقديم حوافز حقيقية للانتقال إلى النور

هذه هي المفاتيح الأهم، قبل العصا وبعدها. إذا ما أعدنا التفكير في اقتصاد الظل باعتباره «قطاعًا ثالثًا» لا يمكن تجاهله، فإنّ معالجته تتطلّب إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الثقة والتعاون. على الدولة أن تُدرك أنّ كثيرًا من مواطنيها يعملون في الظل ليس لأنهم يرفضون القانون، بل لأن القانون يرفضهم أو لا يصل إليهم. وأنّ إدماجهم ليس واجبًا اقتصاديًا فحسب، بل خطوة ضرورية لإعادة بناء العقد الاجتماعي، وتحقيق الاستقرار على المدى البعيد.

من الظل إلى الضوء

اقتصاد الظل ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هو مرآة لعجز الدولة وفشل سياساتها. لكن في الوقت نفسه، هو دليل على قدرة المواطن على التأقلم والابتكار والعيش رغم العوائق. التحدي ليس في القضاء على اقتصاد الظل، بل في تحويله إلى فرصة، وفي نقل النشاط الاقتصادي من العشوائية إلى النظام، ومن العزلة إلى الشراكة. هذا الطريق يبدأ بفهم الواقع كما هو، ثم تصميم الحلول التي تليق بالناس الذين يعيشونه.


مشاهدات 27
الكاتب حسين الفلوجي
أضيف 2026/01/20 - 6:29 PM
آخر تحديث 2026/01/21 - 2:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 106 الشهر 15638 الكلي 13523061
الوقت الآن
الأربعاء 2026/1/21 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير