بين العقل والجسد : جدلية الانكسار في مرآة منى الصراف في قصة توبة محاذية
أياد النصيري
تُعد قصة (توبة محاذية) للقاصة العراقية منى الصراف نموذجاً سردياً مكثفاً يغوص في أعماق السيكولوجيا النسوية ويطرح إشكاليات اجتماعية وأخلاقية شائكة. النص ليس مجرد حكاية عابرة، بل هو مختبر إنساني تضعه الصراف أمامنا لتعرية المسكوت عنه - من خلال تقابلية حادة بين عالمين عالم ( الزوجة المثقفة ) ، التي تتسلح بالوعي النظري- وعالم المومس (التائبة) التي تحمل خبرة الواقع العارية .
ومن هنا تبدأ رحلة البحث عن الجوهر خلف الستار الكثيف للأقنعة الاجتماعية .
تعتمد القاصة على بناء (المفارقة) كعمود فقري للنص، حيث تبرز ازدواجية مستمرة تتجلى في مستويين صراع العقل والجسد - تظهر البطلة (الزوجة) وهي تدير (لعبة) الزواج بذكاء يشبه تحركات الشطرنج، لكنها تكتشف هزيمتها في معركة (الجسد) أمام الموروث الاجتماعي والخجل الذي يكبل اندفاعها العاطفي- تعيد الصراف تعريف هذه المفاهيم من وجهة نظر سيكولوجية - فالبطلة (المترسنة بالعلم والورق) تكتشف حاجتها لدروس (نهال) (المرأة السوقية) لتتعلم منها (فن الاحتفاظ بالرجل) ، مما يخلق مفارقة صادمة حول من يمتلك المعرفة الحقيقية .
لقد برعت الصراف في رسم ملامح البطلة التي تجسد (الكمال النظري) لكنها كشفت عن ثغرة الخوف من المنافسة التي دفعت هذه المثقفة لكسر حاجز الطبقية بحثاً عن سر الاستحواذ العاطفي لدى امرأة كانت تصنفها في قاع المجتمع.
يعد العنوان (توبة محاذية) هو العتبة الأولى لفهم النص- فـ (المحاذاة) ، تعني السير بجانب الشيء دون الاندماج فيه.
يتجلى هذا بوضوح في شخصية (نهال) التي تزوجت وادعت التوبة، لكنها قدمت مقترحاً (لخيانة الزوج) كحل لمشكلة الإنجاب مما يكشف عن عطب بنيوي في مفهومها عن الشرف .
إنها تمارس الرذيلة تحت غطاء (الزوجة المحبة)، وهي (التوبة المنقوصة) التي تلامس الطهر من الخارج وتغرق في دنس المنطق القديم من الداخل
أما (صالون الحلاقة) فقد استخدمته القاصة كرمز مكاني (برزخي) تلتقي فيه المتناقضات - حيث تسقط الأقنعة وتتعرى الحقائق وحيث يسعى الجميع لتجميل الظاهر بينما تظل الأرواح في حاجة ماسة لترميم داخلي لم تصله أدوات التجميل .
استخدمت الصراف لغة أنيقة تنساب بين التحليل النفسي الرصين والواقعية الفجة ، مما خدم التباين الدرامي بين الشخصيات .
كما طرحت القصة بعداً نسوياً عميقاً - حيث يظهر (الرجل) كمركز دوران في حياة المرأتين ، مما يدفعهما بطرق متناقضة) لمحاولة إرضاء هذا (السيد) ، حتى لو كان ذلك على حساب قناعاتهما أو قيمهما الجوهرية .
في الختام ، لا تنتهي (توبة محاذية) بنهاية الحكاية ، بل ببدء الأسئلة الوجودية الكبرى ، لقد نجحت منى الصراف في تحويل تلك (الابتسامة الصفراء) في نهاية النص إلى بيان ختامي يعلن انتصار (الفكر) على (الوهم) لقد أدركت البطلة أخيراً أن الفرق بينها وبين نهال ليس في (الفراش) فحسب ، بل في (الجوهر الأخلاقي) الذي لا يمكن شراؤه بزواج شرعي أو توبة صورية. إنها صرخة أدبية عالية في وجه الوعي المعلب ، ودعوة لترميم الداخل قبل تجميل الظاهر، تاركةً القارئ أمام حقيقة صادمة - أن الشرف الحقيقي ليس في المسمى الوظيفي أو الاجتماعي ، بل في تطابق الذات مع قيمها بعيداً عن زيف الادعاءات .