مهمات الحكومة على ضوء منهج الامام علي عليه السلام
محسن القزويني
أقام امير المؤمنين علي بن ابي طالب في السنه 35 للهجرة الموافق للعام 656 للميلاد دولته و التي امتدت لاربع سنوات ونيف وسادت على رقعة جغرافية واسعة هي اليوم تمثل 50 دولة من الدول الحالية في القارات الثلاث .وعلى رغم القلاقل والاضطرابات التي شهدتها فترة حكمه عليه السلام الا أنه استطاع ان يؤسس لدولة معيارية مترامية الاطراف لا تجد فيها فقيرا واحدا حتى انه و بالصدفة تفاجا لمنظر فقير متسول يستعطي من المارة، فسال مستغربا: ما هذا ؟ فقالوا له: يا امير المؤمنين انه نصراني ، فقال عليه السلام مقولته المشهورة: استعملتموه حتى اذا كبر وعجز منعتموه !! ثم أمر انفقوا عليه من بيت المال. وهذا يؤشر على عظمة الدولة التي انشاها امير المؤمنين عليه السلام حيث لا نجد فيها فقيرا واحدا لانه أقامها على اسس منطقية وواقعية و يمكنها ان تصبح مثلا اعلى للدولة الرشيدة، فمن يريد الاقتداء بعدل علي عليه السلام وحكمته في الحكم ليعد الى ما كتبه الى ولاته و الى ممارساته اثناء ادارته لدفة الحكم. ومن الوثائق التي يمكن الرجوع اليها لاستيعاب نظرية الدولة عند امير المؤمنين عليه السلام رسالته الى مالك الاشتر عندما ولاَّه ارض مصر وهي الرسالة التي تحمل رقم (53) في باب الرسائل من كتاب نهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي ، وفي بدء هذه الرسالة يضع الامام عليه السلام مهمات الحكومة فيقول:( هذا ما أمر به عبد الله علي امير المؤمنين مالك بن الحارث الاشتر في عهده اليه حين ولاَّه مصر جباية خراجها وجهاد عدوها واستصلاح اهلها وعمارة بلادها) اربع مهمات هي وظائف الحكومة وهي:
الضرائب
اولا: جباية الخراج ، والخراج هو الضريبة التي توضع على الارض عند الانتفاع بها ، وهي ملك لعامة المسلمين، ويُدفع الخراج للدولة لتغطية نفقاتها على العاملين فيها كرواتب وتوفير الاموال الكافية لصرفها على المهمات الثلاث الاخرى التي سناتي على ذكرها. والدولة غير مُطلقة اليد في تحديد مقدار الخراج لان زيادته سيتسبب في افتقار الشعب فكان لابد من موازنة دقيقة بين الاعمار والخراج بحيث لا يطغي الخراج على الاعمار كما بين امير المؤمنين في رسالته الى مالك الاشتر (وليكُن نظرك في عمارة الارض اَبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لان ذلك لايُدرك الا بالعمارة و من طلب الخراج بغير عمارة أَخرب البلاد وأَهلك العباد ولم يستقم امره الا قليلا).الخراج هو مصدر تمويل للعمارة والنفقات الاخرى فاذا اعتمدت الدولة على الخراج وتركت العمارة فقد تسببت في خراب البلاد وهلاك العباد كما قال امير المؤمنين سلام الله عليه .
الجهاد
ثانيا : جهاد عدوها سواء كان العدو داخليا او خارجيا ،فلابد من انشاء قوتين قوة في الداخل لمكافحة اعداء الشعب من ارهابيين ومخربين وتجار المخدرات والمعتدين على حقوق الناس وهم قوى الامن الداخلي بما فيهم الشرطة والاستخبارات وعناصر مكافحة الجريمة وهذه القوة تؤدي وظيفة الحفاظ على أمن وسلامة المواطن في نفسه وماله .
وفي مواجهة الاعداء الخارجين لابد من وجود جيش قوي يقف على حدود البلاد لردع أي عدوانٍ خارجي تتعرض له البلاد، وان يُجهَّز هذا الجيش بكافة انواع الاسلحة المتطورة القادرة على مواجهة الاعداء، ويحظى بالتدريب المستمر والاستعداد التام على المواجهة، ويتم كل ذلك في اطار من الجهاد الذي يقوم على النية الخالصة والاعمال الصالحة والارتباط المباشر بالقيادة الربانية عندذلك تعد هذه المهمة عبادة كالصلاة والصيام وهي الفرع الثامن من فروع الدين العشرة.
الاصلاح
ثالثا :استصلاح اهلها, ويندرج في قائمة الاستصلاح: التعليم والتربية والارشاد وبناء الكوادر وتربية الخطباء والوعاظ وائمة الجماعة ورعاية الشباب والعجزة والشيوخ فهناك وزارات تدخل في نطاق استصلاح الشعب هي :وزارة التربية ،وزارة التعليم ، وزارة الاعلام ، وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وزارة الثقافة، وجميع المؤسسات والهيئات المعنية بمهمة الاصلاح سواء كانت ثقافية او تربوية او تعليمية فهذه الوزارات والمؤسسات تقوم على مفهوم استصلاح الشعب و تحصينه ضد الهجمات الفكرية والعادات والصرعات المستوردة من الخارج، وعندما يَطلق الامام عليه السلام على هذه المهمات عبارة استصلاح اهلها وكانه يريد ان يمنح هؤلاء العاملين في هذه الوزارات والمؤسسات عنوان المصلح وان عملهم هو شكل من اشكال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لان الامر بالمعروف يؤدي الى الاصلاح كما يقول امير المؤمنين (والامر بالمعروف مصلحة للعوام ) فلابد ان يتقيد العاملون في هذه المؤسسات والوزارات بصفات المصلح الذي عليه ان يصلح نفسه قبل ان يُصلح الاخرين كما قال امير المؤمنين سلام الله عليه (لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له والناهين عن المنكر العاملين به).
العمارة
رابعا: عمارة بلادها : وهي المسؤولية التي تقوم بها وزارة الزراعة وزارة الصناعة وزارة النقل وزارة البلديات والاعمار والاسكان و وزارة النفط، فكل ما يدخل في مجال الاعمار يَدخل في الوظيفة الرابعة للدولة و ربما هناك فائدة من درج كل هذه الوظائف ضمن عنوان عمارة بلادها هي: ضرورة وجود هيئة خاصة بالعمارة لها رؤية مشتركة ولها رسالة واضحة في إعمار البلاد حتى تاتي عمليات الاعمار ضمن استراتيجية واضحة المعالم تشترك فيها الوزارات كافة فوزارة الزراعة تستصلح الاراض وتدعم الفلاح وتشجعه على الزراعة، و وزارة الموارد المائية تتكفل بتوفير المياه الكافية لاغراض الزراعة وتقوم وزارة الصناعة باستثمار ما موجود فوق الارض وباطنها في التصنيع و الانتاج فتقيم صناعات غذائية وصناعات تحويلية و انتاجية متنوعة تعتمد على الثروة المعدنية المستخرجة من باطن الارض. اما دور وزارة النفط والشركات المرتبطة بها فهو توفير المال الكافي لتغطية نفقات العمران، وهكذا كل جزء من اجزاء الدولة يعمل كخلية النحل في تعمير المملكة لتنتج العسل المصفى الذي سيغذي ابناء الشعب كافة . وعندما ننظر الى العناصر الاربعة المتقدمة بنظرة شاملة سنضع من اجل تنفيذها خطة متكاملة تربط بين الخراج والجهاد والاصلاح والاعمار بسلسلة من الانشطة تؤدي في نهاية الامرالى قيام الدولة الرشيدة التي يريدها الله سبحانه وتعالى ورسوله وامير المؤمنين ويريدها الشعب ايضا لانه سيجد في هذه الدولة :الامن والاستقرار والرفاه، لانها ستوفر له كل مستلزمات الحياة الرغيدة كما قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم( من اصبح معافي في بدنه آمنا في سربه عنده قوت يومه فكانما حيزت له الدنيا بحذافيرها).