إيران وتجاربها مع التصعيد الأمريكي.. مقاربة تحليلية في إدارة الصراع والردع
علي موسى الكناني
تُعد العلاقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأميركية نموذجاً معقداً للصراعات غير المتكافئة في النظام الدولي المعاصر. فمنذ عام 1979، اتسمت هذه العلاقة بحالة من العداء البنيوي، انعكست في سلسلة متواصلة من سياسات التصعيد والاحتواء، كان أبرزها استخدام الولايات المتحدة لأدوات الضغط الاقتصادي والسياسي، مقابل اعتماد إيران استراتيجيات ردع غير مباشرة وإدارة محسوبة للأزمات.
أولاً: الإطار البنيوي للتصعيد
ينطلق التصعيد الأميركي تجاه إيران من اعتبارات بنيوية تتصل بدور الولايات المتحدة في النظام الدولي، وبسعيها إلى الحفاظ على توازن القوى في منطقة الشرق الأوسط. وقد اعتُبرت إيران، بعد الثورة الإسلامية، فاعلاً إقليمياً مغايراً للترتيبات الاستراتيجية الأميركية، ما جعلها هدفاً دائماً لسياسات الاحتواء والعقوبات. وتُظهر هذه السياسة أن التصعيد لم يكن رد فعل مرحلياً، بل جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تقليص النفوذ الإيراني ومنع تحوله إلى قوة إقليمية مهيمنة.
ثانياً: العقوبات الاقتصادية كأداة استراتيجية
مثّلت العقوبات الاقتصادية الركيزة الأساسية في السياسة الأميركية تجاه إيران، ولا سيما بعد الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018. وقد صُممت هذه العقوبات لإحداث اختلالات هيكلية في الاقتصاد الإيراني، عبر استهداف مصادر الدخل الرئيسة، وعلى رأسها قطاع الطاقة والنظام المصرفي.
قدرة نسبية
إلا أن التجربة الإيرانية تشير إلى قدرة نسبية على التكيّف مع هذه الضغوط، من خلال سياسات الإحلال المحلي، وتنويع الشراكات الاقتصادية، والانفتاح على قوى دولية منافسة للنفوذ الأميركي، وهو ما يثير تساؤلات أكاديمية حول فعالية العقوبات في تحقيق أهدافها السياسية بعيدة المدى.
ثالثاً: الصبر الاستراتيجي وإدارة الأزمات
اعتمدت إيران ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ”الصبر الاستراتيجي”، بوصفه نهجاً يقوم على تجنب المواجهة العسكرية المباشرة، مقابل تعزيز أدوات الردع غير التقليدية. ويتجلى هذا النهج في توظيف الحلفاء الإقليميين، واستخدام أوراق الضغط الأمنية والسياسية، ضمن إطار يضمن إيصال رسائل ردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
وتُظهر هذه المقاربة فهماً إيرانياً دقيقاً لمعادلات القوة واختلالها، وإدراكاً لكلفة الصدام المباشر مع قوة عظمى.
رابعاً: التصعيد العسكري المحسوب
شكّلت حادثة اغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني عام 2020 اختباراً حقيقياً لمنطق الردع المتبادل. فالرد الإيراني على استهداف قاعدة عين الأسد مثّل نموذجاً للتصعيد المحسوب، الذي يوازن بين الحاجة إلى الرد والحفاظ على سقف الصراع.
وتكشف هذه الواقعة عن نمط جديد من التفاعل، يقوم على “الردع دون حرب”، وهو نمط بات سمة أساسية في العلاقة بين الطرفين.
خامساً: البرنامج النووي كمتغير مركزي
يُعد البرنامج النووي الإيراني المتغير الأكثر تأثيراً في مسار التصعيد والتهدئة. ففي حين تنظر إليه الولايات المتحدة بوصفه تهديداً استراتيجياً، تعتبره إيران أداة سيادية وضمانة للأمن القومي. ومن هنا، أصبح الملف النووي مجالاً للتفاوض والصراع في آن واحد، حيث تتداخل فيه الأبعاد التقنية والسياسية والاستراتيجية.
سادسا :حرب الأيام الاثني عشر في سياق التصعيد الأميركي–الإيراني
تمثل ما يُعرف في الأدبيات السياسية بـ “حرب الأيام الاثني عشر” محطة دالة في مسار التصعيد غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، إذ عكست هذه المواجهة المحدودة نموذجاً تطبيقياً لإدارة الصراع ضمن سقوف محسوبة. فعلى الرغم من قصر مدتها الزمنية، إلا أنها كشفت عن أنماط تفاعل استراتيجية تتجاوز البعد العسكري المباشر، وتمتد إلى مستويات الردع والرسائل السياسية المتبادلة.
وتندرج حرب الأيام الاثني عشر ضمن إطار الصراعات الرمادية (Grey Zone Conflicts)، حيث لم تُعلن بوصفها حرباً تقليدية، ولم تشهد اشتباكاً مباشراً واسع النطاق بين القوات الأميركية والإيرانية. وبدلاً من ذلك، اعتمد الطرفان على أدوات ضغط غير مباشرة، شملت ضربات محسوبة، وتحركات عسكرية مدروسة، وحرباً إعلامية ونفسية هدفت إلى تعديل سلوك الطرف المقابل دون الوصول إلى نقطة اللاعودة.
فمن منظور نظرية الصراع غير المتكافئ، عكست هذه الحرب إدراك إيران لاختلال ميزان القوى، وسعيها إلى تعويض هذا الاختلال عبر توسيع هامش المناورة الإقليمية، واستخدام أدوات ردع بديلة عن المواجهة التقليدية المباشرة. وفي المقابل، حافظت الولايات المتحدة على تفوقها العسكري، لكنها امتنعت عن استثماره في حرب شاملة، خشية التداعيات الإقليمية والدولية.
نظرية الردع
وتؤكد تجربة حرب الأيام الاثني عشر صحة افتراضات نظرية الردع، ولا سيما ما يتعلق بـ”الردع بالإنكار” و”الردع بالعقاب”. فقد سعى كل طرف إلى إظهار قدرته على إلحاق الضرر، دون تجاوز العتبة التي قد تستدعي تصعيداً واسعاً. وعليه، يمكن النظر إلى هذه الحرب بوصفها مثالاً عملياً على الردع الديناميكي، الذي يتغير وفق السياق السياسي والعسكري.
لقد أعادت هذه المواجهة المحدودة تسليط الضوء على البرنامج النووي الإيراني بوصفه متغيراً مركزياً في معادلة التصعيد والتهدئة. إذ أظهرت أن أي تصعيد عسكري—even وإن كان محدوداً—يرتبط عضوياً بالملف النووي، سواء بوصفه ورقة ضغط أميركية أو أداة تفاوض إيرانية في سياق أوسع.
فضمن الإطار الواقعي البنيوي، يمكن تفسير حرب الأيام الاثني عشر بوصفها محاولة متبادلة لإعادة ضبط ميزان الردع دون كسر استقراره. أما من منظور البنائية، فهي تعكس استمرار أنماط الشك والعداء المتراكم، التي تحول دون بناء ثقة استراتيجية مستدامة بين الطرفين.
وهكذا تؤكد حرب الأيام الاثني عشر أن الصراع الأميركي–الإيراني لم يعد محكوماً بمنطق الحرب والسلام التقليديين، بل بات يدار ضمن مساحات رمادية، حيث يُستخدم التصعيد المحدود كأداة تفاوض غير معلنة. كما تُظهر أن إدارة الأزمة، لا حلّها، ما تزال السمة الغالبة في العلاقة بين الطرفين، في ظل توازن ردع هش وقابل للاهتزاز.
خاتمة
تكشف التجربة الإيرانية مع التصعيد الأميركي عن نموذج معقد لإدارة الصراع في بيئة دولية متعددة المستويات. فمن جهة، لم تؤدِ سياسات الضغط الأقصى إلى إحداث تغيير جوهري في السلوك الإيراني، ومن جهة أخرى، نجحت إيران في تجنب الحرب الشاملة مع الحفاظ على مستوى معين من الردع.
وعليه، يمكن القول إن العلاقة بين الطرفين ما تزال محكومة بمنطق إدارة الأزمة أكثر من حلّها، في ظل غياب تسوية شاملة تعالج جذور الصراع وتعيد صياغة التوازنات.
□ باحث استراتيجي مختص بالامن السيبراني