الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الكاتب والروائي بولص ادم في حديث  عن الثقافة والادب: نصوصي لا تخضع لمعايير تجنيس تقليدية

بواسطة azzaman

الكاتب والروائي بولص ادم في حديث  عن الثقافة والادبنصوصي لا تخضع لمعايير تجنيس تقليدية

حاوره - سامر الياس سعيد

 

يمثل الحوار مع شخصية مميزة في عالم الرواية كالاديب والكاتب بولص ادم  ذروة الافصاح عما يعتري الادب لاسيما باجناسه الابداعية التي تدعو للابتكار اذ يدعوك الكاتب في جلسته الحوارية لاكتشافات اخرى كقاري ومتابع فيحمل لك شعلة الضوء ليقودك الى اعماق اخرى في البحث عن الحقيقة وتستطيع ان تعيد قراءتك لسطوررواياته  لتحمل ايضا هاجس اخر تخفيه تلك السطور عنك وتبحث عنه بكل جهد ممتع فتنكشف امامك اجناس مبتكرة  تصدى لها الكاتب بولص ادم ليكشف عنها النقاب في رحلة الادب  التي لاتكتفي  بكونها اخذت من جهده الكثير لكنها ايضا تنتمي لجهوده المضنية كرحلته مع حجر الحلان الموصلي وتلامسه معه كاثر اشوري يعتز بالانتماء لحضارته الموغلة في القدم . انصت لاجوبة الكاتب  فتاخذني اجوائه المترعة بالموسيقى وطقوسه المستوحاة من استقراره بمدينة حالمة  ترفع شعار الثقافة لتصافح يد الصناعة هنالك في مدينة تستقر في وسط القارة العجوز .. ادعوكم لمرافقة صديقي بولص ادم وجولته بين رائحة الكتب وثنايا قريته ديري الغارقة بلمسات  الطبيعة الربانية  والعديد من القضايا التي تشغل بال الكتاب في حوار هاكم تفاصيله :

امثلة متوقعة

لنبدأ من روايتك  الاخيرة (تسجيلات يوناذم هرمز ) هل لاقترانها  بالسيرة الذاتية  والمذكرات  يربك ارتباطها  بجنس  الرواية  مثلما  ترضخ المذكرات  لمعايير محددة  قد تختلف عما هو محدد بجنس الرواية ؟

  -أشكرك على طرح السؤال بهذه الصيغة، وهو من الأسئلة المتوقعة والملامسة لظروف تبني فكرة النص، والقرار الذي اتخذته بكتابة رواية شاملة ملحمية في نص بانورامي طموح، غايته الابتكار والتجديد والمختلف عن كل ما هو قبله، يجمع في تركيبته السردية، كل شيء أسلوبي متوقع وغير متوقع، فأنت حصلت على سيرة يوناذم من خلال شخصية يوناذم النصية الروائية، وهكذا تهيأ لي كسارد لأن أسمح للشخصية الرئيسة، أن أمنحها صوتي وأجعلها ترتقي من الشفاهي الشعبي الأصلي إلى الأدبي الصافي، دون التضحية بعفويته ورغبته في حفظ وتدوين ما عرفه وسمعه عن قريتنا وعائلته وعن حياته وتحولاتها، هي رحلة عبر الزمن والاكتشاف ومُساءلة التاريخ الذي لا يقول كل شيء، بل ينتقي فقط! لدينا في النص عشرات القصص والمباحث والفواصل التاريخية التي تهم شعبنا، لدينا في الرواية، عالم قرية تاريخية ومدن عراقية وشرقية وأخرى غربية أميركية، في نسيج من الروي متعدد الأصوات، وحبكة رئيسية وحبكات ثانوية، وعقد وحلول ونهايات مختلفة، وليس سيرة شخص بعينه مكتوبة بأدوات مكشوفة نعثر عليها في العشرات من السير المعروفة، لو كانت سيرة للآخر، لاكتفى كاتبها بخمسين أو سبعين صفحة كحد أقصى وليس بمئات الصفحات.. أحيي يوناذم على وعيه وقيامه بتسجيلات صوتية قبل سنوات طويلة وإصراره على أن يتم توظيفها في كتاب يوماً ما، وهكذا جاءت إلي كي أضيفها إلى مخزوني وأعيد صياغة كل شيء لتتحول الى النص الذي تفضلتم بقراءته. شكراً لك للبدء من النتائج النهائية لمغامرتي الابداعية والمنجز الفعلي المتحقق في روايتي الأخيرة الخارجة من رحم النسيان بما يتعلق بقريتنا ديري، بل ان الرواية ولدتها ديري وهي أُم ترملت.. وهي في مرحلتي هذه من مشروعي الواقعية الوحشية، تتغذى كحقيقة وخيال من تدفق الحساسية الجديدة واستيلاد المُختلف نصياً في كل نص لي ومنذ قصة (جنود في العتمة 1980) وحتى الرواية المذكورة، لم يعد في نصوصي ما يخضع لمعايير تجنيس تقليدية. ومعايير مسبقة ويؤكد التنظير الأدبي المعاصر، إستحالة وضع معايير قياسية في مسألة التجنيس والنوع الأدبي، صارت الرواية المعاصرة، كيساً تجمع فيه كُل ممكنات الوسائط التعبيرية الابداعية. بل هناك قراءات مختلفة للنصوص التي تستحق الدرس بالتأسيس على الواقع القيمي المبثوث في النص ومن خلال رؤية المؤلف، وأنا كاتب رؤى، ولست كاتب ناقل للأخبار، بنية الأيصال الطبيعي فقط، وديري قريتي، هي واقع بشخوصها وحيواتها بمكانيتها وأزمانها، لكنها لم تعد صور فوتوغرافية في ألبوم طبق الأصل، محدود الأيحاء ومحاصر بمقاس معين، بل تحولت، وخاصة منذ عرفتها بالمعايشة الكاملة لعامين في الثمانينيات خلال التفجير الثاني لها وتدميرها الوحشي ثانية بمبرر واهي، الى كون سردي، وكتبت عنها رواية في سجن أبو غريب بعنوان (أقواس في حفرة) ، الحفرة الواسعة العميقة  أمام الدير مباشرة، خلفتها قنبلة أسقطتها طائرة في أيلول عام 1961، الأقواس هي شفرة سيميائية، تدل على أزمان موسمية سابقة ولاحقة. الرواية تلك، أخرجها من السجن أخي الفنان الراحل لوثر إيشو، وكانت بأسلوبية سبقت زمانها في الرواية العراقية على الأقل، واعتمدت على استنطاق جماد هو بقايا قنبلة كصوت سارد من ضمن أصوات ساردة مكملة أخرى! هذا ليس واقعياً ولا سيرياً بل مكتوب بتقنيات ما بعد الحداثة وسردها يجترح الواقع ويرفعه إلى مصاف فني أدبي وهو مستوى تعبيري رؤيوي لقول شيء ما، نعم كتبتها عام 1989 في زنزانة وكانت لتكون ريادية من صنفها وسابقة نادرة لم يعرف الروي الشرقي مثيل لها، ولكن المخطوطة فُقدت وأنا في الغربة منتصف التسعينيات، لن أسهب في الحديث عن هذا الجانب وعن آخر رواياتي لكي لا تفقد قيمتها وأتركها لتناولها القرائي المتعدد في ملحمة تنطلق من القرية الى العالم،  بما هو متوقع في وصف كل جزئياتها وغير متوقع بالغرابة وكم الخيال فيها، والسيرة هي رافد واحد من روافد عديدة غذت دراما النص. كتبتها بصدق واخلاص وبنزاهة تليق بها وبشخوصها وأحداثها وبأمانة تامة، فبعد عمر طويل برفقة القلم وتراكم الخبرة، من الطبيعي وبتواضع أن أكون أميناً في خطابي الروائي.   

 □ تتخذ الرواية المذكورة من قرية (ديري) مركزا  لأغلب الاحداث  فما الذي بقي  من تلك القرية في اعماق بولص ادم  لاسيما وهي من رواسب البيئة  الاولى  وهل لطبيعتها  اثر في الكثير مما تنتجه فصول الادب ؟

- ربما أعود اليها ثانية بكون روائي آخر بعد سنوات، لا أعلم! هذا يدل على استقرارها المُزمن في أعماقي، من بين مدونات الذاكرة والضمير المخزون، لا أنسى أن أخي الأكبر مني خنانيا الذي توفي في الكهف الكبير المطل عليها مباشرة بعد أن دمرها القصف الجوي في أيلول عام 1961، في ليلتها الدامية تلك، توفي كنتيجة للقصف، البيت الذي ولد فيه في القرية مازال خرابة مهجورة، ربما ولدت من بعده لأروي قصته وأكتب سفر القرية وخلودها القيمي قبل أي شئ آخر، وما أنا وهو ويوناذم هرمز الشخصية الرئيسة سوى أولادها التاريخيين وكلانا أنا ويوناذم نعرف الكثير من أسرارها. ويوناذم كسيرة، تحول الى شخصية نصية في الرواية، لذلك هي رواية وسيرة بنفس الوقت. وهي سيرة عشرات الشخصيات وعشرات القصص، بعض منها مُستقات من تسجيلات بصوته في كاسيتات، والبعض الآخر من شعب القرية ومجتمعها ومازال عدد منهم على قيد الحياة. لذلك قررت كتابتها كرواية وهذا ما حصل فعلا، مع الأخذ بنظر الاعتبار، إن الرواية في أعماقي لا تعرف السكون وتتحدى أي خاتمة، لا تريد الموت، بل أن تعيش أطول فترة ممكنة.

تتخذ الواقعية اسلوبا محددا من خلال ما تنتجه  لاسيما من  رواية باصات ابو غريب  وحتى الرواية الاخيرة  فكم من الخيال تستعين به لتكثيف السرد وتهيئته لاذهان القاريء ؟

-كروائي، أشتغل على منطقة بين التوثيق والتخييل.. أخذ اليتيم هرمز والد يوناذم طفلاً إلى دير الآباء الدومنيكان ومدرسته في قرية مار ياقو مثلاً، هو واقع، لكن ما يحصل هناك والطريق إليه، هو تخييل للواقع، وعند عودته بعد الهجوم على الدير، كله تخييل لما هو موثق وواقعي. مثل آخر، شخصية خوشابا د مجلس، هو ابن القرية الذي سمعت عنه وتحدث عنه يوناذم في تسجيلاته أيضا،ً لكن المعلومات عنه قليلة، هنا لعبت مخيلتي دورها في رسم الشخصية ومنحها مدى أوسع، لفتح امكانيات البوح السردي بكل حمولاته ونسجه في عالم القرية ومصائر من عاش فيها أو من رحل.. عودة كينا الى القرية مع صندوق سحري وسنطور من شيكاغو هو حقيقة لكنني خصصت له عدة صفحات لعب المتخيل دوره الروائي هنا وهكذا.. لذلك هناك مشتركات وافتراق مع وعن أدب السيرة بمعناه الدارج، الذي تقاطعت معه أحياناً وافترقت أحياناً أخرى، فهمي الأول كان تمزيق الستارة التي حجبت ما لم يقله التاريخ كاملاً، بل هاجمته وهشمت الكلائشي منه والمكتوب بطريقة مُريبة. لن أبوح بكل شئ وأترك كل شيء للقارئ غير العابر، بل للقارئ الفعال الحريص على ثقافتنا، ولكنني وللضرورة أكشف جوانب معينة من صنعتي الروائية، لتسليط الضوء وتسهيل مهمة المتلقي، لكي يجيب على أسئلته هو، أسئلتي في الرواية مدونة، لكن أسئلته مُستقاة والمنبع واحد ونقطة الانطلاق واحدة، ليس أكثر من نص الرواية نفسه، هو من يتولى اكتشاف الأشياء اعتمادا على وعيه وذائقته وتصوراته وهو ما أحترمه. مع عدم إغفال عدم لقائي شخصياً بيوناذم ولا عشت في شيكاغو ولم أقم بزيارتها إلى حد الآن. وهذا ينطبق على روايتي التي سبقتها والمعنونة (نينا تُغنّي بياف) لم ألتق نينا ديلون، ولا باقي الشخصيات، بل إن خوشو وهو واحد من شخصيات الرواية المهمة، ليس مولودا على الأطلاق، هو من تأليفي! ولم اقم بزيارة موسكو ويريفان ومرسيليا مثلا قبل كتابة الرواية، إلا أن أحد القراء الأعزاء، عبر عن إعجابه بالمدن التي زرتها وكتبت أحداث الرواية من خلالها، وعندما أخبرته بأنني لم أكن يوماً ما هناك، أجاب بأنه شيء لا يصدق! المهمة شاقة وصعبة طبعاً في مرحلة التحضير، خاصة ونحن نتحدث عن أكثر من قرن كزمن رياضي طبيعي تدور الرواية عبره، لكن الزمن النفسي والعقلاني أكبر من ذلك وأطول بكثير، هكذا أكتب وأتحدى المادة ونفسي، آمل أنني فعلت شيئاً وأنجزته بمستوى قناعتي به

الطبقة المتوسطة

لنترك الرواية ونتجه لتاثير  العائلة  فانتمائك لعائلة فيها فنان وتشكيلي  هل اسهما ببلورة ذائقتك الفنية  وحددا لك مسارك الابداعي والادبي؟

-لحسن الحظ أننا ولدنا في عائلة شجعتنا ووفرت لنا فرصة الابداع، كان أبي بخلاف الآباء من أقاربنا الداعم المعنوي الرئيسي لنا، كُنا من الطبقة المتوسطة وأحياناً من الفقيرة، مع ذلك عمل المستحيل لدعمنا، وأُمنا رغم انها أُمية، لكنها هي من كان يغسل فرش الرسم، وتوفر للوثر إيشو مكاناً للرسم، بل كانت تتدخل أحياناً بعفوية فيما يرسم، وعندما كنتُ طفلاً يذهب إلى دورة تعلم العزف على آلة الكمان، رافقتني ذات مرة حتى بوابة المكان وانتظرتني على عتبته حتى خرجت، وقالت لي، هيا أسمعني ما تعلمت! وكنتُ في الخامسة، عندما كان دارنا من دور موظفي السكك في محطة أربيل، أقص فريم من شريط سينمائي، وأحشره في ثقب بباب المخزن، ثم أسلط عليه حزمة ضوء تعكسها مرآة، فتنشأ صورة من الفيلم على الجدار داخل المخزن، كانت جدتي، تفتح الباب وتستغرب، فتقول لهم، سَيَجُن بولص يا إيشو، تعال وخلص ابنك من الترهات! يضحك أبي ويقول، اتركيه بما هو مُنشغل فيه، هو يفكر لا أكثر! هكذا تخمرنا قبل أن تخبزنا تجارب الحياة والقراءة، أرغفة إبداعية.

 □ تقيم في النمسا منذ فترة  هل اسهم  الفن الذي تمتاز به حواضر المدينة  بتمتين ذائقتك الفنية لاسيما اشتغالاتك المعمارية عندما كنت في الوطن ؟

 - مدينة لينتز النمساوية، حيث قضيت نصف عمري فيها، ترفع شعار (مدينة الثقافة والصناعة)، الثقافة فيها مستقلة وحرة، وتعتمد على الموارد الأهلية أكثر منها على الحكومية، أو بالتعاون بينهما مثل فعاليات لينتز كعاصمة للثقافة الأوربية، للبنوك دور كبير في تمويل كل الفعاليات الثقافية، لقد درست في جامعاتها وفترتي الأكاديمية تلك، كانت غنية جداً. عندما وصلت هنا، كنت مثل الأعمى، نظراً لفقر وقساوة ما عشته في بلدي، كانت الكتب والمصادر والموسوعات، أغلبها قديم وبدون عصرنة ومواكبة لآخر ما ينتج ويستجد في العالم، هنا فتحت عيني وعقلي وروحي لأنهل ما أمكن من المعرفة والتذوق والحياة بشكل عام. شيء مهم ينبغي ذكره، أن معرفتك بلغة أجنبية يفتح لك فرصة اطلاع وتفاعل أكبر، طبعاً.

تجربتي في معامل الحلان في الموصل، أعادتنا إلى حرفة النحت الآشوري الشهير الذي عُرفت به نينوى. تجربة، حفرت أثرها حفراً في مداركي الفنية، نعم، كان هماً ابداعياً له مدى معماري في تكوينه، مادته الحجر، فترة رغم صعوباتها وتعبها وغبرتها، كانت مُمتعة وأنتجنا ما لا تنساه الذاكرة، عند دراستي للفن وتاريخه وعلومه هنا في النمسا ثانية، تعلمت على يد معماريين أساتذة كبار على مدى سمسترين، وكان سمنار أفلام السينما عن العمارة، تجربة كبيرة وفرصة نادرة توفرت لي.

وفي سؤال ذا صلة بالنمسا ايضا كيف تقيم مشهد الادب هنا بما يتعلق بأبناء شعبنا  وهل هنالك روابط واندية ثقافية ربما تستمد الحنين لابراز الكتابة باللغة الام وتلم شمل العاملين في المجال الادبي والثقافي على غرار ما موجود ببلاد المهجر ولاسيما استراليا ؟

-المكتبات في مدينتي الحالية في النمسا هي بيتي الثاني، أقضي فيها مع الكتب أوقاتاً مُنتظمة، أقرأ بنهم، وحتى بعد مرور سنوات على دراستي الجامعية هنا للفن والفلسفة، فزيارة مكتبتها الغنية لم تنقطع. خاصة وانني اشتركت قبل خمسة عشر عاماَ في إنقاذ كتب ومخطوطات تعود إلى مئات السنين الغابرة، في مخزن تحت أرضي خاص بها. نتيجة للرطوبة، غزا العفن الورق القديم والأغلفة الجلدية الثخينة.. الحياة الثقافية في مدينتي ثرية جداً، محاضرات ومعارض، وعروض درامية وسينمائية والخ. مع برامج سنوية لكل الأعمار والاهتمامات.

  أما بخصوص الجهود المبذولة حول لغتنا الأم وبدون ذكر للأسماء والجهات والأكاديميات الخاصة.

 فكل من يتولى مطبوعاتها ومدارسها وبرامجها الرقمية، يستحق منا كُل الاحترام والتقدير. وفي تواصلي مع الزملاء من مثقفي شعبنا، نؤكد على هذا الجانب.. نقول ثانية، نبقى على قيد الحياة بلغتنا، فهي بيتنا وصيرورتنا ومكون هام من هويتنا المشرقية الرافدينية. اعتقد جازماً، أن الثقافة في الوطن وعلى أرض الأجداد هي الأصل والأساس، رغم انها تحاول الصمود بشتى السبل، مع احترامي لكل الجهود المبذولة في خارج الوطن، هي تسعى من جانبها على الحفاظ والاستمرارية خلال قساوة شتات واسع، همهم مقاومة الانصهار والزوال.

تحدث لنا عن يوم بولص آدم  وبالتحديد هل لديك طقوس محددة  في مجال الكتابة او في متابعة الشان الادبي  خصوصا وان لديك مقالات تلخص الشان الادبي وتبرز متابعة دؤوبة في محور الادب والرواية ؟

  -صادف وأن كان لي عادات خاصة بكل مشروع من مشاريعي الأدبية. لكنني أسمع الموسيقى الكلاسيكية غالباً مع الكتابة، أكتب قبالة النافذة المطلة على الحديقة.. أتمشى جيئة وذهاباً وأحدث نفسي بصوت عالٍ وأقرأ ما كتبت قبل قليل. كنت أكتب بعد منتصف الليل وحتى طلوع النهار، لكنني مع الروايتين قضيت ساعات طوال كل يوم دون توقف، وحتى ساعة الاجهاد. أترك كل شيء وأخرج للتمشي ساعة، ثم أعود لأكمل، أتذكر انني كتبت لمدة عشرين ساعة من يوم واحد فقط ذات مرة. أترك المخطوط فجأة عند مرحلة معينة عدة أيام للتأمل، ثم أعود لُأكمل وهكذا، وإن لم أحصل على حلول وبدائل أطمح إليها، قد أرمي كل شيء في الزبالة، فعلتها ذات مرة مع رواية لم تأت نهايتها كما أردت! أنا جزار رواياتي عندما لا أرضى عما أكتب! حتى الأخيرة، أردت حذفها بعد فصول منها، ثم عدلت، عندما ألهمني القرنفل برائحته، صدقني! كم هو شاق وممتع بنفس الوقت عالم الكتابة؟ عملت طباخاً من أجل المعيشة ولم أتفرغ للكتابة إلا مع الرواية الأخيرة، وبالمناسبة هناك علاقة بين الطبخ والكتابة، يعرفها جيداً من مارسهما معاَ فقط. وأخيراً، أعطني عدة ألتار من القهوة، أعطيك رواية!

*ومن خلال متابعتك  هل لمست تحركا  في عجلة الادب  بما يتعلق بالوطن ماهو تقييمك لعمل مؤسسات واتحادات شعبنا  وهل لديك افكار  في تحديد مسارتها للارتقاء بالعمل الادبي  والابداعي بشكل عام ؟

  -بشكل عام، لا استثمار فعال في المشاريع الثقافية في العراق وإن وجدت فهي إما مُسيسة أو مزاجية وعشوائية، مثلاً، نسمع دوماً بأن هناك أزمات وتأجيلات وإلغاءات بأعذار شتى، وفجأة تُصرف الملايين على نشاط بعينه لا يترك أثراً ولا يُلهم أحداً، يضمحل ويُنسى، هناك فساد عام يعاني منه البلد متعشق مع كل الظروف الصعبة. لم نحصل كشعب على فرصتنا المناسبة إلى حد الآن! دوماً، كان هناك حواجز وعوائق وخيبات وعوامل إحباط.. من السخف حقاً، ألا نعترف ونقدر كل الجهود والثمرات ونحن نعرف انها ولدت بمخاضات عسيرة. يدي على قلبي بعد مأساة 2014 خاصة، أنتم عشتم دمارها وعشتم النكبة والتهديد المميت بعيون مفتوحة وقلوب جريحة والتشتت والشتات والهجرات الداخلية والخارجية، والمجهول يقض المضاجع والوطن بلا استقرار. رغم ذلك هناك أمل، لن أقول فلان كفرد أو كيان ثقافي فعل هذا أو لم يفعل ذياك، فلان نجح أم فشل، لا، أحلم بثمار الأبداع وأطمح أن أسمع وأقرأ عن ذلك، ليس لي شخصياً، فأنا يكفيني القلم والاستمرارية وقانع بما أُنجز مهما كانت قيمته وتقييمه، لكن لكم أجمعين كشعب أصيل في عراق نأسف كل لحظة يعاني فيها وإلى متى؟ أين كُنا وأين نحنُ الآن، وإلى أين المسير؟ من حق من هو على رأس أي مجموعة ثقافية، كأن يكون اتحاد أو رابطة، جمعية أو مديرية. أن يطبع مسيرة ما هو مسؤول عنه بطابعه، لكن الرهان على كفاءته وعلاقاته العامة فقط، لا يكفي، يجب أن يكون هناك برنامج دوري مدعوم مالياً وإعلامياً ولوجستياً وعدم اقتصار ذلك على الفعاليات المناسباتية فقط! نحن بحاجة إلى فرقة مسرحية، وهيئة إنتاج سينمائية ودار نشر ومركز توثيق وكلية لُغة ووو الكتابة ثم الكتابة، فكل فرد من أبناء شعبنا له قصة، والحياة تكتب أجمل القصص..  ومن أحلامي لكم، جائزة أدبية كأن تكون جائزة أنخيدونا.. ونحن بحاجة إلى تشجيع القراءة فهي في تراجع خطير!

*كنت قد اصدرت مجموعة باصات ابو غريب عن دار نينوى للنشر ثم ما لبثت ان تعاملت في روايتيك الاخريتين مع دار الان  هل تعتقد بوجوب  الحاجة لدار نشر عابرة للقارات خاصة بابناء شعبنا  تلم ذلك الشتات المهجري وترسخ للاعمال الادبية  لاسيما تلك التي تحمل محطات من تاريخ هذا المكون ؟

 - كتبي صدرت في مصر، والعراق، وسوريا والأردن. بالتأكيد، فكرة دار نشر خاصة بمؤلفي شعبنا هي فكرة ممتازة وحلم من الأحلام وهي كثيرة، لا يخفى علينا جميعاً، كون النشر والتعامل مع دور النشر العربية فيه مشاكل كثيرة والكاتب ليس له أي حقوق، وحتى إيصال نسخ المؤلف المُتفق عليها يتم بشكل غير سلس. تخيل إن شحنة روايتي الأخيرتين لم تصلني، لقد فُقدت في الطريق! لم أحصل على نسخ ورقية من الروايتين مع أن الطبع والشحن مكلفان. وبعد كورونا، قامت دور النشر بمضاعفة مطالبها المادية!

*ما الذي يشغل بالك في الادب وما هي الفكرة التي تحاول التقاطها للشروع بعمل ادبي يسهم برفد المكتبة بمنجز اخر من اسهاماتك الادبية؟

  - لم يعد لدي رغبة في كتابة المقالات، منصرف تماماً إلى البحث والقراءة والشؤون الخاصة بالحياة العائلية، متواصل في متابعة دؤوبة لكل ما هو مفيد لغرض التأليف، بعد إنجاز الرواية الأخيرة، احسست بتعب وارهاق شديد، وطرحتني كتبي الثلاث الأخيرة وعلى مدى سنين خمس، مريضاً، طريح الفراش، ثم تعافيت بقراءة ثلاثين كتاباً.. ثمة مخطوطتين لكتابين مؤجلين أنشغل بهما أحياناً، ثمة أيضاً، غيمة صغيرة تجول في رأسي، تكوينها الأولي الآن، لا أكثر من فكرة تراوغني وأراوغها، هي بذرة من عنوان وصورة واحدة فقط. ربما تندلع شرارة الولع التام وأبدأ بنقطة الانطلاق مع الجملة الأولى، متى؟ لا أعلم..

 


مشاهدات 65
أضيف 2026/01/16 - 11:37 PM
آخر تحديث 2026/01/17 - 10:46 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 337 الشهر 12485 الكلي 13119908
الوقت الآن
السبت 2026/1/17 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير