سجن الكاظم درءاً لثورية الحسين
منير حداد
كرم الله آل البيت من الأئمة المعصومين، بالشهادة، حتى كاد الولاء لهم أن يعد فريضة سادسة، بعد الشهادتين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والحج.
أفواج الزوار المتدفقة على ضريح الأمام موسى بن جعفر الكاظم، من داخل وخارج العراق، إحياءً لذكرى إستشهاده، في 25 رجب 183 هجرية الموافق لـ 12 آب ميلادية عن 54 عاماً في بغداد، إبان الخلافة العباسية، محاولة لتأكيد الإتعاظ بمبدئيته التي قاومت الظلم ولم تهادن الظالمين، والسير على نهج سراط جده الحسين.. عليهما السلام.
خلافة اموية
فالإمام الكاظم.. عليه السلام، ولد في 7 صفر 128 هجرية، المصادف لـ 8 تشرين الثاني 745 ميلادية، في الحجاز، إبان الخلافة الأموية، فرضت عليه الدولة آنذاك أن يرزح خلف قضبان دهاليز السجون؛ تنكيلاً بهدي جده رسول الله.. محمد صلى الله عليه وآله، ودرءاً لثورية الحسين.. عليه السلام، تلك الروح النابضة بالحق في مقاومة الباطل.
لا تذكر أمهات التوثيق التاريخي، من مصادر المجلدات، فعلاً محدداً بدر من الإمام الكاظم.. عليه السلام، ضد شخص الخليفة هرون الرشيد، أو مخالفة بحق الدولة العباسية، أو... الخروج على قوانينها، لكنه عاش رهين الحبس؛ كي يأمن عرش الخلافة على تماسك ألواح خشبه المطلية بالذهب والمزينة بالماس وأحجار زخرف الدنيا الزائلة؛ لما للمعصوم من أثر فاعل في الناس، فإن قال أسقطوا الخلافة تسقط أو حث على الجهاد جاهدوا؛ لذلك عزله هرون الرشيد عن أتباعه من المؤمنين؛ كي لا يؤرق هدوء نزواته الجياشة في أحضان الغواني الحسان والـ... غلمان!
هل رأى العالم أحط من إماتة حي؛ كي لايؤشر الباطل باطلاً، ويدعو الى الحق حقاً.
زهد بالمناصب وقصورها الفارهة ومغريات النساء والطعام والشراب، المشهودة أمام عينيه؛ ثقة منه بالله وما جاء به الإسلام... يمكنه، حاشى لله، لو شاء التمتع بحرامها دون الحلال بمرضاة الله؛ لعاش رغداً يغدقه عليه الخليفة الرشيد؛ مكتفياً بتلويث أهم مصدات الشيطان في الدولة العباسية الوالغة في النجاسة مثل خطم خنزير في جيفة آسنة.
دنيا فانية
إلا أن الكاظم بإيمانه المعصوم من أي ما زلل؛ تواصل مع الجنة في السجن.. حوريات وسط جنائن وخضرة وماء وسلسبيل صافي الزلال؛ فلم تغره الجارية الـ... فائقة الجمال دنيوياً، عن حوريات الجنة اللواتي حضرن موسى الكاظم في الدنيا، وما أن رأتهن في عينيه؛ حتى عادت الى هرون الذي أرسلها لإغراء الكاظم بشهوات الدنيا، وقد أغراها الإمام.. عليه السلام، بحرمة الآخرة وعظمة ما لاح لها في عينيه الكريمتين من فراديس الجنان، يعيش خلود الآخرة، وهو ما يزال على قيد الدنيا الفانية.
من يتطلع الى فضاءات الأبدية التي إختارها موسى الكاظم؛ يتحقق له ما تحقق لقدوته المثلى، شهيد بغداد وحارس بوابة الإيمان فيها، من العهد العباسي الذي قتله شهيداً، الى أبد الدهر الذي يخلد الشهادة في عظمة تاسع الأئمة المعصومين.. موسى بن جعفر.. كاظم الغيظ الذي لا شبيه لصبره على البلوى سوى أسلافه من آل بيت النبوة والأبناء والأحفاد من نسله، قدوة أفواج المعزين الآن، في زمننا الحالي، فهو إنموذجهم المثال في التقوى وثبات الموقف ضد الطغاة، بمواجهة الباطل والحرام حيث ما ذر الفساد قرنه، شيطاناً آثماً.