حين تخطئ التوقّعات.. قراءة في مظاهرات إيران وأمريكا خارج وهم الإنهيار
نهاد الزركاني
منذ اندلاع المظاهرات الأخيرة في إيران، عاد الخطاب ذاته إلى الواجهة:
تحليلات سريعة، عناوين صاخبة، ونبوءات جاهزة عن ((انهيار وشيك)) للنظام.
والمفارقة أن هذا الخطاب ليس جديدًا، بل يتكرر حرفيًا منذ أكثر من ثلاثة عقود،،،،، وكأن الزمن السياسي في أذهان بعض المحللين قد توقّف.
جزء كبير من هذه القراءات [ سواء صدرت عن محللين عرب أم أجانب ] لا ينتمي في حقيقته إلى التحليل السياسي، بل إلى الإسقاط الأيديولوجي......
تحليلات محكومة بالتعصب الديني أو القومي، وبعضها لا يخفي كونه (مدفوع الثمن) يؤدي وظيفة المرتزق الإعلامي أكثر مما يؤدي دور الباحث.
ولهذا، فإنها تنتج أوهامًا أكثر مما تنتج فهمًا، وتبيع للجمهور خيالات لا علاقة لها بتوازنات الواقع.القول إن إيران (على وشك السقوط) هو مثال صارخ على هذا التبسيط المخلّ.
فهذا التصور لا يقرأ الدولة بوصفها بنية مركّبة، بل يتعامل معها كأنها نظام هشّ قائم على القمع وحده، ينتظر أول هبّة شارع لينهار.
قفز تحليلي
والواقع أن هذا الخطاب نفسه قيل عام 1999، ثم 2009، ثم 2017، ثم 2019…
وفي كل مرة، كان الشارع يغلي، لكن الدولة لم تسقط.
لا يعني ذلك إنكار وجود أزمة أو احتجاج، بل يعني رفض القفز التحليلي من مظاهرة إلى إعلان سقوط النظام.
نعم، يمكن الحديث عن ضغوط سياسية، وعن احتمال إضعاف حكومة بازشكيان، وهذا احتمال طبيعي في أي نظام سياسي حي.
لكن تعميم هذا الاحتمال على بنية النظام ككل، هو خلط بين الحكومة والدولة، وبين الأداء السياسي والشرعية البنيوية.
بل إن التجربة الأخيرة، خصوصًا ما أعقب حرب الأيام الاثني عشر، تشير إلى عكس ما يروّج له الخطاب السائد.
فالجمهورية إيرانية الاسلامية خرجة من تلك المواجهة أكثر صلابة، بعد أن راكم خبرة أمنية وتنظيمية، وعزّز من تماسك مؤسساته، ووسّع من قدرته على الضبط والسيطرة.
وهنا نصل إلى النقطة التي يتعمّد كثير من المحللين تجاهلها:
الدولة لا تُقاس فقط بحجم الشارع المعارض، بل بقدرتها على الحشد المقابل.
فإيران، لو أرادت، قادرة على إنزال الملايين إلى الشارع من أنصارها، من الإصلاحيين والمحافظين على حدّ سواء، مع تفوق عددي واضح للتيار المحافظ.
والسؤال الذي يُهرب منه الخطاب الإعلامي هو:
من الأحق بتمثيل إيران؟
شارع محدود تُضخَّم صورته إعلاميًا؟
أم قاعدة اجتماعية واسعة، تسيطر الدولة عبرها على المؤسسات، وتفرض الأمن والرقابة، حتى في ظل تظاهرات أنصارها أنفسهم؟
في المقابل، إذا انتقلنا إلى الولايات المتحدة، نرى مفارقة لافتة.
مظاهرات واسعة، شلل مدن، اقتحام مؤسسات، واستدعاء الحرس الوطني…
ومع ذلك، لا يتحدث أحد عن ((انهيار النظام الأمريكي))
بل يُعاد توصيف المشهد باعتباره تعبيرًا ديمقراطيًا، مهما بلغت حدّته.
هنا تتكشّف ازدواجية المعايير بأوضح صورها:
ما يُسمّى احتجاجًا مشروعًا في واشنطن، يُوصَف بالفتنة في طهران!!!!!؟ .
وما يُحتفى به بوصفه حرية تعبير هنا، يُدان بوصفه تهديدًا للأمن هناك.
الخلاصة أن الجمهورية الإسلامية في ايران ليس نظامًا آيلًا للسقوط، ولا دولة تُدار بردّات الفعل.....
إنه نظام راسخ، متجذر، وممسك بمفاصل الدولة، وأي قراءة تتجاهل هذه الحقيقة، إنما تعيد إنتاج الوهم ذاته…
وهم سقوطٍ طال انتظاره في مخيلة خصومه، ولم يتحقق على أرض الواقع.