حين ينقلب الفرح إلى خوف
هدير الجبوري
لم تكن ليلة رأس السنة في العراق ليلة احتفال كما أرادها الناس، بل تحولت في أكثر من مدينة إلى كابوس مكشوف، كشف عن جرح عميق في جسد المجتمع، جرح اسمه العنف والانفلات وإنعدام الردع، وضحيته الأولى المرأة .
في كورنيش البصرة، حيث يفترض أن يكون الفضاء العام مساحة للفرح العائلي، سقطت البراءة أمام جريمة لا يمكن تبريرها أو الصمت عنها، تحرش جماعي بمجرد طفلة صغيرة . حادثة لا يمكن وصفها بأنها سلوك فردي عابر، بل فعل إجرامي صادم، يهز الضمير الإنساني قبل أن يهز الأمن.
وفي الموصل، المدينة التي دفعت ثمنا باهظا للحروب والخراب، تزامنت الليلة نفسها مع أعمال طيش واستهتار على منصة الاحتفالات، حيث قام شباب منفلتون بضرب السيارات المارة بالعودان والحجارة، مروعين العائلات، ومحولين لحظة الفرح إلى لحظة هلع، وكأن المدينة لا يحق لها أن تبتسم بعد كل ما عانته.
ولم تكن هذه الأحداث معزولة، فهناك حادث مشابه جرى مؤخرا في بغداد خلال حفل الفنان وائل جسار، حيث تعرضت احدى النساء لاعتداءات مهينة وصلت إلى حد تمزيق الملابس علنا، في مشهد صادم أعاد طرح السؤال المؤلم ذاته حول سلامة المرأة في الفضاء العام، وحول غياب الردع الحقيقي لمثل هذه الأفعال.
أمام هذه الوقائع، يفرض السؤال نفسه بقوة:
هل ما جرى مجرد فوضى عشوائية؟ أم أفعال متعمدة تهدف إلى تخريب أي مساحة فرح عامة، ودفع المرأة تحديدا إلى الانسحاب من الحياة العامة؟
ما حدث لا يمكن فصله عن أزمة أخلاقية عميقة، وانحدار خطير في منظومة القيم، حيث باتت المرأة تشعر أنها مهددة في الشارع، في الحفل، في الاحتفال، وفي أي تجمع عام. وكأن هناك من يريد إعادة وضعها في قائمة المحظورات، لا بالقانون، بل بالخوف، لا بالنصوص، بل بالعنف.
إنها صورة قاتمة لمجتمع يوشك أن يفقد ملامح التحضر، مجتمع يتراجع فيه زمن الحضارة أمام سلوك الغابة، حيث يبرر البعض الاعتداء، أو يصمت عليه، أو يحمّل الضحية الذنب.
السكوت عن هذه الجرائم يعني التطبيع معها والتهاون في محاسبة مرتكبيها يعني فتح الباب لمزيد من الانفلات. وما لم يكن هناك موقف أمني وقانوني حازم، وخطاب ثقافي واضح يجرم هذه الأفعال بلا مواربة، فإن الخوف سيصبح هو القانون غير المكتوب، وستدفع النساء والأطفال الثمن أولا.
ليلة رأس السنة لم تكن مجرد ليلة عابرة، بل إنذاراً صارخا. إنذاراً بأن المجتمع يقف على حافة خطيرة، وبأن حماية الفرح، وحماية المرأة، وحماية الطفولة، لم تعد ترفاً، بل ضرورة وجودية، إن أردنا أن نبقى مجتمعاً، لا مجرد تجمع خائفين.