الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كم عثرتٌ حتى تدرك القدم وجهتها.. الحنين إلى السوط

بواسطة azzaman

كم عثرتٌ حتى تدرك القدم وجهتها.. الحنين إلى السوط

سعد العبيدي

 

لم يكن الطغيان يوماً صاخباً كما يصور في الكتب . لقد كان في بدايته فكره صغيرة او وعداً بالخلاص ، شعاراً عن المجد ، وخطاباً عن الكرامة ، ثم كبر حتى صار وطناً داخل الوطن .

عقودٌ طويلة مرت على البلاد وهي تمشي في ظل رجل واحد ، وظله كان اطول من النخيل . واثقل من الجبال وابرد من ان يسمح لشمس ان تدخل البيوت .

في زمن تعلم الناس كيف يهمسون بدل ان يتكلموا ، وكيف يخفون الخبز ، وكيف يعٌدون ابناءهم كل صباح خشية ان يكون الليل قد ابتلع واحداً منهم .

لم يكن الجوع وحده ما انهكهم ولا الحصار وحده ما ارهقهم ولا الصراعات  التي اعلن فيها النصر من على شاشات التلفاز و اعلنت الهزيمة في انفسنا استطاعت عزلتهم فلقد كان الاحساس عميقاً بأُن الوطن اختصر في شخص واحد وان المستقبل رهن بمزاج رجل واحد ، ثم جاء اليوم الذي سقط فيه الظل ، سقط ( القائد الاوحد ) لم يسقط هذا القائد دفعة واحدة بل تفتت كما يتفتت جدار اكلته الرطوبة من داخلِ جوفهِ  عند ذاك خرج الناس الى الضوء خائفين منه ، فالحرية حين تأتي بعد سنين من الاستبداد تربك العين التي اعتادت العتمة.

تعب جماعي

وبعد عقدين و نيف من الصمت الذي كان اعلى من الصراخ بدأ البعض يهمس  ..على الاقل كان هناك نظام ..على الاقل كان هناك خوف ..وهكذا في تعب جماعي يبدأ الظل بالعودة لا بشخصه ولا بثوب جديد وبصوت واحد يعلو فوق الجميع فيقال الديمقراطية ترفٌ لا يليق بشعوب العالم الثالث .حقأ ان اخطر ما قد يحدث لوطن خرج من العتمة ، ان يحن الى السوط الذي كان يجلده والاخطر من ذلك ان يقنع الوطن نفسه بان القيد كان زينة وان القبضة كانت معصمأ وان الصمت كان استقرارأ .

ان المشكلة الحقيقية لا في ان تحكم الشعوب بعودة الانضباط ..فالانضباط فضيلة حين يكون احترامأ للقانون ، لكنه يتحول الى رعب حين يصبح طاعة عمياء ، بل في ان يصبح الانضباط مرادفأ للخوف ..والقوة مرادفأ لاسكات الجميع والوحدة مرادفأ لالغاء التعدد ، عندها لا يستبدل الوطن شخصأ باّخر بل يستبدل قيدأ بقيد وسجانٌ بسجان .فأخطر الاوطان ليست تلك التي تقمع بل التي تشتاق الى القمع ومن دون ان تعترف بذلك .

وحينَ يستبدل الوطن سجانه ، فهو لا يهرب من الفوضى ، بل يهرب من مسوؤلية بناء نظام لا يعتمد على احد .. يبحث عن يد تحسم بدلاً من موسسات تختبئ في ظل رجلٍ واحد بدلاً من قانون.

 الرجال يرحلون ..هكذا تقول المقابر والكراسي تتبدل ..هكذا تقول الأيام ..اما القوانين العادلة فتبقى والموسسات الرصينة اذا شيدت على قاعدة متينة لا على المزاج ..فأنها تصمد حين يسقط الأفراد.

ان الوطن الذي يعلق مصيره برقبة شخص يبقى معلقأ معه ,ان اشتدَ اشتد وان ضعف انسكر وان غاب تاه ,اما الوطن الذي يحكم بالقانون فلا تتغير حياته بتغير الوجوه ولا يهتز توازنه بموت احد .

ليس الامتحان ان نثور على طاغية ، فالامتحان الحقيقي هو ان لا نبحث عن

طاغية جديد بأسم اّخر , لان الوطن الذي خرج من الاذلال والتجويع والعزلة لا يحتاج منقذأ جديداً ، بل يحتاج الى ذاكرة حية.

ان السؤال الذي لا يجوز الهروب من الاجابةِ عليه هو: هل تريد وطنأ يحكمه قانون ام وطناً يحكمه رجل ؟

في الاول السلطة وظيفة , وفي الثاني قدرُ,  في الاول يحاسب القوي وفي الثاني يصفق له, في الاول الكرسي اصغر من الوطن ,وفي الثاني الوطن ظلُ للكرسي .

ليست الماسأة ان يسجننا طاغية ، فالتاريخ ملئ بالسجون .. بل ان الماساة ان نقف نحن على الباب نطرقه بايدينا ونطلب المفتاح , المأساة ان نقنع انفسنا ان القفل هذه المرّة سيكون ارحم , وان السوط سيكون اقلُ إيلاماً وان الخوف سيكون الذ .

عودة الظل

و هنا يكمن الخطر , فالخطر لا يكمن في عودةِ الظلِ ذاتهُ , بل في عودة الفكرة , فكرة ان الحل في القبضة الحديدية و ان النظام لا يتحقق إلا بصوت الرجل الاوحد و ان الوطن لا يدار إلا من قبلِ رجلٍ قوي يختصرُ جميع الرجال.

و على هذا فان المطلوبَ رجلٌ يملاء المنصبة حضوراً لا من يملأه مسؤوليةً , فليس المطلوبة اسمُ يدوي في المنابر بل ضميراً يصحو في المكاتبِ المغلقة فالاوطان لا تحتاج رجالاً يحسنون الخطابة بل رجالاً يحسنون الخوفَ من ضمائرهم .

□ قاضٍ متقاعد


مشاهدات 63
الكاتب سعد العبيدي
أضيف 2026/02/27 - 9:45 PM
آخر تحديث 2026/02/27 - 10:51 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 336 الشهر 21346 الكلي 14952989
الوقت الآن
الجمعة 2026/2/27 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير