نجاح كردستان وفضيحة الفاشلين
كفاح محمود
لا يحتاج العراقي إلى تقارير دولية كي يفهم حجم المفارقة التي يعيشها يوميًا؛ يكفي أن يقارن بين نموذجين داخل الوطن الواحد، ففي الوقت الذي نجح فيه إقليم كردستان، رغم عثراته وتحدياته، في بناء قدرٍ من الاستقرار النسبي وتطوير الخدمات وجذب الاستثمار وتقديم صورة أكثر انتظامًا للدولة، بقيت محافظات واسعة-لا سيما في الوسط والجنوب-غارقة في أزمة خدمات مزمنة وفساد مستشرٍ وتلوث خانق وبطالة متضخمة، رغم أنها أُغرقت بالموازنات على مدى سنوات طويلة، هذه المقارنة ليست دعوة للتشفي ولا لتضخيم إنجاز على حساب آخر؛ إنها تشخيصٌ مؤلم لحقيقة واحدة: المشكلة في طريقة إدارة الدولة لا في قلة المال.
الأخطر أن نجاح كردستان لم يُقرأ لدى بعض القوى بوصفه فرصة لتعميم التجربة وتبادل الخبرات، بل جرى التعامل معه كتهديد سياسي وفضيحة أخلاقية تُحرج خطاب الأغلبية وادعاء تمثيل الدولة، وهكذا تحولت الشراكة، بدل أن تكون آليةً دستورية لإدارة التنوع وتوزيع الثروة بعدالة، إلى شراكة مشروطة قابلة للعقاب: تغليق سياسي حينًا، وقطع رواتب أو تعطيل مستحقات حينًا آخر، ثم الانتقال إلى استهداف منشآت الطاقة-غازًا ونفطًا ومصافي-وكأن المطلوب ليس إصلاح العراق بل معاقبة أي نافذة نجاح فيه، الرسالة الضمنية التي يلتقطها المواطن بوضوح:
«إن لم تعيشوا مثلنا في الفوضى، سنجرّكم إليها».
هذه الذهنية، إذا استمرت، لا تهدد كردستان وحدها، بل تهدد العراق كله، لأنها تؤسس لدولة انتقام لا دولة قانون، ولدولة صفقات لا دولة مؤسسات، فحين تُدار الملفات الوطنية بمنطق الكيد السياسي، يصبح النفط سلاحًا، والرواتب ورقة ضغط، والطاقة رهينة صراعات، والمواطن هو الخاسر الدائم، ولا يمكن لأي اقتصاد أن يتنفس في ظل هذا الانفلات؛ الاستثمار لا يأتي إلى مدنٍ تحكمها السيطرات غير المنضبطة، ولا إلى بيئة تُبتز فيها الشركات باسم الهيئات والمكاتب الاقتصادية، ولا إلى دولة تتعدد فيها المراكز المسلحة وتتراجع فيها سلطة القانون.
ما الحل إذن بعد الانتخابات؟
الجواب ليس شعارًا عامًا عن الإصلاح، بل برنامج دولة واضح يبدأ من استعادة الدستور كمرجعية لا كزينة سياسية، أول خطوة هي استكمال بنية الدولة الاتحادية كما يجب أن تكون: تشكيل المجلس الاتحادي بوصفه صمام أمان للشراكة وتوازن السلطات، وتفعيل المحكمة الدستورية العليا كي لا تبقى النصوص رهينة التأويل السياسي، ولكي يصبح الخلاف بين المركز والإقليم خلافًا قانونيًا يُحسم بالمؤسسات لا بالأزمات المفتعلة، والخطوة الثانية هي مواجهة ملف (المناطق المتنازع عليها) بين الأقليم والحكومة الاتحادية بشجاعة دستورية عبر تطبيق المادة 140 كما هي، لا كما يراد لها أن تُؤجّل إلى ما لا نهاية، فتعليق هذا الملف يفتح الباب للهندسة الديموغرافية، ويُبقي الجغرافيا رهينة الصراع، ويمنح المتطرفين والميليشيات ذرائع دائمة لتوسيع نفوذهم، أما الخطوة الثالثة فهي تشريع قانون النفط والغاز بما يضع قواعد شفافة لتوزيع الصلاحيات والعوائد، ويُنهي اقتصاد النزاعات والصفقات الرمادية، لا يمكن لعراقٍ نفطي أن يستقر بلا قانون جامع يحدد الحقوق ويمنع الاستثمار السياسي في الثروة.
لكن كل ذلك سيظل نصوصًا جميلة إذا لم تُحسم معضلة السلاح، لذلك تأتي الخطوة الرابعة والأكثر حساسية: حل الفصائل والميليشيات ونزع سلاحها خارج الدولة، ومنع إعادة تدويرها داخل المؤسسات تحت أي مسمى، دولة بلا احتكار للسلاح ليست دولة، بل إدارة أزمة دائم، وفي السياق ذاته، يجب إخلاء المدن من العسكرة: الجيش لحماية الحدود والسيادة، وليس لإدارة حياة الناس، أما الأمن داخل المدن فمهمة الشرطة والأجهزة الرسمية وحدها، كذلك لا إصلاح دون إلغاء المكاتب الاقتصادية التابعة للتشكيلات المسلحة والأحزاب، لأنها بوابة الابتزاز والجباية والتهريب وتخريب السوق، وأخيرًا، يجب أن تكون السيطرات للشرطة والأمن فقط، لأن تعدد القوى على الحواجز هو إعلان صريح عن تعدد الدول داخل الدولة.
وأخيرا فان ازدهار كردستان ليس مشكلة، بل فرصة لإعادة تعريف الدولة العراقية، والمشكلة أن بعض القوى تريد تعميم الفشل بدل تعميم النجاح، وبعد الانتخابات الأخيرة، سيكون الاختبار الحقيقي بسيطًا: هل نذهب إلى دولة مؤسسات تُنصف الجميع، أم نبقى في دولة الغنائم حيث تُستهدف التجارب الناجحة لأنها تكشف عورات الفاشلين؟
العراق لا ينقصه المال، بل ينقصه قرار سيادي واحد: أن تكون الدولة هي الدولة… وما عداها خارج القانون.