نقطة ضوء
الصحافة ليست غنيمة مستباحة
محمد صاحب سلطان
صحيح إن الزمن لا ينتظر أحدآ ولا يتوقف عند واقعة، وإستمراريته تطغى على كل شئ، شئنا أم أبينا، لكن هنالك علامات فارقة في حياة كل إنسان، تجعله يتوقف عندها كل مرة، إما إستذكارا لطعمها الحلو أو المر بحسب تأثيرها فيه ،سواء أكانت عائلية خاصة أو مهنية في عمله، وهكذا هو الصحفي، دائماً يعيش مشاهد لا تخطئ العين دلالتها، مرات كثيرة يلتقي متحدثين وكأنهم وحوش مفترسة في سيرك التباري، للحصول على مكآفأة مدربهم وولي نعمتهم، الذي وفر لهم كل عوامل الظهور من أجل الحصول على الغنيمة المستباحة، ومرات يعيش احداثا تدمى لها القلوب، وتخرس عندها الألسن من هول وقعها المميت، مثل الإبادة الجماعية لشعب أعزل كما حدث ويحدث في غزة الأبية، يوم صورها المنبطحون بألسنتهم المتأتأة إلى خطأ مغتفر، سببه الضحية وليس الجلاد، تطبيقا لمفهوم إستعماري يقول (إحتلال الأرض، يبدأ من إحتلال العقل، وإحتلال العقل يبدأ من إحتلال اللغة)، ومثلما قال ميشيل كولون: لكل حرب كذبة، على وفق دبلوماسية، إكذب أولا ثم صحح بعد ذلك!، حتى أضحت لغة الكتابة عند بعض الصحفيين ممن تربوا في مدارس المال الحرام على تلك الشاكلة.. وكرد تحذيري وتعليمي لطلبة الصحافة والإعلام، وللزملاء الجدد بغية تنويرهم بخفايا المهنة، إجتهدت عبر كتاب أصدرته عام 2019بعنوان (مبادئ الكتابة الصحفية-الشكل والإسلوب)، سعيت من خلاله إلى تأصيل الجوانب النظرية والأبعاد العملية لفنون الكتابة ومبادئها وبمختلف ألوانها ومشتقاتها، ورصدت الأجواء التحريرية داخل المطبخ الصحفي، وحاولت أن أنقل جزءا من خبرة صحفية متراكمة إمتدت لإكثر من أربعة عقود، رافقها عمل نقابي مهني، وجدت فيه متسعا لخدمة المهنة الصحفية وأدواتها، من خلال تعزيز الإطار الميداني للعمل الصحفي، بتجارب ورؤى وتصورات، تفيد الأجيال الصحفية المتعاقبة، فالذي يده في الماء ليس كمن يده في النار! كما يقال، كون المهنة الإعلامية، تأتي على العاملين فيها أوقات حرجة ومواقف عصيبة ومعارك دونكيشوتية، يجبرون على التعامل معها بناء على رغبة مخططي أجندة مؤسساتهم وتوجهاتها، فهم كالقابضين على الجمر، إن أحسنوا التعامل على وفق تلك التوجهات، بقوا في مناصبهم، وإن أخفقوا أو إختلفوا، غادروها من دون وجه حق في أغلب الأحيان، فالصحفي -للأسف- كبش فداء، يضحي به ولي نعمته متى يشاء؟، في حين إن المهنة الإعلامية تتطلب معايير مهنية صارمة، ومواقف لا حياد فيها، فهي للشرفاء موقف، والأمين على مهنته من يمسك العصا من طرف الحق وليس من طرف الباطل، لذلك تصديت لمعالجة الأمر في أكثر من زاوية، كعملية كتابة إبداعية وكجزء من الفن الصحفي، مراعيا رغائب الجمهور ومزاجه، وتقلبات الرأي العام تجاه القضايا المطروحة عليه ، أذ تبرز الكتابة في كونها من أهم وسائل مهارات الإتصال البشري، وبها يتجاوز الإنسان حدود الزمان والمكان، وفيها تمنح الحياة لكلمات جامدة مستكنة في النفوس والعقول والمعاجم، فهي مخاض فكري عسير، يصور معاني قائمة في نفس الكاتب، تبرز من خلال الصور الباطنة لتوجهاته، ويجعلها محسوسة وظاهرة، وأولى المبادئ التي تعلمتها من أساتذتي والزملاء الذين نهلنا منهم عصارة المهنة الصحفية، هي عندما تكتب، فإنك تكتب لجماهير عنيدة من المستمعين والمشاهدين والقراء، وعليه يجب أن تكون طبيعة هذا الجمهور في مقدمة الأمور التي تفكر بها، وتكون دليل عملك، ويجب ان تضع في الحسبان، إن لكل كلمة ولكل صورة، هدفها السيطرة والإستحواذ على إهتمام الجمهور، مع التأكيد على عدم وجود فقرات زائدة لا علاقة لها بالموضوع، وأن تكتب بشكل مباشر وبوضوح وببساطة، وجراء القناعة التي توصلت إليها من إن الصحفيين اليوم، يواجهون مشكلات أخلاقية أكثر مما واجهوا في أي وقت مضى، فالتكنلوجيا الحديثة جعلت الحصول على المعلومة أسهل بكثير من قبل، ولكنها أسفرت عن مشكلات أخلاقية تتعلق بالإعلام الجديد وأدواته، التي خلطت الأوهام بالحقائق، والأفكار بالخيال، حتى بتنا لا نعرف أهذا الشئ الذي نقرأه لزميل حقيقي أم لذكاء إصطناعي، يلغي كل التسميات والعناوين!!، اللهم سترك..