العاشقة والسكِّير
حسن النواب
ناهدة جابر جاسم، هي زوجة المناضل الحرون والروائي الدؤوب سلام إبراهيم، الذي أعلن بجلاءٍ عن سخطهِ من تجربته القاسية مع الحزب الشيوعي عبر أكثر من مقال؛ وأباحَ عن تلك المعاناة والخذلان في رواياته التي نشرها، وهما يعيشان في الدنمارك الآن بعد حصولهما على اللجوء السياسي عام 1991. ناهدة رفيقة دربه في النضال والتي التحقت معه إلى صفوف الثوار في شمال العراق إبَّان الحكم الدموي للطاغية، كانت في ربيع عمرها وأحلامها ذلك الوقت، ويبدو أنها اكتسبتْ منهُ غواية السرد فنشرت في عام 2015 مجموعة قصصية بعنوان العاشقة والسكير، وهو عنوان مثير بلا شك.
كانت القصص جزءاً من سيرتها الذاتية ورغبة المرأة في التحرر من القيود البالية والانطلاق إلى الحياة بأجنحة الحرية، وبقدر ما اكتنف تلك القصص من اختلالٍ على مستوى السرد والحبكة؛ لكن ما يسجَّل لها جرأتها العاتية في طرح أفكارها بلا تردد ولا ندم. قبل شهور شاءت المصادفة أنْ أشاهد أمسية أقيمت لها في الدنمارك على صفحة الفيس بوك، وكانت المناسبة هي صدور روايتها العيش على الصراط، استمعتُ بحرص إلى حديثها خلال ذلك اللقاء، مما دعاني إلى طلب روايتها من رفيق دربها سلام، لتصلني الرواية بعد يومين عن طريق بريدها الإلكتروني مع كلمات موجزة في غاية اللطف والتهذيب.
كنتُ عازماً على قراءة ما جرى لحياتها على الطريق المستقيم إنْ جاز التعبير، لكن لا تسأل الصعلوك إلى أين مسالكه؛ فنسيتُ أمر الرواية، مع إني وعدت رفيق عمرها بالكتابة عنها بناءً على ما استمعتُ إليه من ناهدة في تلك الأمسية. هاتفتهُ قبل أسابيع وأخبرني أنهما في إيطاليا، ثم أرسل واحدة من رواياته للاطلاع عليها، ولما عدت قبل يومين لبريدي في الماسنجر، لم أجد لها أي أثر.
ربما تراجع عن ذلك وحذفها، أو هناك من يتربَّص بالأبرياء لإشعال الفتنة بينهم. ليلة أمس أفقتُ عند الساعة الثانية فجراً لأقرأ رواية العيش على الصراط، استوقفتني السطور الأولى؛ إذْ تقول: صحتُ بأعلى صوتي افتح الباب، ولكن الطارق كان لا يفهم لغتي، حلمٌ ناضلتُ وخسرت الكثير لأجله، إنَّ من يقدم المعونة لي في شيخوختي يتكلم لغتي ويفهم ثقافتي.
كان الاستهلال مقطوعة شعرية في غاية العمق والرهافة ولم يكن استهلالاً سردياً، ولا غرابة في ذلك ؛ فهي أصدرت مجموعة شعرية بعنوان التين الأسمر قبل عامين؛ ويبدو أنَّ هذا الاستهلال الذي يشير إلى فطنة وذكاء في جذب القارئ؛ قد أخذني في غوايته، لقد لاحظت خلال مواصلة القراءة في الرواية، حساسية تكثيف الجملة السردية ورشاقتها في معظم الصفحات، لكن من المؤسف وقوعها في شرك المباشرة التي لا مبرر لها في مواطن أخرى، عبر استخدامها لمفردات مستهلكة في سياق التدوين، منها مثلاً، الطفولة هي الأساس في تكوين الشخصية وأركانها الأخلاقية والإنسانية.
هكذا سياقات جامدة في السرد تعمل على تدمير سحره ودهشته، ذلك أنَّ السرد من وجهة نظري المتواضعة هو ابتكار المتعة للقارئ من خلال عبارات خاطفة لا يتوقعها، أضف إلى شحن حبكة الرواية بالتوتر والغموض والإيهام والأسئلة، وتلك مقومات تنهض بقامة الرواية إلى سقف طموح القرَّاء.
الذي طاب لي في رواية المناضلة ناهدة هو الاختزال والإيجاز، على خلاف رفيق دربها الذي يستهويه الإسهاب أحياناً وتكرار المفردة في مقطع صغير، مثال على ذلك قرأتُ لهُ فصلاً نشره على صفحته يقول فيه: رمقتني للحظة خاطفة كلمح برق وردت ببديهية أذهلتني، ثم يكتب بعد جوابها، مفردة باغتتني، ثم بعد حوار مبتسر بينهما، يعود ويكتب ردت ببرود أعصاب أذهلني. ربما لم يفطن أنّه كرر مفردة الذهول لثلاث مرات بل أربع مرات حين ترد مفردة مبهوتاً أيضاً في سياق هذا المقطع الصغير؛ وهذا يشير بلا شك إلى فقدان التركيز لديه، هنا تحضرني كلمات الكاتب الإسباني إميليو غابيلانيس إذْ يقول أكبر جهد يبذلهُ الكاتب هو الحفاظ على تركيزه، برغم كل ما يشتِّت انتباهه
. قد يستهوي هذا المقطع قارئ عابر، لكن عند مهرة السرد الذين نسعى جميعاً أن نكون في قافلتهم؛ يعني أنَّ هذا المقطع بحاجة إلى التجويد، في حين لدى السيدة ناهدة لا نجد هكذا تكرار في سياق الجملة السردية، ربما هناك من يقرأ هذا المقال الآن ويقول في سريرة نفسه أو علناً: كم أنت ماكر يا حسن النواب؛ لأنَّك تشعل عود ثقاب بينهما، فأقول لا وحق كزار حنتوش الذي أرضعني المحبة والوئام والذي كان أول من قرأ قصص سلام إبراهيم في مرحلة الشباب هناك في مدينة الديوانية، إنَّما سعيتُ من هذا المقال الاحتفاء بهما، كمناضليّن من طراز خاص، وكأسرة أدبية رائعة قلَّما نجد شبيهاً لها في المهجر.
تقول ناهدة في مقطع من روايتها «العيش على الصراط» الزاخرة بالصدق والأسى والأمل: حلَّتْ بروحي روح الأم المناضلة، فعدتُ لا أرى شيئاً سوى درب النضال؛ وتصاعد تمردي مع توالي الأيام. وها أنا أقول: طوبى لكما هذا التمرَّد وهذا النضال.