أكون أو لا أكون
محسن التميمي
في المجتمعات الفقيرة انسانياً والتي لم تنظر أبعد من أرنبة أنفها مثلما يقول الدكتور باسل عبد المهدي “وهمها الوحيد” النهش بلحم غيرها وأخذ غيبته والحديث عن الآخرين بسوء وحقد وكراهية “لا يمكن أن يجد المثقف فيها أي مكان” ويمكن أن يتعرض إلى الأذى والسخرية والحقد لا لشيء سوى لانه مثقف ومؤدب وانسان يختلف عنهم.
طبع هذا المجتمع لا يستقيم أبداً ويبقى فقيراً انسانياً دائماً وأبداً، أحياناً كثيرة نقول: “إن الله سبحانه وتعالى يحب الفنان مؤيد نعمة كثيراً لأنه سبحانه توفاه ولم يشاهد الكثير من المظاهر والسلوكيات والتي تحدث بشكل يومي في مجتمعنا وهي مؤلمة ومحزنة جداً”.
ماذا كان سيرسم مؤيد نعمة لو كان حياً الآن؟
الرجل تناول “كل شيء تقريباً” لأنه يعرف هذه البيئة المريضة ولو من بعيد، وأشبعها(رسماً) وبقي وفياً لاسلوبه المتفرد والمتمرد معاً، يعني الكثير لمؤيد نعمة أن يكون فناناً ملتزماً شجاعاً نزيهاً وصاحب رسالة عظيمة، وهو فضلاً عن ذلك كان شفافاً رقيقاً مهذباً وأنيقاً ومن يشاهد مؤيد نعمة ويقترب منه يراه مسالماً جداً ولا يرغب في أن يدخل في خصومات ومناكفات مع الآخرين، هو رفض كل سلوك وتصرف وظاهرة تحاول أن تشوه صورة المجتمع وتفسدها، وكان دوره الرئيس محاربتها عن طريق (الكاريكتير) عندما يرسم مجموعة من الناس وهي تحيط بشخص يقرأ كتاباً وتسخر منه أو عندما يعلق في رسم لمجموعة من الناس وهم يقولون (لأحدهم): “عيب عليك تصير خوش آدمي” وغيرها الكثير مما تحاكي الواقع المرير، فهو (مؤيد نعمة) يرفض أن يرى هذا السلوك المشين ويسكت عنه “هو يؤمن” بقرارة ذاته، إن ما قاله شكسبير على لسان هاملت في المسرحية التي تحمل الاسم ذاته : “أكون أو لا أكون”، تعنيه هو شخصياً، فراح يحمل ريشته ويرسم هذا السلوك المنحرف.
بصراحة شديدة، كنا نخاف على مصير مؤيد نعمة من بطش السلطة، لأن الرجل كان جريئاً جداً وتجاوز حدود الرسم كثيراً؛ وتحققت توقعاتنا! فهو الذي لم يكن موجوداً في منزله في مناسبات كثيرة مرت على عائلته، ويوم ولدت ابنته “حينها كان في بيته بعد اطلاق سراحه” أسماها (شمس) لأنه تحرر من ظلام النظام ولامس لحظة الحرية وشمسها.
شمس مؤيد نعمة كانت موجودة داخل أضلاعه وقلبه وشرايينه وأوردته التي كانت تتجمد من البرد في زنازين السلطة التي عاودت اعتقاله، السلطة التي كانت تكره الفنان والانسان والمثقف وتحاول الانتقاص منه ومن انسانيته وفنه، بيد أنها (السلطة) لم تستطع أن تزرع اليأس بقلب وضمير مؤيد نعمة كونه “ببساطة شديدة” كان أقوى منهم وأكثر صبراً وحكمة، كان (رحمه الله) كما كان الشاعر التركي ناظم حكمت الذي كان يكتب الشعر داخل زنزانته في السجن ويمد الآخرين بطاقة الأمل والغد المشرق.
كنا نلتقي بمواعيد منتظمة دائماً في مشغل الصديق المشترك (وليد نايف محمد دوران) في شارع عمر عبد العزيز بالأعظمية بعمارة (أبو جميل) وأمام المشغل تماماً كان مشغل الصديقين الرسام اسماعيل عزام والخطاط عارف النجفي.
من المؤسف إن احدى المؤسسات أصدرت كتاباً لرسومات مؤيد نعمة، بيد أن الكتاب كان بسيطاً جداً وسطحياً، “عندما اقتنينا الكتاب” أصابتنا الدهشة والاستغراب! “وهو كتاب ما كان يليق بفنان كبير وعبقري وانسان نبيل مثل مؤيد نعمة” لو كان (نعمة) أمريكياً أو بريطانياً أو فرنسياً لكان العالم كله يعرف من هو مؤيد نعمة ويتعلق به شديد التعلق، وربما يكرمه بشارع يسمى بأسمه أو مسرحاً أو غير ذلك من الصروح الأدبية والفنية والعمارية المهمة، وربما أيضاً لكان أكثر شهرة من بودلير وماركيز وآخرين، لقد ترك مؤيد نعمة ارثاً فنياً عظيماً، وإذا ما كان الرجل (الصديق والأخ) قد رحل جسداً فهو ما زال باقياً في قلوبنا وعقولنا دائما وأبداً.