00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  مفاتيح أبواب أسوار نينوى.. بلاد أشور التاريخ المؤطر بدهشته الحضارية     1-2

إضاءات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

مفاتيح أبواب أسوار نينوى.. بلاد أشور التاريخ المؤطر بدهشته الحضارية     1-2

نعيم الحسينوي

 

1

أتحدث هنا في هذه الرؤيا عن مدى تأثير شكل الحرف وعلاقته برؤى الحضارات حين شاهدتهُ لأول مرة مرسوماً بلونه الأحمر في كلمة ( دار ) عندما وزعَ علينا المعلم القراءة الخلدونية لأول مرة في الصف الأول الابتدائي ، في تلد البلاد التي ولدت فيها وما بطلت في اعمارهم من حروب كر وفر ، دفاعية وهجومية . غازية مرة ومرة يجيء اليها الغزاة من اخر الدنيا  الروم والفرس والترك وإنكليز وأمريكان . ومن لحظتها تشكل الهاجس الهندسي الغامض في مخيلتي عن تلك الانحناءات الحادة والمتجاورة بين بعضها لتكون شيئا نؤشر به لمسمى كي نعرفْ ماهيته وشكله ومكانه.

هذه الصور المختلفة للحروف في استقامتها واعوجاجها فتحت أمامي افاقا لتخيل الطاقة والفعل في تلك الخطوط وكأنها تفجر في أعماقي أشياء لا تحصى تبدأ من المعرفة وتنتهي بالإحساس اللذيذ لشيء ما أو الحزن أو الرغبة بالتعبير عن المكنون الذي يولد بغرابة في أحساس بدائية مثل الشعور بالحب والحنان والغضب وغيرها ، وكان الدافع بالتعبير عنها يكبر ويزداد حماسا كلما اكتشفنا أسرار تلك الحروف ودلالاتها.

وكبرت روح الحرف معنا كلما كبرت أجسادنا وتفتحت أذهاننا صوب أشياء لا تحصى في العالم الذي يفتح جهاته الجديدة صوبنا عام بعد عام مع تغير معرفيات النصوص وكتب القراءة التي كانت توزع علينا كل عام دراسي جديد عندما دخلت اليها معارف وقصص ومقالات وقصائد وتجارب لفلاسفة وكتاب ، استطاعوا بالحروف فقط وصياغة معناها الى فلسفات ومعارف وكتب أن يؤسسوا لهم مجدا تفتخر فيه البشرية وبلدانهم الى اليوم . وابتداء من الخامس الابتدائي عرفنا الجاحظ وسقراط والخوارزمي وابن الهيثم والرازي . وحين دخلت الفيزياء والكيمياء والأحياء الى حياتنا بعد الثاني المتوسط عرفنا نيوتن وباسكال وغاليليو ومندل ودارون وغيرهم.

مشاعر خفية

وأعتقد أن إحساسي بغموض الحرف وفعله أبتدأ بشيء من الانتباه والاهتمام والمشاعر الخفية والغامضة لفنتازيا أحسستها بعيدة وشهية ولكني انتمي اليها ، ذلك عندما درست في الصف الاول المتوسط كتاب التأريخ الذي كل مادته وفصوله المدرسية تتحدث عن التأريخ القديم منذ العصر الحجري وحتى انهيار ممالك سومر وبابل وأشور وأكد الى غزو الفرس والرومان والإسكندر المقدوني والأقوام الجبلية الأخرى .

وربما كان الحديث في بعض فصول الكتاب عن الحروف الأكدية أثر في فجر هذا الغامض الذي يسكنني أزاء الحرف ونشأته وتلك الفنتازيا اللذيذة التي كنت أحسها تسكن اللحظة التي تمسك فيها أصابعي الورقة وتصبح في مواجهة الخطوط  المستقيمة والنحيفة ، ليدفعها الغامض المبتهج بطقوس اللحظة لامتلاك خيال هيلامي لفنتازيا من سعادة جمع هذه الحروف في كلمة تفضي الى خاطرة أو كتابة أنشاء أو بداية الإحساس بكتابة الشعر أو سطور غرامية لصبية مثلي تمر منفوشة الشعر ، ولكن خديها أحمرين كحب الرمان . وتأصلَ ذلك العشق الغامض مع ثلاث طقوس وأمكنة حاولت الجمع بينهما من خلال هذا  الإحساس الغريب ، ولكن بعد أن أسرد بدءا طويلا لترحال خيالي مع الحرف الأكدي التنشئة والإحساس والخلق..

سأمضي بعيدا مع الحرف وسومريته واكديته التي أصبحت لغة بلاد أشور الرسمية  التي حملت غموض خليقتها  وأصالتها واحترقت حين احترقت أور وذابت بين الأقوام الجديدة الغازية والمهاجرة واحدة من ارقى الحضارات التي عرفتها البشرية في بداية النهوض المعرفي المدني لأنسان الأرض.

هذه الأمكنة التي يمد معها الحرف المسماري والأكدي والبابلي خيوط المودة الفنتازية ، اكتشفتها أنا منذ صباي عبر ثلاثة محطات .

الأولى :السفرات المدرسية التي كانت مدرستنا تقوم بها الى مدينة أور الأثرية ، والرحلة ترتبط بذاكرتي بصورة الباص الفولفو الخشبي الذي ينقلنا وسائقه العجوز الذي لا ينفك من الغناء حين يصل محطة قطار أور القديمة ليغني بصوت عال : أيها الريل لا تصرخ ...أخشى أن توقظ السمراء .

وفي هذه السفرات الأسطورية وقعت عيناي لأول مرة على الحروف الأكدية التي كانت مكتوبة على طابوق المعابد والزقورة وما تبقى من قصر الملك شولكي وبيت المحكمة . واخبرنا معلم التاريخ ان المسمارية كانت حروف اهل اور وما جاورها ، ولكن الحرف الأكدي الذي كتب به الآشوريون ذهب الى أماكن ابعد .

كتابات توقظ في الروح أسئلة التفكير عن شكل الحرف وعطره  وقدرته على صنع كل هذا الإرث والمنجز المثير ، حيث كان مدرس التأريخ يشرح لنا ونحن جالسون على سلالم الزقورة

عن عالم يفتح أفاق الوصول الى نشوة الحجر والطين وهو يلامس الحرف ليشيدون سوية هذا الإرث الهائل من الملاحم والأساطير والمعابد ونظم السقي وفنون النحت والموسيقى والكتابة الأدبية وصياغة الحلي وصنع الأكيال وكتابة نُظم التشريع الأولى.

المحطة الثانية في صباي كانت لمشاهدتي الأولى لأثار النمرود ونينوى في اول سفرة طويلة في حياتي ضمن نشاط كشفي في مدينة الحضر ، حيث زرنا الآثار الآشورية وشاهدت في الرُقم الطينية والثيران المجنحة وما حوته بعض الواح مكتبة آشور بانيبال من أدبيات تلك الحروف وهي ترسم بحيرتها ودموعها ذات المغزى لواقع المأساة التي انتقلت من أور الى نينوى ، لتحترقا معا بسبب نشوة المجد وتحول الحرف من قصيدة وتلاوات دينية الى سيف يتمنى ضم المزيد من البلدان.

طالما تخيلت مكتبة اشور بانبيال وما تحويه ، واعرف انها لم تنهب وقت غزو نينوى وأحراقها سنة 611 ق.م .بل انها تهدمت وانهالت على رفوفها اعمدة وهياكل قاعتها الواسعة وبقيت لآلاف الاعوام مدثرة تحت الصخر والتراب وهي تحمل كل ارث ذلك العالم القديم ومصنفة بجهد علمي غريب يساوي تماما الفهرست العلمية التي تمارسها مكتبات العالم الحديث . من تصنيفات وترتيب ونضد ، واظن انها كانت مكانا مفتوحا لمن يريد ان يطلع ويقرأ ،ومن خلال شعوري ان الملك الآشوري كان مولعا باقتناء الكتب التي كان معظمها عبارة عن الواح من الطين والصخر تم جلبها من الحضارات المحيطة واهمها الحضارة البابلية والفرعونية والسومرية والكنعانية والفينيقية ، وحتى من اعالي سوريا حيث مثلت حضارة الهة أوغاريت نمطا حسيا وذهنيا كبيرا لروح هذا العالم . وهذا الأوقات كان للملك اشور بانيبال فيها خلوة القراءة ومراجعة ما اكتنزه من كتب جديدة وهناك قسما مهما فيها يسمى مكتبة الملك .

زهو الحرف

وفي هذا الجناح الملكي عشت اطياف تخيل زهو الحرف الأكدى ومعانيه وقد اتى الحرف من ظلال الامكنة السومرية حيث ساد الحكم الأكدي وكان ملكهم سرجون هو من امتلك زهو السيف والكلمة ، واول من اطلق على نفسه لقب ملك الجهات الأربع.

ولا ادري لماذا لجأ الآشوريون الى الأكدية ولم يبتكروا لغة خاصة بهم ، وربما في الجناح الملكي كان اشور بانيبال يراقص اخيله الحرف ببهجة ما كان يتمناه ليحققه الى شعبه مع رؤى المادة الغزيرة في تلك الألوان وقد قسمت بترتيب المفاهيم والعلوم التي كانت تحتويها . وهي مقسمة كمصنفات اولا .تواريخ الأدب وعصوره .واغلبه ادب اشور والأمم التي غزتها والتي تعاملت معها تجاريا وحضاريا وثقافيا. ثم المكتبة الخاصة بالملك اشور بانيبال وهو ما كنت اتخيله ووكنت اسميه بمكتبة الخلوة ، فعندما تتوقف الحياة الرسمية ومراسيمها وادارة دفة الحكم في نهار كامل يعود الملك الآشوري ليشعل القناديل والشموع الكبيرة في الجزء المهم بالمكتبة والملحق بالقصر الملكي ليقرأ وينهل من اشعر الامم وحكايات شعوب يتخيل ان من بعض احلامه ان يقيم معها مودة حضارية .الاغريق والرومان والفرس وشعوب بلاد الاناضول وممالك الاله رع وامنون .وربما كان يعرف الكثير من خلال ما وجده في مدونات مملكته الخاصة عن بابل وشرائعا وتواريخ السبي البابلي لاورشليم ، واظن انه كان يفقه ان تلك الشرائع والاحكام ينبغي ان يتم الافادة منها ، ووفق ما تم العثور عليه في هذا القسم لهذا كان الشغف في القراءة والمطالعة هو ما جعل الملك الآشوري يذهب الى مكتبته يوميا ويرى الجديد فيها والذي يحمله السعاة يوميا اليها عبر القوافل القادمة من جهة الشرق او الغرب وكان يكرمهم ويرسلهم مباشرة الى بيت المال ليستلموا ماقرره هو لمكافئتهم وسبق وان نقلنا نصا مأخوذا عن واحد من الألواح يتعامل فيه الملك الآشوري مع ولاته وسعاته وبنص الرسالة التالي  : "عندما تستلم رسالتي خذ معك هؤلاء الرجال والمثقفين وفتش عن الألواح الثمينة. وعندما ترى أي لوح أو أي طقس على لوح لم أكتب لك عنه ولكن تعتقد أنه مفيد ليكون في قصري. ابحث عنه، التقطه، وابعثه ليّ".

وعلى هدى رسالة الملك الآشوري كان عالم الآشوريات (ليو أوبنهايم )يردد    بحق الملك آشور بانيبال، ما ذكره آشور بانيبال عن نفسه، بزهو وبلاغة وتفاخر ، عندما  يقول: احتفظت بكل المعارف الأولية بدءاً من السومريين، ودرست حكمة نابو واكتسبت فن الكتابة ومعرفة معظم الحكماء، وتعلمت رماية القوس والفروسية وقيادة العربات. وهكذا استطعت قراءة النصوص السومرية الغامضة والأكدية المعقدة وبحثت في الكتابة المسمارية على الحجر من قبل الطوفان .

وفق تلك الرؤيا علينا ان نتخيل لحظات سعادة الملك في مكتبته وهو يعيش الهامات الأدب وحكايات ومواثيق والادعية التي كانت ترددها الشعوب الى الهتنها ، مما وفر له قدرة فكرية وحكيمة ليحكم بلاده بالعدل والثبات والقوة .وربما بسبب وجود ملك يخلفه بذات الحكمة والتعلم تعرضت نينوى الى هجمات المتربصين بها وبمجدها فدارت عليها دوائر القدر من كل ناحية وتم سقوطها واحراق عاصمتها سنة 611 قبل الميلاد عندما ذكر التأريخ ان الاقوام المحيطة والمتربصة توحدت في شعورها ان المملكة بدا الوهن يصيبها بعد موت اخر ملوكها الاقوياء اشور بانبيال فقررت ان تبدا بغزوها الكبير وتنهي والى الابد حضارة عريقة وعميقة كان يمكنها ان تبقى واحدة من مفاخر الحضارة الرافدينية في العهود القديم.

لم ازل في جناح مكتبة الملك أتفحص ما يتفحصه هو  وكل رعاياه الى حجابه ومريديه ووزراءه والولاة أن الكتاب حروف الروح إن أرادت ان تكون عادلة مع رعيتها .

كان المنقب وعالم الاثار هنري لايارد او من اكتشف المكتبة وألواحها اثناء تنقيبه في قصر االملك الآشوري سنحاريب .وقد سكنته الدهشة وهو يجد الاف المدونات في الواح مكتوبة باللغة السومرية والأكدية في اغلبها ، لكن من اكتشف المكتبة الملكية الخاصة لاشور بانيبال هو المنقب العراقي الاثوري هرمز رسام، مساعد لايارد عام 1852 ميلادية.

وعلي ان اتخيل هرمز في تجواله بين اطلال مكتبة تهدمت رفوفها وصدى سنابل الخيل الغازية والنداءات الهمجية للغزاة تكسر بأقدام خيولها الحجر الدامع تحتها ،فهم لم يدركوا ثمن الكنوز التي تدمرها اقدام الجياد والنيران التي أشعلوها في كل مكان من القصر الملكي وكان نحيب ساردنابال اخر ملوك عاشور يتصاعد مع فوضى المحاربين وهم ينهبون بكنوز العاصمة ويتركون الكتب تتكسر تحت هو تدمير الاعمدة والسقوف لتلك المكتبة العظيمة التي افرد الملك له منها جناحا خاصا يأوي اليه كلما اراد راحة فكرية لروحه وجسده.

وأظن ان هذا الإرث الذي صنع الدهش لدى هرمز ولايارد واستمرا فيه جهد تصنيفها وإخراجها والحفاظ على ما تبقى منها لاكثر من اربع سنوات ، كنت في قراءاتي لفترة تلك الكشوفات أتخيل ما كان الحرف الأكدى والسومري يضيء فيه وهو يدون تفاصيل الموهبة الإنسانية الأولى في الأدب حيث تم كتابة الأساطير السومرية باللغة الأكدية ومعها تم كتابة تفاصيل نظريات الوعي الإنساني الاول في الرياضيات والفلك وصناعة العجلات والآلات الموسيقية ومنها قيثارة اور وملكتها شبعاد ، وايضا كان في الواح مكتبة الملك الآشوري الكثير من خرائط جهات العالم وهندسيات لتقنية السدود والطرق وهندسة بناء الأسوار والمعابد ، وهناك جناح خاص في المكتبة للشرائع ونظم الحكم وأوزان المكاييل وقوانين الردع والإصلاح الاجتماعي ووصايا الآلهة والملوك والحكماء وكبار الكهنة حيث كان جزء من مكتبة اشور بانيبال ما يطلق عليه مكتبة المعبد ، وهي الألواح التي حفلت بطقوس الأدعية والطلاسم والحكايات والمراسيم التي تنظم علاقة اهل ذلك الزمان بالإلهة التي اعتنقوا رؤاها وقدرتها الغيبية مثل ننار اله القمر عند اهل اور ومردوخ اله مدينة بابل وآنو اله السماء وسيد الهة بلاد الرافدين وأشور الاله الاول في مملكة اشور.

لكن مكتبة التاريخ الأدبي هي من اهم اقسام تلك المكتبة العظيمة ففيها كانت تدوينات الحروف السومرية والأكدية ترسم توهجا غريبا لاحلام اشور وهي تريد ان تتعلم ما حفلت به الاسرار والأساطير والملاحم ونصوص الشعر والفلسفة .

ولان الأدب القديم كان في اغلبه شفاهيا فقد حرص الملك المثقف ان يدون تلك الحكايات والأشعار من افواه رواتها ، واظن ان بانبيال كان قد شجع كثيرا لفتح مدارسا للعلم والمنطق كتلك التي كانت تشتهر فيه اثنيا القديمة وكان هناك حكماء وعلماء حاول الملك ان يجلبهم ليكونوا قيميين على مكتبته العظيمة.قسم جديد من اقسام المكتبة التي وقت اكتشافها من قبل لايارد وهرمز الرسام كانت تحتوي على اكثر من 30000 الف هو قسم المواثيق والعهود ، وفي تراجم البريطانيين لهذا القسم عندما تم نقل الألواح الى بريطانيا عبر قوافل البغال والجمال وقد استعان لايارد باهل الجزيرة والبدو في الموصول وتم نقل الألواح بقوافل من الجمال والبغال الى مرسى على ضفاف دجلة في مدينة الموصل ومنها تم نقلها الى البصرة في جنوب العراق ومن ثم الى سفن شركة الهند الشرقية الى ميناء الفاو ومن ثم الى شواطئ البحر الأحمر ومن ثمة الى قناة السويس ومنها الى اوربا حيث وصلت تلك الألواح سالمة وتم دراستها وقد اظهر قسم المواثيق والعهود .أحدثت قراءة الرُقم والألواح وكل المدونات وبواسطة خبراء وعلماء أثار من الذين عرفوا فك لغز قراءة اللغة الأكدية والسومرية والبابلية ، والتي بلغ عددها في حينه حوالي 30 ألف قطعة، ما يشبه الثورة الفكرية والعلمية واللغوية في قراءة تاريخ الحضاري لمنطقة وادي والرافدين والشرق الاوسط  والعالم القديم بجزئية الأوربي والآسيوي ، ذلك لأن   شواطئ وانهر العراق والمتمثلة بنهري دجلة والفرات هي التي شهدت مع حوض النيل ولادة تأسيس الإنسان القديم للقرى واحتراف الزراعة واختراع الدولاب وعلوم الفلك والتنجيم والتعدين والأرقام وسواها من المعارف الاخرى  غير ان الأهم هو ما كشفته تلك الاثريات والألواح  من عمق حضاري وضع نصوص العهد القديم في موضعها الثانوي كمصدر للتاريخ القديم للعبرانيين وغيرهم. فقد تبين من تلك النصوص أن قصة الخلق وطوفان نوح وغيرها من القصص، والتي ألهبت مشاعر الغرب، موجودة قبل مئات السنين وأكثر من كتابة التوراة، وأن مصدر التوراة في تلك الجوانب هم أهل العراق القدامى الذين أخذ عنهم العبرانيون هذه القصص خلال الأسر البابلي المعروف. كما أطاحت أسطورة جلجامش بالموقع الريادي الذي كانت تحتله إلياذة هوميروس وطروادة وغيرهما، على اعتبار المصدر اليوناني هو المعَلم التأسيسي الأول للثقافة شعراً وانجازات ابداعية علمية وثقافية وفي كافة المجالات احدات علمية

كان فك مشفرات الألواح التي احتوتها المكتبة واحدا من اهم الأجداث العلمية والفكرية في ذلك العالم ومن خلالها تم الاطلاع على الكثير من طقوس الحياة اليومية للعالم القديم .فالمكتبة تحوي في مواثيق ومراسلات رسمية وكل ما حاول فيه ملوك سومر ان ينظموا فيه العلاقات العامة والاجتماعية والاقتصادية فلقد اكتشف العالم ان الألواح حملت معها تراث العالم الوجودي والغيبي لعوالم شعوب المنطقة .وانهم لم يكتسبوا تلك العلوم ومدوناتها بالغزو فقط بل كانوا يشترون هذا الارث من اسواق ومزادات خاصة وكل الذين يوفدهم كانوا اشبه بالجوالين يذهبون مع القوافل الى مدن الشرق القديم مصر واورشليم وسوريا وبابل وجنوبها وولايات الاناضول وحتى مكان التي هي عمان اليوم وشمالا حتى ارمينيا ويقال ان لأشور تجارة مع الهند ايضا عبر شواطئ جنوب مدن بابل.فلقد تم ترجمت المئات من المواثيق التي تنظم العلاقة بين اشور التي كانت لاتضع شروطا قاسية بالرغم انها كانت تنتصر في حروبها

{ تتمة الموضوع على موقع ا(الزمان) الالكتروني

 

 

، وماكان يصر عليه اشور بانبيال هو تنظيم العلاقات التجارية عبر عهود ممهورة بختمه وبختم من يتعاقد معه ، واهم ما وجد المترجمون لتلك الألواح هي عمليات تجارية لبيع القمح وحديد السيوف والتروس والزيت وغلال الفاكهة والنحاس والذهب والقصدير والخمور والاحجار الكريمة والخشب ومواد اخرى.

وهي كما مواثيق العصر الحديث تتحدث عن التزامات وشروط تكفل حقوق الاطراف المتعاقدة . ومدد زمنية للتعاقد ونوضع عليها الاختام وما يترتب على من يخالف العقد ولا يلتزم ببنوده.

انها مواثيق العقل والانصاف والحكمة ومعها كانت المواثيق التي تفرزها الحروب وما يترتب على الخاسر والمنتصر .

فيما كانت المراسلات الملكية هي اخر اقسام المكتبة العظيمة وأظهرت التراجم مقدار حرص ملوك اشور على الاهتمام بمراسلاتهم الملكية وتوثقيها وفيها جانب مهم من اسرار الحياة الملكية وقراراتها عندما كان الملك يأمر الولاة والمستشارين وحتى العرافين .

لقد كشفت تلك الجهة من المكتبة ما كان يحرص اللوك على تدوينه وحتى حوليات سنحاريب التي حملت جزءا من تفكير الملك ورغبته بجعل فترة حكمة خالدة والى الابد هي جزء من تلك المراسلات التي تم تدوينها على مؤشرين عرفها العالم وبالشكل وكانت نصوصهما اضافة فكرية وروحية الى التراث العالمي القديم .

 كما يرد تعريفها في مصدر الحديث عن تاريخ العراق العظيم ضمن منشورات المتحف العراقي وغيره من المصادر الذي اشير فيها الى تعريف حوليات سنحاريب وتاثيرها في الدراسات الآشورية في هذا العصر على انها جزء من اسفار الملك سنحاريب ومنجزاته في اعماله الرورحية والعسكرية ويعرفان بالشكل التالي :

هما موشورين من الطين المشوي، آشوريين كل منهما له ستة جوانب عليها نصوص تاريخية مكتوبة بالأكدية ويعود تاريخهما إلى عهد الملك الآشوري سنحاريب فيهما أخبار عن أحداث من 701 إلى 681 قبل الميلاد .

تمت كتابة الموشوران على أنهما وثيقتا "حجر الأساس" لتوثيق أعمال سنحاريب أمام الآلهة والأجيال القادمة .

اليوم هما بمثابة شهادات مهمة للتاريخ الآشوري وكذلك للتاريخ اليهودي ذلك أن وصف حصار اورشليم في عهد الملك حزقيا (701 قبل الميلاد) مذكورًا وهو ما يرد أيضا في التناخ يعد الموشوران من بين الأدلة الثلاثة التي خلفها الملك الآشوري حول حملته ضد يهوذا .

- موشور تايلور :

هو موشور بارتفاع 38.5 سم و عرض 16.5 سم بستة جوانب مصنوعة من الطين المشوي وقد تم اكتشافه في العاصمة الآشورية نينوى وحصل عليها القنصل البريطاني العام في بغداد العقيد جون جورج تايلور(1790-1852) في عام 1830 سميت باسمه عندما باعته أرملته إلى المتحف البريطاني في لندن في عام 1855 ومنذ ذلك الحين، يتواجد موشور تايلور هناك كواحد من أولى الوثائق النصية الآشورية الكبيرة لعب أيضًا دورًا مهمًا في فك رموز الكتابة المسمارية .

موشور شيكاغو

هو موشور بارتفاع 38 سم ارتفاع وعرض 14 سم كذلك تم التنقيب عنه في أنقاض نينوى تم بيعه لتجار الفن في بغداد في شتاء 1919- 1920 وهو الآن في المعهد الشرقي في شيكاغو

حروف الكتب في مكتبة بانيبال هي من جمعت حسي الصبياني الشهي يوم لامست رعشة أصابعي الحروف الأكدية والمسمارية المكتوبة على الآجر المفخور في ما تبقى من شواخص أور الأثرية.

جمعت ذاكرة بأنيبال الآشوري بمواهب ملك سومري مثقف مثل شولكي الذي يكتب الشعر ويعزف بأكثر من أربع آلات موسيقية ، هو جمع للفتنة المتقاربة بين تأريخين ، وتسكنهم فنتازيا حرف أقف عنده طويلا وأتأمله في هاجس صباي ويكبر معي ليشكل جدارا كبيرا في معبد ثقافتي .

الملكان اللذان تجمعهما ثقافة اللوح التي اندثرت لآف السنين ثم ظهرت على أيدي المنقبين ومعاولهم ليبدأ العالم يعيش تأثيرات هذا الكنز الحضاري من المعرفية والفن والمقارن اللاهوتي وليكتشف أن جميع المدونات السماوية منذ أزمنة الحوليات والبرديات  والتوراة في كل عهودها والاصحاحات الإنجيلية والتوراتية وحتى القرآن الكريم ، كانت هناك القصص والإشارات الواضحة والمقارنة التي تجمع نصوص تلك المدونات الأثرية بكتب السماء ، وقارئ الأساطير الأكدية والبابلية والآشورية سيكتشف هذا .

وكم تمنيت أن أحمل رجفة تلك الاصابع التي دون فيها الانسان العراقي القديم حروفه الأكدية على الواح الطين والحجر وبوابات المعابد وقصور الملوك لأكتب شفاعة ونذرا اتمناه على زاوية الضريح الكلسي لمرقد يونس وكل الأولياء في خارطة الوطن المدجن بالقصائد والحروب . طالبا منه النجاح بعد ان كنت مكملا في درس الرياضيات في الدور الأول ، وكانت أمي خلفي تهمس لي:

أطلب من الله أن يزيل عنكَ محنة الحساب وتذهب مع ابن الجيران الى صف آخر  و لا تجعلني محرجة أمامهن.

همست للضريح : أرجوك يا الهي ، لا تحرج أمي...!

جمع الحروف في مكان يؤثثه الصاج والعاج والذهب والسجاد الشيرازي الثمين ظل يلازم روح المخيلة ويسجل في فواصلها الكثير من المواقف ، وأي موقف ومحطة لما بعد تلك اللحظات التي كنت اشعر فيها باللقاء الروحي لتلك الأمكنة الثلاث ، أنما هو نتاج ثقافة ذلك الاحساس وبيئته ، وفي كل ما كنت اعيشه وأدونه عبر مراحل المدرسة والجندية وتكوين العائلة وكتابة الشعر والقصة والرواية والخاطرة والمقال ورسائل الحب.

لهذا كان الحرف يعيش معي ، يتوأم الهواجس في لحظاتها ، ويمضي ليؤرشف بالقلم أو أصابع الكيبورد كل تلك اللحظات التي سجلت فيها فواصل ما كنت اسجله في حياتي ، كتبي وأوراقي والمخاطبات الرسمية والرسائل التي كنت أكتبها لأصدقائي الجنود نيابة عنهم عندما يشدهم الحنين الى ذويهم وزوجاتهم وحبيباتهم.

وكنت أشعر أن كل الرسائل التي كنت اكتبها ، كان الحرف المسماري يلون هاجسها ومشاعرها حتى وهي تكتب بحروف عربية بليغة أو بلهجة شعبية حين يدفعني الحنين لتذكر وجه امرأة ما واكتب لها قصيدة عامية ، حيث ( هنا ) يقرب ضوء الحرف المسماري من روح الجملة الجلفية التي تبدو قريبة اليه من الجملة الفصيحة كثيرا.

أبتعد عن مناخات اللقيا بين الأمكنة وحروفها ومشاعرها وطقوسها ، وأعود الى الحرف المسماري ، أعيد تأمله ، وأنتشي مع تواريخه وخواطره وتفكيره ، وأمضي لأسجل في التفاصيل عالماً من أخيلة ذكرياتي وطفولتي وموهبة صباي وثقافتي.

أدرسه بطريقة أفترضها أنا وأتخيلها ، لأبتعد عن كل ما تكتبه الدراسات العلمية والمحكمة والاثارية ، لأتخذ من خط السير في محاذاتها حتى أكتشفها عن قرب حتى لا اشعر أني اكتب افكارا لا تمت بصلة لواقع الحرف وتاريخيته.

لهذا تسجل رؤيا الحرف المسماري هنا ، موسيقى ما كان يشعرني لحنه بغموض وشهوة تخيل ورسم عوالم الصورة لحكايات وأساطير ممتعة كانت تجعل من ليلي في صباه وطفولته ليلا تأمليا ومجيدا........!

هذا المسمار العالق بشفاه الطير ، والذي يتماسك وليبقى معناه ازليا حين يشوى في النار ويتصلب.

ينتهي الحرف الأكدي كما ينتهي شكل المسمار ، وهو حرفٌ يفكر بهاجس جنوبي ، ولكنه مع الطين والحجر البدء المعرفي والتدين ونشوء الحرف ، وتم أكتشافه لأول مرة يوم ولدت حاجة الأنسان ليتصلَ مع السماء ، لهذا اكتملت غايته في مرحلة واحدة ولكن التعبير الجمعي وتطور الشكل والدلالة والمغزى مرَ بأكثر من شكل ومرحلة ، وحتى في شكل الحرف المسماري الصوري كانت انحناءته الحادة موجودة وبشكل مدبب ، وكأنها نهاية رمح أو سهم ، وكأن الأنسان أراد في هذه النهاية أن يصيب كبد الحقيقة فيما تفترضها مخيلته في هاجس الكتابة للوصول الى قناعات عبر اسئلة وأجوبة معبر عنها بالتوثيق، وربما من أجل هذا أستعجل الأنسان الأكدي اختراع الحرف وتطوير مراحله الكتابية. ويبدو أن ولادة الحرف وشكله الذي ظهر للعالم ليكون شارة البدء للذاكرة المعرفية لتكون الخطوة الحضارية الاولى على الارض ، فكانت بداية التفاهم الحقيقي بين الانسان والطبيعة والتي اقترنت بسهولة الكتابة بين نهاية اول قلم للتدوين وهو حجر الصوان ، واول لوح كتابة وهو الطين.

أتخيل العلاقة الروحية بين الحرف المسماري والطين ، فهي علاقة فنتازية بامتياز أثمرت عن ولادة ارهصات لاتحصى بين الشعر وتأليف الأساطير ومدائح الالهة وكتابة الاغاني والتعاويذ ومعادلات الرياضيات وطلاسم التنجيم ورسائل امراء السلالات الى ولاتهم في المدن الاخرى.

هذه الفنتازيا بين الحرف ورائحة الطين أيقظت فصول حلم اللغة كما يوقظ العشق في القلوب الحنين ، ولقد شكلت هذه المودة بين مقدمة الحجر وخد الطين الامتداد الحضاري الرائع لحضارة بلاد مابين النهرين ( ميزوبوتاميا ) ليتأسس مجد السِر والمسلات وملوك الجهات الاربع ومكتشفي رحلات الخلود .

فنتازيا موغلة بأزمنةٍ تحمل عطر اجتهاد البشر في اكتشاف الحقائق الجديدة ، لتعيش لحظة المقارن الساحر بين تفكير الباطن والظاهر ولتنشئ روحها ومخيلتها واجتهادها  الفطري براءة الاخيلة البعيدة ولتنشأ لها في العلى عروشا للآلهة واقبية فردوس يسبح في وهم صولجانات الملوك وتيجانهم حتى وهم يرحلون موتى مع نذورهم البشرية وضاربات قيثارات الموسيقى وجرار الخمر والماء والخراف المشوية والمكاحل وكؤوس النذر النحاسية التي جُلبَ معدنها من منطقة مَكْانْ ( سلطنة عُمانْ حاليا ).

وعي لإشكالية الحب بين الحرف والطين وضعت في شبابيك الخيال أسئلة التأمل لما تشاهد العين لتبتكر المكان القصي للعيش الرغيد والخالد فكأن أن كتب الحرف المسماري ملحمة الطوفان والخلود والرؤى الاخرى التي ابتكر معها الشكل الهادئ والخيالي والساحر للمكان الازلي ، فكانت دلمون من بعض نتاجات اخيلة الحرف الأكدي وعقله الفنتازي الذي بدأ يبتكر الرؤى ويجسدها اشكالاً وملاحما وأساطيراً مكتوبة على شكل قصائد ومدائح وتعاويذ وأغاني.

لا أدري لماذا أشعر أن الحرف عندما يولد بشكله الأول انما يريد أن يثبت وجودا خالدا له بين الذاكرة ومقدمة القلم الذي يدونه ، هكذا بدا تشكيل فنتازيا الحرف في مخيلتي حتى في قراءات دلالات ما كان الأنسان يرسمه على جدران الكهوف او ما ينحتهُ من تماثيل بدائية للآلهة او نساء يحملن على صدورهن نهود كبيرة.

فالحروف هي كائنات حية تتحرك بين عقولنا واصابعنا ، مثلما تتحرك الموجة على سطح النهر ، وهي تنطق بخيالات وأوهام وحقائق وقصائد ومعادلات .

أذن هو ( الحرف ) يمثل الرائية الكونية عبر الفعل ورد الفعل والتعبير عنها منذ الإيماءة والإشارة وانتهاء بالكتابة الحروفية التي ما زالت بالرغم من تطور وسائل الاتصال ( السوشيل ميديا ) والانترنيت ، لكنها لن تتمم رسالتها العولمية الجديدة دون الكيبورد وحروفه .

فكانت اللغة المتجمعة في معناها من دلالات حروفها تمثل الوجود الحضاري بكله ، ولولاها لتحولنا الى جراد يلتهم بعضنا بعضا ، لأن اللغة عندما تختفي يولد القحط ، وتجف العقول ونعود ادراجنا الى الحياة التي لم تكن مهجنة أنما حياة غاب وكهوف وسيوف حجرية ومصائد لدببة وخيول وارانب وثعالب.

لقد أستجاب الحرف لفعل المخيلة الأنسانية بشكلٍ أيجابي ، وكان لتلك الايجابية الأثر الكبير في التحولات الاجتماعية التي نقلت الانسان من الكهف المظلم الى فضاء القرية ثم المدينة ، ولتبدأ الحياة الانسانية مرحلة رقي نحو الافضل حيث تعودت على انماط وسلوكية مجتمعية حديثة مع متغيرات الذهن وابتكاراته التصاعدية التي انتهت الى عصر التقدم التكنلوجي هذا.

ولأن  اكتشاف الحرف طفرة حياتية في متغير النمط السلوكي في العيش أورثت للعالم الاداء التقني الذي كان بدائيا وبسيطا ثم الى أن وصل الى مركبات الفضاء وتطور عالم البرامجيات والمعلوماتية ووسائل الاتصال.

فنتازيا بدأت مثل طقوس غرام بين عقل يتأمل وعليه أن يفعل شيئا أزاء جبروت وهيبة وسطوة ما يراه ويعيشه ، رهبة الزرقة التي تعتليه بلا نهايات ، البرق والرعد والمطر ، ايقاع بريق النجوم ومواعيد اشراقات القمر ، الطوفانات والزلازل وهيجان البحر ، سطوة الريح وجمال الشفق والغسق والعطر القادم من الوردة .

أشياء وظواهر وتمثالات خلقت الظن والشك ورغبة الاكتشاف في أحساس مثير وغامض قاد الانسان ليذهب الى ما يجعله سعيدا وراغبا بهذه الحياة الجديدة التي تطورت فيها حياته من عالم بدائية الاكل النيء ، الى الشواء والقمح ثم الموائد.

هذه المتغيرات كان يلزمها وسيلة تواصل ومخاطبات ، وربما الحضارة الأكدية أظهرت الصورة الرائعة لهذا التواصل من خلال الأداء الجميل للحرف وتعبيراته من خلال ربط الحرف بالأدراك البشري ــ الذهني والعقلي لتكتشف الكثير من ابداعات الجمال مثل طقوس العبادة الاولى والشعر والبيع والشراء وتنصيب الملوك والامراء وكتابة البريد الرسمي على الواح الطين والتعامل مع الافلاك والنجوم والقوانين التي دونت على مسلات الحجر لتكون البدايات الاولى للدساتير .

الحرف المسماري حرف اكتشفه اهل سومر الذين استوطنوا جنوب بلاد الرافدين والتي سميت في العهد القديم ارض شنعار وبعض مناطق اعالي الفرات .

نستطيع أن نحكم على الازمنة التي عاش فيها الأكديون انها ازمنة واعية وذات حضور تأريخي مستوح من نمط تفكيرها بأكتشاف طرائق الحياة الجديدة ، وأن الذي دون على الألواح والمسلات إنما انعكاس لطفرة عقلية عالية الاداء والتفكير وخصوصا في تنظيم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والمشاعر الميتافيزيقية فيما يخص الموت والحياة والتفكير بالعالم الاخر وتخيل موجوداته من الهة وامكنة فردوس وغير ذلك.

أظن أن الذاكرة الأكدية وسط هذه الهالة العظيمة من المنجز المتطور الذي اظهرته الألواح ومسلات الحجر تمتلك افاقا واسعة ربما  تظهر لنا بعد ، وما شهدناه سوى خمسة في المئة اظهره لنا السير ليوناردو وولي في كشوفاته الاثرية في مدينة أور في عشرينات القرن الماضي ، فيما تؤكد الدارسات الاثارية والمسوحات الحديثة أن خمس وتسعين بالمئة من هذا الاثر المدهش لم يظهر بعد. وحتما سيرينا الحرف الأكدي الكثير من فنتازياته الرائعة في انسيابيته وبروزه الحاد ، وربما يكمن خلفه أرث يأخذ منا لُبْ الدهشة  ويرينا عالما فنتازيا يقترن بالسحر ويوتيبيا وما تملكه دلمون من صفات لتكون هي ( الجنة الأكدية ) حيث وضع لها افقا من المسافة الجغرافية المتخيلة ليكون موقعها في بلاد مملكة البحرين الحالية حيث زرقة مياه الخليج ومستعمرات اللؤلؤ وآثار واحات شاسعة من غابات النخيل والسدر.

هذا الحرف الذي حقق للشخصية الأكدية يقظتها من سبات عصور بدائية وربما انعكس هذا على شعوب المنطقة كلها ، وهذا ما يتفق تماما مع مقولة نوفاليس :(( حينما نحلم إننا نحلم ، فأن اليقظة تمسيَّ وشيكة )).

لقد ايقظ الحرف الشعوب من غفوة بدائية طال امدها وسنناقش هنا تأثيرات الحرف من خلال مقولة للشاعر المكسيكي اكتافيو باث الحائز على جائزة نوبل والقائلة :

((تشهد الشعوب التي تحيا في طور النمو شيئا مماثلا ، إذ تبرز لها كينونتها السؤال دوما . ماهي ماهيتنا هذه ؟ إلا أن التاريخ غالبا ما يفند أجابتانا عن هذه الاسئلة فيما يدعي ( عبقرية الشعوب ) التي هي مجموعة من ردود الأفعال االتي يستثيرها باحث معين))

وعبر هذا الرأي أضع الحرف الأكدي في خانة الرائية الأولى التي صنعت عبقرية الشعوب منذ أن لامس خد الطين وحتى الزمن الذي توقف فيه التعبير برسمه ومعناه وتحولت الحروف الى صور وابجديات ولغات أخرى.

روح الحرف هي مزيج من روح الانسان والطبيعة التي تجاوره ، وربما البيئة الطبيعية هي من توحي اليه   ليخلق ويخترع ويكتشف التعابير الجديدة التي يمكنه التعامل بها مع المؤثرات التي حوله وأعتقد أن جميع الحروف التي اخترعتها المجموعات البشرية الاولى في العراق الأكدي والأكدي ومصر الفرعونية والشام الفينيقي والكنعاني والاوغاريتي والجزيرة والشمال الافريقي الامازيغي واليمن السبئي والحميري واليونان الاغريقي وأيران الفارسي وفي الصين والهند وغيرها تمثل في محصلتها حقيقة واحدة أن الحس البشري وطبيعته وسلوكه وانتماءه موحدا في كل بقاع الارض ، لكن التعابير اختلفت بسبب بًعد المسافة واختلاف الجغرافيات وطبيعة التكوين الاجتماعي والجسدي ايضا

بين هذه المكتشفات اللغوية رسم الحرف له وجودا وقدرية حزينة ربما اضمحلت ليس مع تطور الكتابة وحروفها ، بل مع النهايات المأساوية التي انتهت اليها سلالات اور بعد الغزو العيلامي وأحراق مدينة أور في عهد آخر ملوك السلالة الثالثة آبي ــ سين الذي مات منتحرا ، في قدرية تشابهت واحدة مثلها عندما احتراق نينوى وانتحار ملكها الآشوري ساردنابال محترقا هو وجواريه واهله في قصره.

المقارب الصوري في صورة الحزن التي يعبر عنه  النواح الأكدي والآشوري يجمع  الحزن في الصور التالية التي تنشدها فنتازيا القدر الدامع للحرف الذي كتب المراثي الثلاثة في احتراق أور ونينوى .

بين الاحتراقين  والتواريخ الحضارية الكئيبة لما حدث في الامكنة الثلاثة أتخيل صورة الحروف في حزنها في ثلاثة مواقع ( الألواح الطينية التي كتبت عليها ملحمة جلجامش التي انتهت بحزن أنه لم يحصل على ما يديم فيه الخلود ويجعله ابديا مثل الالهة ، وكاتب الملحمة مبدع مجهول ، والحوليات الآشورية ومدونات ادبية ، شعرية واسطورية وقوانين لشرائع الملوك ومفاخر ما انجزوه. التي كتبت على حجر الكلس وهي تحكي النهاية المفجعة لساردانبال وهو يحرق نفسه وكل اهل قصره .

الرؤيا الثلاث تم التعبير عنها بحروف مختلفة ، الأكدية ، الآشورية ، العربية يعبر عنها جفن دامع لذاكرة واحدة ، لكني أجد في الحرف الأكدي رابطا لكل هذه الفنتازيا عبر دلالة الدمعة في تشكيل الكلمة من خلال كتابتها بمقدمة مدببة للمسمار حيث الوجع والفجيعة والجرح والدم.

تلتقي النهاية الحادة للمسمار مع الحافة المتشظية  لنصل السيف ، فعليكَ أن تتخيل علاقة الحرف بالجرح والطعنة ، وعليك أن تحمل خاطرة هذا المسمار الى خاطرة السيف وتجمع اللحظة التي احترقت فيها أور بتلك اللحظة المؤلمة .

لتسجل مدينة الموصل صورة متكررة لمآسيها مع الحصار والحروب والقدرية التي تعيش في مشابهات مصائرها ، حيث تنتحب المدينة ومجاوراها من احتلال آخر قد لا يكون محسوبا في حسابات المكان الذي لم يتعود يوما أن يستسلم لنفر ملتح حملته رياح التكفير من الشيشان وأفغانستان وقرى مغاربية في الأطلس او الأوراس او بلدان شرق أسيا.......!

صورة نينوى في محنتها ، وصورة الحرف المسماري ، والحزن المرسوم بتفاصيل أسى بكاء النبي يونس وهو في بطن الحوت ، تنتمي الى القدرية المشابهة بين أور ونينوى.أقود أخيلتي الى ابعد من ذلك ، هناك حيث أعيش جغرافية الاشتياق الى شهية خواطري الأولى ، الزقورة والثيران المجنحة أو تراب الطف ، فيعيش الحرف وجدان الفنتازيا في أعماقي وروحي وأغلفة كتبي ، والحبر الذي كنت ولم أزل أخط فيه قصصي وقصائدي ورواياتي وأساطيري...!

عدد المشـاهدات 258   تاريخ الإضافـة 21/01/2023   رقم المحتوى 72202
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الخميس 2023/2/2   توقيـت بغداد
تابعنا على