00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  العنوان القصصي‮ ‬والمرجعية الشعبية

ألف ياء
أضيف بواسـطة admin
النـص :

العنوان القصصي‮ ‬والمرجعية الشعبية
مولود مرعي‮ ‬الويس


تنتمي‮ ‬المجموعة القصصية الموسومة بـ"الخيول الجِريفونية‮" ‬للقاص بيات مرعي‮ (‬الطبعة الأولى كانت ضمن إصدارات الاتحاد العام للأدباء والكتاب وضمن سلسلة نون التي‮ ‬كان الاتحاد‮ ‬يصدرها أنذاك عام‮ ‬1994? والطبعة الثانية‮ ‬2018) إلى ما سمّاه القاص في‮ ‬تعريف هذه القصص‮ "‬قصص ممسرحة‮"‬،‮ ‬التي‮ ‬جاءت بعناوين قصصية تتلاءم مع مضامينها السردية في‮ ‬الانحياز للموروث الشعبي‮ ‬الموصلي،‮ ‬وكانت عناوين هذه القصص هي‮: "‬مهبط الأراجيح/مدافن النهر/ما أتلفته الرفوف/جنازات الظل/جمرات/خيوط‮ /‬تلة الحلم/محنة الجسر/الحي‮ ‬الحديدي‮/ ‬الخيول الجريفونية/مدينة أخرى/قرين الوقت/رقصة الأزاميل/عويل محارب ترجل/زرزور شرقي‮/ ‬همس المعاطف‮"‬،‮ ‬وهي‮ ‬عناوين لا تخلو من طابع رمزي‮ ‬وشعري‮ ‬لكن مضامينها في‮ ‬الأغلب الأعم تعود على المرجعية الشعبية لمدينة‮ "‬الموصل‮"‬،‮ ‬من حيث المكان والشخصيات والأحداث والرؤى والأفكار وسائر وسائل التعبير الفني‮ ‬والموضوعي‮. ‬
سنحاول تحليل قصة‮ "‬مهبط الأراجيح‮" ‬وهي‮ ‬القصة الأولى في‮ ‬المجموعة وتحتوي‮ ‬على مضمون واسع من الموروث الشعبي‮ ‬الموصلي‮ ‬اعتباراً‮ ‬من العنوان،‮ ‬فالعنوان‮ "‬مهبط الأراجيح‮" ‬يدل على أمكنة الفرح والبهجة أيام الأعياد حيث‮ ‬يجد الأطفال متسع من الوقت لقضاء أيام العيد في‮ ‬هذه الأراجيح المنتشرة في‮ ‬المدينة،‮ ‬ومن هذا العنوان تنفتح القصة على مضامين مكانية خاصة بالمدينة‮ "‬الموصل القديمة‮".‬
تبدأ القصة بالإشارة إلى الأماكن الموصلية القديمة التي‮ ‬لها حضور قوي‮ ‬في‮ ‬ذاكرة القصة‮:‬
‮(‬رغم كهولة مصراعيه بقيت ملامح‮ (‬باب جديد‮) ‬تدمدم بحكايات شفافة موزعة على اكف اطفاله الحفاة‮... ‬وألسنة عجائزه المتكئات في‮ ‬أزقته العتيقة على مشهد المارة من ضيوف الابواب المجاورة‮.. ‬وعلى مرمى البصر أناس تكفنوا برتابة الايام التي‮ ‬تشبه سابقاتها المتعشقات بأزقة الباب المتنافسة في‮ ‬ضيقها وارتفاعاتها او انكساراتها حتى ان نوافذ زقاق تلــــــة‮ (‬البدن‮) ‬المرتفعة تستقبل‮ ‬غرباءها من بعيد وتزفر ثرثرات عذراواتها على مركز الباب المطوق بحمامات الرجال والنساء وسوق بيع اللحوم وعربات الخضر ومركز شرطة البلدة ودكاكين‮ (‬اللبانة‮) ‬والفاكهة والكرزات‮..) ‬
تظهر هنا أسماء الأماكن الموصلية القديمة‮ (‬باب جديد‮: ‬حي‮ ‬شعبي‮ ‬في‮ ‬مدينة الموصل‮)(‬البدن‮: ‬زقاق في‮ ‬حي‮ ‬باب جديد‮)‬،‮ ‬وهي‮ ‬الأماكن التي‮ ‬تمثل في‮ ‬القصة الموروث الشعبي‮ ‬المكاني‮ ‬التي‮ ‬تحتوي‮ ‬أراجيح العيد الحاضرة في‮ ‬عنوان القصة،‮ ‬وتوجد في‮ ‬هذه الأماكن روح المدينة القديمة بما وصفه القاص هنا من تفاصيل على مستوى الشخصيات والأفعال،‮ ‬وهي‮ ‬كلها تنبع من فضاء العنوان الذي‮ ‬يدل على ما‮ ‬يمكن أن تتمتع به هذه الأماكن من طاقة على الفرح‮.‬
تدخل القصة في‮ ‬تفاصيل أوسع وأكثر تصويرا لحال المكان في‮ ‬مرجعيته الشعبية على مستوى الشخصيات والحدث وأدواته،‮ ‬بما‮ ‬يشير إلى أن عنوان القصة‮ ‬يبقى حاضرا كونه‮ ‬يمثل حالة الفرح التي‮ ‬تسيطر على المكان وأجزائه وتفاصيله‮:‬
‮(‬الكلّ‮ ‬في‮ ‬ألفة متشابكة مثل اغصان ذكر التوت المتدلية من سطح بيت المختار المجاور لمنزل الحاج محمود والذي‮ ‬مازال نائما في‮ ‬حجرة زوجته الصغيرة‮...‬فالصباح في‮ ‬الباب قبل ضحكة الشمس ومن اول لحظة‮ ‬يفرغ‮ ‬الليل اكياس ضبابه على وجوه‮ "‬الفعلة‮" ‬المحتشدين في‮ ‬مقهى‮ (‬الصنف‮) ‬وحول عربة تحسين ابو العدس المطرزة بعبارات الرزق‮.. ‬وقبل مجيء الضياء الاول تتراصف الامنيات على ساتر قتالي‮ ‬تبحث عن دفء لها بين المعاول و(الكواريك‮) ‬وأدوات البناء الاخرى فالفجر هنا طوق‮ ‬يخنق الامل بالذهاب الى العمل ومع بزوغه على الباب‮ ‬يعود‮ "‬الفعلة‮" ‬المتبقون والذين لم‮ ‬يحالفهم الحظ في‮ ‬اقتناص فرصة العمل الى ديارهم خائبين‮...) ‬
إنّ‮ ‬أسماء الشخصيات وعناوين الأعمال التي‮ ‬تمتهنها هذه الشخصيات تؤكد الطابع الموروث شعبي‮ ‬للقصة،‮ ‬وتجعل من عنوانها‮ "‬مهبط الأراجيح‮" ‬فرصة لتحويل كلمة‮ "‬مهبط‮" ‬المكانية إلى فضاء سردي‮ ‬مكاني‮ ‬يرتبط بالفرح،‮ ‬وكأن المكان الموروث شعبي‮ ‬كله ممتلئ بأشكال الفرح المتعددة على الرغم من صعوبات الحياة في‮ ‬مثل هذه الأمكنة،‮ ‬بمعنى أن إشعاع الفرح في‮ ‬عنوان القصة‮ ‬يعمل في‮ ‬تفاصيلها من البداية إلى النهاية بلا توقف‮.‬
يستمر الراوي‮ ‬بسرد تفاصيل أخرى عن المكان بشخصياته الشعبية وأمكنته الشعبية حيث‮ ‬يتوسع في‮ ‬هذا الشأن وكأنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يوسع من دائرة الفرح المكاني‮ ‬الموجود في‮ ‬العنوان،‮ ‬فرائحة المكان تنبعث من هه التفاصيل المكانية بشخصياتها ونماذجها المختلفة‮:‬
‮(‬هكذا شريعة الباب المنفرجة بأذرعة طرقه الاربعة والمؤدية الى هنا ترقبها العيون بحذر دقيق حول القادم‮ ‬يحمل حقيبة طلب لأيادي‮ ‬مستميتة للعمل ولكل درب حكاية‮ ‬ينسل منها وهج التاريخ فأولهم قامت في‮ ‬نهايته محطة القطار الغريبة وآخر‮ ‬يذكر سيرة الملك فاروق ثم ساعة الكنيسة ونواقيس برجها والثالث صوب أساطير سجن المدينة القديم ورابعهم‮ ‬يمد بطوله نحو النهر‮.. ‬و(باب جديد‮) ‬ذلك الكبد المكاني‮ ‬للطرق كلها‮ ‬ينتظر فجرا مرغما بموعد مؤجل عند جميع رجاله‮ (‬نشأت الباججي‮) ‬والحاج‮ (‬توفيق الكبابجي‮) ‬و(دلشاد‮) ‬الخباز الأصل،‮ ‬وأم اللبن‮ (‬حمدية‮) ‬القادمة من مسافات ساعات بعمق الليل كي‮ ‬تفترش قدورها المحتشمة بشرف الجاموس ورائحة البقر والغنم‮.)‬
إن هذه الشخصيات الشعبية التي‮ ‬ترد هنا في‮ ‬أحداث هذه القصة‮: (‬نشأت الباججي‮) ‬والحاج‮ (‬توفيق الكبابجي‮) ‬و(دلشاد‮) ‬الخباز الأصل،‮ ‬وأم اللبن‮ (‬حمدية‮)‬،‮ ‬تعطي‮ ‬لفضاء القصة نكهة خاصة من خلال الطابع الموروث الشعبي‮ ‬الذي‮ ‬تطرحه،‮ ‬وبما‮ ‬يتلاقى ويتفاعل مع عنوان القصة العائد على موروث شعبي‮ ‬معروف أيام الأعياد‮.‬
لا‮ ‬يتوقف الحدث القصصي‮ ‬في‮ ‬القصة عن فتح باب السرد القصصي‮ ‬على مصراعيه،‮ ‬بل‮ ‬يستمر الراوي‮ ‬في‮ ‬الإشارة إلى تفاصيل الأمكنة التي‮ ‬تحيط بفضاء العنوان‮ "‬مهبط الأراجيح‮" ‬وتستوعب الصورة السردية المنبثقة من هذا العنوان‮:‬
‮(‬الفعلة‮) ‬البناؤون ألفوا البرد في‮ ‬دوي‮ ‬مزاحهم‮.. ‬لتبقى مسالك الدروب فاتحة خير للرابضين على عتبات الرزق في‮ ‬مشهد‮ ‬يتسع ويستدعي‮ ‬انماطا من خلافات معتادة مرة وضحكات مستقرة مرة اخرى‮....‬وفي‮ ‬ذيل ليلة ما لحظة وداع الطيور لأعشاشها،‮ ‬وبينما‮ ‬يستذكر كل واحد من الرجال لزميله عن‮ ‬يوم امس الذي‮ ‬توارى زمنه وتعبه مسرعا،‮ ‬توقفت سيارة سحبت الانظار اليها،‮ ‬يظهر فيها رجل مطمئن لصباحه ويستطع الثراء على وجه سائقها‮... ‬ركض الجميع دون تردد والتفوا حولها مثل سباع جياع،‮ ‬يستمعون الى حكاية فريسة تاركين مخالب البرد وقصصهم على عربة العدس او بين جدران مقهى‮ (‬الصنف‮) ‬مودعة عند العم‮ ‬يونس‮ (‬ألجايجي‮) ‬او في‮ ‬زوايا اخرى كانت قد احتوتهم قبل ساعات‮....‬وبإيماءة مفتعلة بعد ان أسدل زجاج نافذة السيارة،‮ ‬حدد مبتغاه حين انتقى من بين الجمع افضل‮ "‬الفعلة‮" ‬الشباب الاقوياء ثم طفق بهم مسرعا الى جهة مجهولة‮...)‬وهنا تبرز شخصية‮ "‬الحاج محمود‮" ‬كي‮ ‬تعطي‮ ‬للمكان والحدث والشخصية قيمة أكبر في‮ ‬تطور الفاعلية السردية للقصة،‮ ‬بحيث‮ ‬يكون عنوان القصة هو المركز الدلالي‮ ‬الأصلي‮ ‬في‮ ‬أحداث القصة فهو المكان الذي‮ ‬تتوزع منه الأحداث،‮ ‬إذ‮ ‬يستعيد الراوي‮ ‬القصصي‮ ‬كثيرا من أحداث الماضي‮ ‬وأحداث التاريخ التي‮ ‬حدثت في‮ ‬هذا المكان،‮ ‬فالمكان القصصي‮ ‬الحاضر في‮ ‬عنوان القصة‮ "‬مهبط الأراجيح‮" ‬هو نموذج للمكان المرتبط بالطفولة وبالأعياد وبالفرح الذي‮ ‬يتكرر مع كل عيد،‮ ‬ويصبح مكانا أصيلا في‮ ‬ذاكرة الناس المرتبطين بهذا المكان ارتباطا روحيا لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬ينفصم أو‮ ‬يستحيل أن‮ ‬ينتهي‮:(‬توجه حشد متبق منهم صوب درب آخر ومجموعة اخرى في‮ ‬طريق معاكس حتى تلاشى الجميع في‮ ‬وقت أفرغ‮ (‬باب جديد‮) ‬جعبته من كل عماله الاقوياء‮.. ‬رغم ان الأزقة المكتظة بالمنازل العتيقة تمد الباب دوما برجال جدد‮ ‬يزدحمون على المحلات المتراصفة‮ ‬يطلبون شراء فطور اطفالهم ونسائهم‮... ‬ولم‮ ‬يبق من‮ "‬الفعلة‮" ‬سوى ذلك الرجل العجوز قصير القامة جار المختار الحاج محمود،‮ ‬كبير البنائين الاول والاقدم في‮ ‬معجم الباب،‮ ‬خليله العتيق،‮ ‬منذ ان كان‮ (‬لباب جديد‮) ‬حارس‮ ‬يتقاضى مرتبه من القنصلية البريطانية‮....)‬تتطور أحداث القصة تطورات مكانية بالدرجة الأساس ومن ثم تنطلق هذه الأحداث من خلال المكان كي‮ ‬تعبر عن جوهر القصة التي‮ ‬يدل عليها العنوان،‮ ‬فعنوان القصة هنا هو عنوان متجذر في‮ ‬طبقات القصة كلها من الشخصية إلى الحدث إلى التفاصيل الكثيرة التي‮ ‬لا تنتهي،‮ ‬فالمكان الشعبي‮ ‬يتفاعل مع الشخصية الشعبية ومع الحدث ذي‮ ‬الطابع الشعبي‮ ‬كي‮ ‬يصل توظيف الموروث الشعبي‮ ‬إلى أعلى درجاته في‮ ‬هذه القصة‮:(‬يمر الوقت ليصبح الفجر متأهبا على عتبة الزمن‮.... ‬شيخ المسجد‮ ‬يصفق باب جامع العمرية بعد انتهاء صلاة الفجر وتحرك جناحي‮ ‬الليل هروبا من مطرقة الشمس‮.. ‬لتركب الحسرة صدر الحاج محمود تفر به نحو ذاكرة السنين اللزجة بمواقف شتى على عجلة خياله البطيء‮.... ‬تذكر الفصول الاولى للرحلة‮.. ‬اصحابه الذين تسللوا الى مدفنهم الكبير جنوب مدينة الطوفان‮... ‬اخذ‮ ‬يقتفي‮ ‬من أثر الصور صورة أبو‮ (‬نشأت الباججي‮) ‬وأبو الحاج‮ (‬توفيق الكبابجي‮) ‬والعريف حمودي‮ ‬الذي‮ ‬هوى عليه جدار بيت السقا فمات منذ سنين بعيدة‮. (‬ببح العربنجي‮) ‬حين كان‮ ‬يمر بعربة الخيل بعد ان‮ ‬يجلب ابن البك ليوصله الى القشلة كل صباح‮....)‬تحكي‮ ‬هذه القصة محتوى قصصي‮ ‬جوهري‮ ‬عن الزمن الذي‮ ‬يغيّر الأشياء،‮ ‬حيث‮ ‬يتم البحث هنا عن زمن الأراجيح وعن مهبطها،‮ ‬أي‮ ‬المكان الذي‮ ‬كان‮ ‬يحفل بالحياة والحركة والفرح والأطفال والأشياء الجميلة الأخرى‮.‬
‮ ‬حين تتحول‮ "‬الأراجيح‮" ‬إلى عالم قصصي‮ ‬كامل‮ ‬يبدأ بالعنوان ولا‮ ‬ينتهي‮ ‬إلا مع نهاية خاتمة القصة‮:‬
‮(‬تزاحمت الاواصر والخواطر في‮ ‬أحد جيوب ذاكرة الحاج ولم‮ ‬يعد من‮ ‬يداري‮ ‬تنهدات تحسره لتلك الأيام التائهة في‮ ‬أنفاق الزمن‮...‬
الحاج محمود‮: ‬كل شيء قسمة‮... ‬
ثم ماتت جملته هذه في‮ ‬مقبرة صمته ولجمت لسانه الذي‮ ‬ترك سؤالا مخنوقا‮....‬
‮- ‬اين الزائرون القدامى للباب‮.....‬؟
اجاب نفسه الحائرة،‮ ‬كأنه‮ ‬يرثي‮ ‬عزاءها،‮ ‬ثم تحسس الفجر الذي‮ ‬أدرك فيه منذ سنين طوال ان خطوات الاثرياء الباحثين عن ايد قوية من العمال تنتهي‮ ‬في‮ ‬هذه اللحظة‮...‬
اراد ان‮ ‬يغادر‮ ‬يأسه،‮ ‬علق حاله على صمت اطول شغل نفسه في‮ ‬تصنيع لفافة تبغه بعد ان مد‮ ‬يده في‮ ‬كيس التبغ‮ ‬وطلب قدح شاي‮ ‬جديد،‮ ‬وهو‮ ‬يتطلع الى شوارع الباب وهي‮ ‬تفيض زحمة وحركة شيئا فشيئا مع‮ ‬يوم‮ ‬يولد‮...‬
احرق لفافة تبغه،‮ ‬كأنه‮ ‬يوهم نفسه بأن في‮ ‬الوقت متسعا وأن لصمته وانتظاره مخرجاً‮ ‬خرافياً،‮ ‬فجأة طرق زائر مضطرب حلبة صمت الحاج محمود‮ ‬يسأله‮....‬
مرحبا‮ ‬يا عم‮... ‬ألا‮ ‬يوجد عمال شباب هذا اليوم‮.....‬؟
الحاج محمود‮:- ‬أرسل لفافة تبغه مسرعا تحت قدمه وهم بالوقوف امام سائلة ثم تمهل قليلا‮... ‬وهو‮ ‬يجيب‮ ... ‬يا بني‮ ‬لقد ذهب الجميع الى اعمالهم منذ ساعات وما زلت انتظر قدومهم تندى الخجل في‮ ‬عقدة جبين الحاج محمود من ان‮ ‬يستعرض مكانته على الرجل،‮ ‬عسى ان‮ ‬يحل بديلا لأولئك الذين رحلوا عبر دروب اعمالهم‮... ‬نشطت الحسرة والذكريات من جديد مثل نزف جرح دافئ وانتصبت راية لعنة مستترة في‮ ‬صدره المتصدي‮ ‬من أثر شقوق الرحلة على زمنه الذي‮ ‬مكر لقوته فأحرقها في‮ (‬كور‮) ‬اسراره المظلمة‮...)‬
فالحوار الدائر بين شخصية الحاج محمود وشخصية الزائر المضطرب‮ ‬يكشف كل كواليس الحدث القصصي،‮ ‬وهنا تتفاعل الصور الزمنية بين الماضي‮ ‬والحاضر والمستقبل مثلما تتفاعل صور الموت والحياة داخل نفوس الشخصيات،‮ ‬فالراوي‮ ‬هنا‮ ‬يحاول أن‮ ‬يجعل من الأمكنة والشخصيات والأحداث صورة كبيرة عن طبيعة الموروث الشعبي‮ ‬الذي‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬ينتهي،‮ ‬فهو حاضر على السطح السردي‮ ‬وفي‮ ‬العمق السردي‮ ‬أيضاً،‮ ‬وشخصية‮ "‬الحاج محمود‮" ‬تمثل النموذج القصصي‮ ‬الذي‮ ‬يعبر عن الحالة التي‮ ‬يريد الراوي‮ ‬تقديمها في‮ ‬هذه القصة،‮ ‬ولا شك في‮ ‬أن العنوان‮ "‬مهبط الأراجيح‮" ‬هو العلامة الجوهرية الفاعلة في‮ ‬إثارة كل هذه الذكريات وصناعة كل هذه الأحلام من أجل أن تكتمل الصورة السردية للقصة‮.‬
تبرز عتبة عنوان القصة في‮ ‬المشهد الأخير الاختتامي‮ ‬منها،‮ ‬وهو مشهد فيه كثير من التفاصيل الموروث شعبية على مستوى الشخصيات الموصلية المعروفة ولا سيما في‮ ‬مجال الغناء،‮ ‬حيث‮ ‬يأتي‮ ‬عنوان القصة‮ "‬مهبط الأراجيح‮" ‬كشاهد على الحدث القصصي‮ ‬الذي‮ ‬يفصل بين الحياة والموت وبين الفرح والحزن‮:‬
‮(‬أدرك ان‮ (‬باب جديد‮) ‬لم‮ ‬يبق من رمق شفتي‮ ‬القه سوى اسمه المحفور على حجر ذكرياته‮.... ‬وأن عمره لم‮ ‬يبق منه سوى عمر العصافير او ربما ساعات منها‮ ... ‬لم‮ ‬يعد في‮ ‬ساحة الباب من كانوا صبيان زمان ولم‮ ‬يبق من الذين عملوا تحت‮ ‬يده المجندة بالجهد طويلا،‮ ‬اولئك الذين اتعب اكتافهم فيما مضى‮.. ‬انزوى صوت سيد‮ (‬احمد بن الكفر‮) ‬وسيد‮ (‬اسماعيل الفحام‮) ‬و(محمد حسين مرعي‮) (‬بلبل الحدباء‮) ‬القبانجي‮ ‬مطربو زمان في‮ ‬فراش الحمى ولم‮ ‬يعد‮ ‬يملأ فضاء مقهى الصنف‮.... ‬بقي‮ ‬يرقب الطريق منذ ساعات وعربة الخيل لم تأت فهي‮ ‬في‮ ‬حداد على حصانها‮... ‬تورم الهم واطبق معجم الذكريات ورحل الضباب خلسة دون ان‮ ‬يترك اثرا واعتلى الفجر السماء‮  ‬ترجل الاطفال عن الباب عند‮ (‬تلة ريمه‮) ‬مهبط أراجيح العيد‮ ‬يجددون لعبهم المجنونة بعبق الطفولة،‮ ‬وعشرات المارة‮ ‬يلقون التحية على الحاج محمود المتكئ في‮ ‬احدى زوايا مقهى الباب لا‮ ‬يجيب‮ ‬ينتظر من‮ ‬ينتبه اليه ميتا‮....)‬
ويرتبط عنوان القصة هنا بالأطفال لأنهم هم أبطال الأراجيح في‮ ‬العيد وكأن العيد أوجده الله لهؤلاء الأطفال كي‮ ‬يفرحوا،‮ ‬وهنا‮ ‬يعمل العنوان عمله القصصي‮ ‬كي‮ ‬يلم أرجاء القصة وعناصرها في‮ ‬المكان الذي‮ ‬يعبر عن موضوع القصة،‮ ‬ويظهر المكان عند تلة اسمها‮ (‬تل ريمه‮) ‬يعرفها الراوي‮ ‬تعريفا‮ ‬يتصل اتصالا وثيقا بعنوان القصة‮: (‬تلة ريمه‮: ‬تلة مندرسة تجتمع فيها الأراجيح ايام العيد‮)‬،‮ ‬وربما تكون الخاتمة القصصية هنا‮ (‬ترجل الاطفال عن الباب عند‮ (‬تلة ريمه‮) ‬مهبط أراجيح العيد‮ ‬يجددون لعبهم المجنونة بعبق الطفولة،‮ ‬وعشرات المارة‮ ‬يلقون التحية على الحاج محمود المتكئ في‮ ‬احدى زوايا مقهى الباب لا‮ ‬يجيب‮ ‬ينتظر من‮ ‬ينتبه اليه ميتا‮....) ‬خير ممثل لحضور العنوان القصصي‮ ‬في‮ ‬متن القصة،‮ ‬فالمكان في‮ ‬العنوان وفي‮ ‬طبقات المتن القصصي‮ ‬هي‮ ‬الأصل في‮ ‬بناء القصة وتقديم صورة الموروث الشعبي‮ ‬فيها‮.‬

عدد المشـاهدات 77   تاريخ الإضافـة 14/05/2022   رقم المحتوى 63093
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الخميس 2022/5/19   توقيـت بغداد
تابعنا على