00964 790 110 7676     azzaman_iraq@yahoo.com
  أمريكا أتعس المقامرين بالعراق والمنطقة

مقالات
أضيف بواسـطة admin
النـص :

أمريكا أتعس المقامرين بالعراق والمنطقة

لويس إقليمس

يبدو أن الرؤية الضبابية التي‮ ‬تكتنف إدارة الرئيس الأمريكي‮ "‬جو بايدن‮" ‬منذ توليه الرئاسة الأمريكية في‮ ‬ظروف جدلية مربكة ولغاية الساعة،‮ ‬لن تتمكن من تحديد أهدافها في‮ ‬عموم منطقة الشرق الأوسط على وجه الدقة وترميم ما أفسدته إدارتا سلفيه الجمهوري‮ ‬المتهوّر‮ "‬دونالد ترامب‮" ‬أو سابقه الديمقراطي،‮ ‬الثعلب المهادن‮ "‬باراك حسين أوباما‮"‬،‮ ‬والذي‮ ‬عملَ‮ ‬تحت إدارته نائبًا له لمدة ثمان سنوات للفترة من‮ ‬2009-2017‮. ‬فواقع الحال‮ ‬يشيرُ‮ ‬لانتهاج‮ "‬بايدن‮"‬،‮ ‬أو بالأحرى‮ ‬يُحكم عليه بانقياده وتماهيه ظلاًّ‮ ‬ضبابيًا لرئيسه الأسبق‮ "‬أوباما‮" ‬وبما‮ ‬يشبه الحنين الوضعيّ‮ ‬لحقبة توليه ذلك المنصب‮. ‬فهو كما‮ ‬يبدو في‮ ‬سلوكه المتذبذب بانتهاج سياسة دبلوماسية المطبخ الهادئ التي‮ ‬اتبعها في‮ ‬سيره على خطى سياسة‮ "‬التقية والمهادنة والتحصّن‮" ‬في‮ ‬عهد سلفه‮ "‬أوباما‮" ‬في‮ ‬مواجهة دول متمرّدة بعينها من تلك التي‮ ‬صارت تشكل مثار قلق وعدم استقرار لدول العالم ومنطقة الشرق الأوسط بالذات،‮ ‬يكون قد فتح الأبواب على مصاريعها لاحتمالية نسج اتفاقات استراتيجية دولية جانبية خارج الخيمة الأمريكية،‮ ‬من شأنها أن تسعى لخلق واقع آخر جديد ومختلف خارجًا عن هيمنة هذه الأخيرة في‮ ‬بقعة‮ ‬غنية وساخنة من العالم‮.‬
من هذه الاتفاقات التي‮ ‬لاحت بواكيرُها في‮ ‬الأفق مؤخرًا،‮ ‬الاتفاقية الاستراتيجية للتعاون التي‮ ‬تم الإعلان عنها بين إيران والصين لمدة خمسة وعشرين عامًا بالرغم من الاختلاف الأيديولوجي‮ ‬بين البلدين‮. ‬فقد وجدت فيها الجارة الشرقية فرصةً‮ ‬للتملّص من العقوبات القاسية التي‮ ‬فرضتها أمريكا عليها وبدايةً‮ ‬لخروجها عن عزلتها الدولية‮. ‬وهذا مّما سيفتح أبوابًا لاحقة لغير الصين مثل روسيا وأوروبا لعقد اتفاقات مماثلة قد تكون بداية النهاية للخروج كلّيًا من أغلال الحظر الأمريكي‮ ‬والأممي‮ ‬المفروض عليها بسبب تحوّلها لبعبعٍ‮ ‬صعب المراس والتهجين والمهادنة تحكمه الأدلجة المتعصبة في‮ ‬التشيّع الولائي،‮ ‬بل وعنصرًا‮ ‬غير مريح لعدم استقرار المنطقة والعالم‮. ‬وهناك مَن‮ ‬يرى أن مثل هذه التطورات الخطيرة في‮ ‬حالة تحقّقها وتوصّل إيران لاتفاقات متلاحقة خارج الهيمنة الأمريكية،‮ ‬مردُّه سياسة التساهل وأسلوب المناورة السياسية المجامِلة والمداهِنة للزعامة الديمقراطية التي‮ ‬أسَّسَ‮ ‬لانتهاجها‮ "‬أوباما‮" ‬وتبعها خلفاؤُه من بعده،‮ ‬سواءً‮ ‬الجمهوري‮ "‬ترامب‮" ‬الذي‮ ‬كان‮ ‬يعربد من دون أفعالٍ‮ ‬صادمة حقيقية على الأرض أو خلفه الديمقراطي‮ "‬بايدن‮" ‬الذي‮ ‬حدّد سياسته في‮ ‬أولى خطواته الرئاسية بسلوك ذات النهج الّلامبالي‮ ‬بدول المنطقة ومحاولة كسب الودّ‮ ‬بأي‮ ‬ثمن بسبب ضعف شخصيته الواضحة‮. ‬ومن الواضح،‮ ‬أنّ‮ ‬الإدارات الأمريكية المتلاحقة منذ رئاسة بوش الأب ولغاية الساعة،‮ ‬كانت حددت أهدافها في‮ ‬إحداث تغيير في‮ ‬خارطة الشرق الأوسط‮. ‬كما كان من ضمن تلك الأهداف الرئيسية كسرَ‮ ‬شوكة العراق العروبي‮ ‬وعدم السماح له برفع رأسه من جديد كي‮ ‬لا تقوم له قائمة بعد الذي‮ ‬شهدوا منه من سياسة الخروج عن الطاعة والمواجهة القاسية بكلمة‮ "‬لا‮" ‬للغطرسة والعنجهية الأمريكية‮. ‬
لكن من المؤسف،‮ ‬ألّا تأخذ الإدارات الأمريكية المتعاقبة في‮ ‬حسبانها عند‮ ‬غزوها للعراق مصلحة شعب هذه البلاد وحقه بالعيش بسلام والتمتع بثرواته مثل سائر دول المنطقة التي‮ ‬تنعم بحياة مستقرّة ومحترمة وتعيش اليوم بكرامة ورفعة وانفتاح للعالم،‮ ‬إلاّ‮ ‬في‮ ‬العراق‮. ‬فقد اقتصر تركيز الغزاة على كيفية استغلال ثروات العراق بطرقٍ‮ ‬تسهّلُ‮ ‬لهم تدمير قدرات هذه البلاد البشرية بأدوات داخلية وخارجية،‮ ‬إلى جانب فقدان سمة السعي‮ ‬الجادّ‮ ‬لإعادة بنيته التحتية التي‮ ‬دمّرتها دباباتُ‮ ‬جيوشهم الغازية وأسلحة حلفائهم الجرّارة التي‮ ‬استحلّت أرضه وأهانت شعبَه عندما جرى تسليمُه ظلمًا على طبقٍ‮ ‬ماسيّ‮ ‬جاهزٍ‮ ‬للجارة الشرقية،‮ ‬العدوّ‮ ‬التاريخي‮ ‬اللدود لإكمال الخطة الاستراتيجية بإنهاء وجود‮  ‬ومحو حضارة العراق والحدّ‮ ‬من تأثير ثقافته وعروبته على دول الجوار تحديدًا‮. ‬وفي‮ ‬ضوء هذه السياسة الظالمة وغير المنصفة،‮ ‬تكون أمريكا ومَن‮ ‬يقف بجانبها،‮ ‬مشيرًا وداعمًا ومنفّذًا،‮ ‬قد أوقعت العراق في‮ ‬مأزق‮ ‬يصعبُ‮ ‬الخروج منه سليمًا معافىً‮ ‬على المدى القريب والمتوسط،‮ ‬إلاّ‮ ‬في‮ ‬حالة خلط الأوراق من جديد واتخاذ خطوات الصدمة الدولية الجريئة التي‮ ‬من شأنها وحدها إخراج البلاد من الهوّة السحيقة التي‮ ‬وقعت فيها والنجاة بشعبها من كوارث هذه الهيمنة،‮ ‬ايديولوجيًا وسياسيًا واقتصاديًا وطائفيًا‮. ‬فالويلات والأزمات المتلاحقة التي‮ ‬وقعت على أهل العراق بعد إسقاط النظام الدكتاتوري‮ ‬السابق على حساب حسن سياسة الاستقرار وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة تأخذ في‮ ‬الحسبان مصلحة البلاد الوطنية وشعبها،‮ ‬كلّها تولّدت بسبب سياسة الإدارات الأمريكية القاصرة المتلاحقة وغير المقبولة بعد الغزو نتيجة لافتقادها لرؤية جاهزة وإرادة صادقة من أجل إصلاح الأمور والسماح بعودة البلاد لأخذ دورها الوطني‮ ‬والإقليميّ‮ ‬المستقلّ‮ ‬بعيدًا عن سياسة المحاور والتبعية للجارة الشرقية‮. ‬فكلّ‮ ‬الإشارات الواقعية تعني‮ ‬أن إيران ما تزال تنعم ضمنيًا بضوءٍ‮ ‬أخضر من الراعي‮ ‬الأمريكي‮ ‬وحلفائه الغربيين في‮ ‬تمكين سطوتها على العراق وشعبه وتسهيل الاستيلاء على مليارات الدولارات بفضل هيمنتها المذهبية على عقول الساسة الولائيين الذين‮ ‬يجاهرون علانية بتبعيتهم ودفاعهم عن نظام حكمها وقيادتها على حساب مصالح وطنهم وشعبهم‮. ‬
سياسة الدبلوماسية الناعمة وسياسة القط والفأر‮ ‬
من الواضح بروز أشكال من سياسات التساهل والتنازل والتغاضي‮ ‬بل والتخاذل أحيانًا من لدن الإدارات الأمريكية المتعاقبة،‮ ‬والحالية بصورة أكثر،‮ ‬لصالح بعض دول المنطقة،‮ ‬ومنها إيران بالذات،‮ ‬حيث فاقت هذه السلوكيات‮ ‬غير الواقعية الحدود في‮ ‬بعضٍ‮ ‬منها بحيث صارت بعضُها تشكلُ‮ ‬عبئًا مضاعفًا،‮ ‬إقليميًا ودوليًا،‮ ‬على‮ ‬غيرها‮. ‬وفي‮ ‬الواقع،‮ ‬بعضُ‮ ‬هذه الدول التي‮ ‬حقَّ‮ ‬وصفُها بالمتمرّدة والسفيهة والتي‮ ‬استخدمتها الإدارات الأمريكية‮ "‬الاستكبارية‮" ‬المتتالية‮ "‬حصانَ‮ ‬طروادة‮" ‬في‮ ‬فتراتٍ‮ ‬من الزمن الأغبرّ‮ ‬من أجل كسب جانبها كرهانٍ‮ ‬غير مأمون الننائج عبر المساهمة في‮ ‬إحداث تغييرات في‮ ‬خارطة الشرق الأوسط ومنها تدمير بلاد ما بين النهرين وإهانة شعبها منذ اتخاذ القرار الأممي،‮ ‬قد استغلّت الفرصة ومدى التعاطف الدولي‮ ‬ضدّ‮ ‬منظومة النظام السابق المتهوّر من أجل إثبات قدراتها وتعزيز وجودها وفرض رؤيتها الأيديولوجية وسياساتها المتشدّدة هي‮ ‬الأخرى بأشكال الابتزاز والمساومات والاستغلال مستفيدةً‮ ‬من الوازع الطائفي‮ ‬والمذهبي‮ ‬ومدى الكراهية المجتمعية التي‮ ‬رافقت مسيرة ذلك النظام البائد‮. ‬فما كان من إيران بالذات،‮ ‬إلاّ‮ ‬أن فرضت هيمنتها بموجب سلوك السياسة الناعمة التي‮ ‬تشبع سياسة القطّ‮ ‬والفأر التي‮ ‬اتخذتها الإدارات الأمريكية المتلاحقة منذ‮ ‬غزوها للعراق تجاه سلوكياتها الاستفزازية في‮ ‬المنطقة‮. ‬وقد ساهمت عدة أسباب لتسهيل هذه الهيمنة على العراق بسبب فقدان الأخير لأبسط قدراته السيادية وضياع شخصيته الوطنية بعد إفراغه من هذه كلّها لا لشيء إلاّ‮ ‬من أجل قلب نظام الحكم ليس إلاّ،‮ ‬والذي‮ ‬اتخذته أمريكا ومَن في‮ ‬طورها هدفًا وطبّقته شعارًا ونفّذته نهجًا من دون وضع خارطة واضحة لإعادة تشكيل البلاد بعد إسقاط نظام الحكم السابق وتغييره نحو الأفضل وفق الديمقراطية المصدّرة كذبًا وخداعًا ونفاقًا‮.  ‬
ولعلّ‮ ‬من الأسباب التي‮ ‬تهيأت للغازي‮ ‬الأمريكي‮ ‬لانتهاج مثل هذا السلوك‮ ‬غير الناضج بعد تنفيذ الهدف الأسمى بإسقاط النظام السابق وخروج الموقف عن السيطرة بدأت مؤخرًا بالوضوح في‮ ‬الأفق وسوف تكشفها الأيام لاحقا حين إماطة اللثام عن وثائق ومراسلات وتسريبات بدأت بالتوارد‮ ‬يومًا بعد آخر‮. ‬وهذا ما تفسرُه تحليلات سياسية وما‮ ‬يراه مراقبون حول واقع حال المنطقة في‮ ‬الوقت الراهن‮. ‬فالخشية من سلوك إيران الاستفزازي‮ ‬في‮ ‬المنطقة ومن مغامراتها التي‮ ‬تجاوزت المعقول تبدو واحدة من هذه الأسباب التي‮ ‬تدمغ‮ ‬هذا الواقع المرير،‮ ‬بعد أن حوّلت عموم المنطقة إلى مستنقع للترسانة الدولية من مختلف الأسلحة والتي‮ ‬زادت من أشكال التوتر الدولي‮. ‬كما‮ ‬يأتي‮ ‬الخوف الأمريكي‮ ‬والدولي‮ ‬معًا من إمكانية استخدام النظام الإيراني‮ ‬لترسانته العسكرية والصاروخية والتقدم المنجز في‮ ‬حلمه النووي‮ ‬والتي‮ ‬يلوّح بها قادتُه العسكريون والأمنيون علانية ومن دون تحفّظ بمناسبة وبدون مناسبة بعد أن ضمن هذا النظام سهولةَ‮ ‬توزيع أسلحته القتالية المتطورة في‮ ‬أراضي‮ ‬الهلال الذي‮ ‬هيمن عليه تحت بصر ونظر الراعي‮ ‬السياسي‮ ‬الأول وحلفائه من دون القيام بما‮ ‬يليق به من ردّ‮ ‬وردعٍ‮ ‬أمميّن للتقليل من المخاطر المتوقعة في‮ ‬حال خروج الأمور عن نصابها‮. ‬وآخرها كميّة الصواريخ التي‮ ‬أطلقتها مؤخرًا‮ "‬حماس‮" ‬الموالية لإيران ضدّ‮ ‬اسرائيل في‮ ‬عربدتها الأخيرة والتي‮ ‬تطايرت في‮ ‬سمائها كأسراب الطيور المهاجرة‮. ‬
وهذا ممّا خلقَ‮ ‬أشبه ما‮ ‬يكون بفوبيا عالمية حيال النظام الثيوقراطي‮ ‬الذي‮ ‬يحكم هذه البلاد بقبضة الوليّ‮ ‬الحديدية ويسعى لنشر أيديولوجيته في‮ ‬دول المنطقة وخارجها بوسائله وعبر ذيوله وأتباعه‮. ‬لذا من الواضح أنّ‮ ‬قدرات هذا النظام التوسعية لم‮ ‬يكن لها أن تتشعب وتتمدّد لولا الضوء الأخضر وأساليب المهادنة والتساهل من جانب القوة العظمى ومّن‮ ‬يدور في‮ ‬فلكها،‮ ‬أيًا كانت أسباب أو مبررّات هذه الجهة أو تلك‮.  ‬
لذا،‮ ‬يبدو أن أسلوب السياسة‮ "‬الناعمة‮" ‬التي‮ ‬أعلنتها إدارة‮ "‬بايدن‮" ‬في‮ ‬حملته الانتخابية وما بعد فوزه في‮ ‬أكثر من مناسبة للتعامل مع الملفات العديدة في‮ ‬المنطقة وبالذات مع الجارة الشرقية للعراق سوف لن‮ ‬يأتي‮ ‬بنتائج مجدية،‮ ‬كما تشير الوقائع وتشهدُه الأحداث‮. ‬
بل إنّ‮ ‬مصلحة أمريكا العليا سوف تلحقها أضرارٌ‮ ‬بالغة نتيجة انسلال خيوط مهمة وعديدة عن النسيج العام الذي‮ ‬طبع حقبة هيمنتها على دول المنطقة‮. ‬
إلاّ‮ ‬أللّهمّ‮ ‬في‮ ‬حالة تقريرها إجراء تغيير شاملٍ‮ ‬في‮ ‬استراتيجيتها للخروج نهائيًا عن مصالحها القومية وترك إدارة سياسة المنطقة لغيرها من الدول التي‮ ‬بدأت بشائرُ‮ ‬هيبتها بالبروز كقوى اقتصادية مؤثرة دوليًا،‮ ‬ولاسيّما الصين وغريمتها التقليدية روسيا‮. ‬
فالعالم‮ ‬يترقب قرب تربع التنين الصيني‮ ‬على قيادة العالم اقتصاديًا خلال أعوامٍ‮ ‬قليلات إذا ما سارت الأمور حثيثًا في‮ ‬صالحها مقابل تراجع الهيمنة الأمريكية وخفوت تأثيرها وهيبتها بفعل ضعف إداراة هذه الأخيرة وفقدان القدرة على فرض سياساتها وشخصيتها كما اعتادت منذ خروجها منتصرة في‮ ‬الحرب الكونية الثانية وتفرّدها بسياسة القطب الواحد في‮ ‬توجيه العالم لعقودٍ‮ ‬عديداتٍ‮ ‬وفق مقاساتها ومصالحها بعد زوال الاتحاد السوفيتي‮ ‬غريمها التقليديٍ‮. ‬وفي‮ ‬حالة التحاق الروس بقطار عقد اتفاقات استراتيجية مع دول المنطقة،‮ ‬وبالذات مع إيران،‮ ‬فسيكون ذلك مسمارًا إضافيًا آخر‮ ‬يُدقّ‮ ‬في‮ ‬نعش الهيمنة الأميركية على منطقة الشرق الأوسط وفي‮ ‬نهج تراجع مصالحها فيها وانتهاء صورتها الاستثنائية المهيمنة التي‮ ‬طبعت وجه الكرة الأرضية لعقود وعهود حديثة‮. ‬وهذا ما‮ ‬يفسّرُ‮ ‬منذ سنواتٍ‮ ‬رغبةَ‮ ‬الإدارة الأمريكية بتقليل تواجدها في‮ ‬منطقة الشرق الأوسط إلى أدنى مستوياته‮. ‬إلاّ‮ ‬أللّهمَّ‮ ‬في‮ ‬حالة عودة الصقور إلى المشهد السياسي‮ ‬من أجل إعادة هيبة أميركا إلى الواجهة الدولية وقلب الموازين القائمة والمباشرة فعليًا في‮ ‬إعادة تحديد الأولويات الاستراتيجية نحو طريق إحداث تغيير جذريّ‮ ‬في‮ ‬السياسة العامة التقليدية الإيجابية وترك منهج الدبلوماسية الناعمة وسياسة القطّ‮ ‬والفأر التي‮ ‬لا ولن تُؤتي‮ ‬ثمارها مادام الطرف المعني‮ ‬المؤدلج مذهبيًا لا‮ ‬يؤمن بسياسة الحوار والتفاهم والتنازل‮. ‬وهذه حالُ‮ ‬وطريقة التفكير لدى العنصر الشرقيّ،‮ ‬أفرادًا وأممًا ودولاً‮. ‬فهذه جميعًا لا‮ ‬ينفع معها إلاّ‮ ‬أسلوب الصدمات الجريئة التي‮ ‬تقطع وتبتر وتنزع بالقوّة في‮ ‬حالة اقتضى الأمر القيام بالتغيير الجذري،‮ ‬تمامًا كما حصل مع العراق حين تقرير‮ ‬غزوه للخلاص من النظام السابق‮. ‬ولكن من المؤسف حصول ذلك بعنجهية تدميرية قاتلة،‮ ‬بغياب خارطة طريق واضحة تُعيدُ‮ ‬الأمور إلى نصابها وتحقّق لعموم الشعب العراقيّ‮ ‬ما كان‮ ‬ينتظرُه من ديمقراطية حقيقية‮ ‬غير مزيفة ومن حياة مرفهة هي‮ ‬من حقه بعد زمن القهر والظلم وعقود الحروب المدمّرة واستغلال الكرامة لمنافع شخصية وعائلية وعشائرية وفئوية‮. ‬
مطلوب صحوة أمريكية قومية
في‮ ‬ضوء هذه الوقائع وإزاء السلوكيات المتراخية وغير العقلانية في‮ ‬إدارة الملف العراقي،‮ ‬لا بدّ‮ ‬للسياسة الأمريكية أن تكون أكثر صرامة وحذرًا في‮ ‬التعامل مع ما‮ ‬يجري‮ ‬من ضياع فرصٍ‮ ‬ونهب ثروات وهدر أموالٍ‮ ‬وتشتّتِ‮ ‬حياة ملايين العراقيين وتزايد فقرهم واستمرار نزيف هجرتهم بسبب هيمنة قيادة الجارة‮ "‬المقدسة‮" ‬على سياسته وإدارة شؤونه عبر مواليها الولائيين الذين لا تهمّهم مصلحة العراق وعودته إلى محيطه العربي‮ ‬الطبيعيّ‮. ‬فهل ستصحو الإدارة الأمريكية في‮ ‬عهد‮ "‬بايدن‮" ‬بعد انقضاء فترة المائة‮ ‬يومٍ‮ ‬من عهده بعد الذي‮ ‬كشفته الأحداث وتحدّثَ‮ ‬به الواقع من استمرار التجاوز على هيبتها في‮ ‬المنطقة من قبل إيران بالعمل على إعادة الأمور إلى نصابها والعودة بها للالتزام بالاتفاقية النـــــــووية من دون‮ ‬غطرسة ولا استغلال لضعف الغرب الأوربي؟ حينها فقط،‮ ‬وعندما تُلجم سياسة إيران الاستفزازية والتسلطية على قرار دول الهلال الشيعي،‮ ‬يمكن توجيه القطار العراقي‮ ‬الضالّ‮ ‬إلى ميناء الأمن والاستقرار والسلام تحت راية وطن واحد ذي‮ ‬سيادة وهيبة واستقلالية،‮ ‬مؤمنًا بمبدأ التعايش السلمي‮ ‬وتقاسم الثروات وطنيًا بعدالة ومساواة ووضع الرجل المناسب في‮ ‬المكان المناسب في‮ ‬قريب الموسم الانتخابي‮ ‬القادم‮! ‬فمازالت شرائح كبيرة من الشعب العراقي‮ ‬تؤمن بضرورة بقاء وتواجد وتدخُّل قدرات أجنبية من أجل إحداث التغيير الجذري‮ ‬في‮ ‬المنظومة السياسية الفاشلة بسبب فسادها وهزالة إدارتها وفقدانها للإرادة الوطنية الصادقة التي‮ ‬تضمن مواصلة الحياة الطبيعية مثل سائر شعوب المنطقة وإعادة الاستقرار للشارع الثائر المطالِب بحقّه بوطن مفقود،‮ ‬إلاّ‮ ‬ممَّن فقدوا صلة الرحم بالوطن وباعوا أنفسَهم ذيولاً‮ ‬أذلاّءَ‮ ‬للدخيل والغريب الطامع لفسح المجال لهذا الأخير للتغوّل على المنطقة والتدخل في‮ ‬ملفات دولها وفي‮ ‬شؤونها العروبية‮. ‬
وبغير هذا وذاك،‮ ‬تكون الحكومة الأمريكية قد اقترفت أخطاءً‮ ‬جسيمة وترتبت عليها خطيئة كبرى أخرى مضافة لعظيم خطاياها‮. ‬وما أكثرها في‮ ‬العراق خصوصًا‮! ‬كما أن أميركا بثقلها الدولي،‮ ‬في‮ ‬حالة عدم تقويم الأمور بما تستلزمُه العدالة السماوية بالحفاظ على وجه بلاد الرافدين الحضاري‮ ‬والثقافي‮ ‬التاريخيين المتميّزين ووفق ما‮ ‬يستحقه الشعب العراقي‮ ‬المظلوم من حقٍ‮ ‬بالسيادة على موارده وقراره السياسيّ‮ ‬عبر تغيير جذريّ‮ ‬مدعومٍ‮ ‬من المجتمع الدولي‮ ‬الصادق في‮ ‬سلوكياته الأخلاقية بحيث‮ ‬يضمنُ‮ ‬حقوقًا عادلة وحالةً‮ ‬من الاستقرار النفسي‮ ‬والجسدي‮ ‬والمجتمعيّ‮ ‬بسبب خطيئة‮ ‬غزوها له في‮ ‬2003‮ ‬تكون قد خسرت في‮ ‬مقامرتها الدولية‮ ‬غير المحسوبة بحكمة واستحقت لعنة التعاسة التاريخية من أبناء سومر وأكد وبابل وآشور الأصلاء لغاية‮ ‬يومنا هذا‮.‬
فالعراق كان وسيظلّ‮ ‬صمّام أمان المنطقة وواحدًا من كبار ساداتها،‮ ‬شاء العذول أم احتجّ‮. ‬فكلٌّ‮ ‬ما هو مطلوب،‮ ‬الخروج عن شرنقة الدول التي‮ ‬تستبيح أرضه وشعبَه وتسطو على قراره وثرواته بغير حق بسبب تهاون المجتمع الدولي،‮ ‬وبالذات أميركا الغازية التي‮ ‬ستلحقها لعنة العراقيين وكلّ‮ ‬شريف صادق في‮ ‬العالم وليس مَن‮ ‬يجامل وينبطح‮ "‬تقية‮" ‬وإذلالاً‮. ‬
كما أنّ‮ ‬العراقيين ليس في‮ ‬جعبتهم معاداة أحد،‮ ‬ولا قطع العلاقات مع أحد،‮ ‬بل إنمّا التعايش وفق مقاييس شرعة حقوق الإنسان وقيم الاحترام المشترك بغرض الخروج من أزماتهم الكثيرة الخانقة التي‮ ‬أوقعهم فيها الغازي‮ ‬الأمريكي‮ ‬ومَن أتى بهم لاستباحة البلاد والعباد بغير حكمة ولا وجه حقّ‮. ‬
وهذا لن‮ ‬يتمّ‮ ‬من دون تغيير المنظومة السياسية القائمة وتعديل نظامها الحاكم الذي‮ ‬أثبت فشله في‮ ‬إدارة البلاد،‮ ‬وبالانفتاح المتبادل مع المحيط العربي‮ ‬كخطوة أولية مأمولة نحو مثل هذا التغيير الإيجابي‮ ‬المنتظر تفاديًا لأية مزالق خطيرة قد تجرّ‮ ‬المنطـقة بأسرها إلى نزاعات وصراعات لا تُحــــــمدُ‮ ‬عقباها‮.‬
وإلى حين تحقيق المرتجى المأمول في‮ ‬الانتخابات المقبلة ببلوغ‮ ‬عقد اجتماعي‮ ‬وسياسي‮ ‬جديد وبتشكيلة مغايرة للمنظومة السياسية الفاشلة القائمة منذ‮ ‬2003‮ ‬وبنظام رئاسي‮ ‬وليس برلمانيّ‮ ‬متحاصص بغيض،‮ ‬يبقى الترقب ماثلاً‮ ‬للأحداث بما‮ ‬يمكن حصولُه من مفاجآت وتغييرات وتطورات‮.‬

عدد المشـاهدات 51   تاريخ الإضافـة 15/09/2021   رقم المحتوى 54483
تواصل معنا
 009647901107676
 azzaman_iraq@yahoo.com
الجمعة 2021/9/24   توقيـت بغداد
تابعنا على