الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فينوس فائق: سيرة وجع.. من الذاكرة الكوردية إلى الحكاية الإنسانية


فينوس فائق: سيرة وجع.. من الذاكرة الكوردية إلى الحكاية الإنسانية

رامي فارس

 

تعد رواية "سيرة وجع" الأولى باللغة العربية للشاعرة والأديبة الكوردية فينوس فائق والصادرة حديثاً عن دار قناديل في بغداد.

عُرفت فائق بتجربتها الشعرية ولغتها الرقيقة، وقدرتها على توظيف أدواتها اللغوية وخلفيتها الأكاديمية في بناء نص روائي تتداخل فيه التجربة الإنسانية مع الذاكرة والتاريخ والأسئلة الوجودية.

وتأتي الرواية امتداداً لتجربتها الأدبية، بعدما سبق لها أن نشرت روايتين باللغة الكوردية، إلى جانب دواوين شعرية صدرت باللغتين الكوردية والعربية ليقف  القارئ في "سيرة وجع" أمام عنوان ذي دلالات نفسية ورمزية، وبناء سردي ينطلق من تجربة إنسانية قاسية، تتقاطع فيها الذاكرة الشخصية مع تاريخ شعب عاش عقوداً من القمع والاضطهاد.

في هذا الحوار، نقترب من تجربة فينوس فائق الروائية الأولى باللغة العربية، ونتوقف عند مضامين العمل، وفلسفة عنوانه، وعلاقته بالذاكرة الشخصية والجمعية، فضلاً عن حضور الشعر والفلسفة في بنائه السردي....

لماذا "سيرة وجع"؟

لم يكن اختيار عنوان "سيرة وجع"  أمراً عابراً بالنسبة إلى فائق، إذ ترى أن اختيار عنوان العمل يمثل واحدة من أصعب مراحل الكتابة، لأنه ينبغي أن يكون قادراً على اختزال روح النص والإيحاء بمضمونه.

وتوضح أن "أصعب وأهم جزئية بعد إنجاز نص شعري أو روائي، على الأقل بالنسبة لي، هي اختيار عنوان يليق بالنص، وببطل أو بطلة الرواية، أو بالقيمة التاريخية لأحداث العمل".

وتتوقف عند مفهوم "الوجع"، معتبرة أنه لا يقتصر على الألم الجسدي الذي يمكن تحديد أسبابه، وإنما يمتد إلى مساحات أكثر اتساعاً، تشمل الوجع النفسي والمعنوي، ووجع الذاكرة والفقد والخذلان، وصولاً إلى «وجع وطن يخذلك».

ومن هنا، كما تقول، اكتسبت كلمة "سيرة" أهميتها؛ لأنها تمنح الوجع مساراً زمنياً وملامح مرتبطة بحياة الإنسان ومراحله وذاكرته.

وتوضح أن الوجع في الرواية "لا يعود حالة عابرة، بل يصبح جزءاً لا يتجزأ من سيرة الإنسان".

مشيرة إلى أن العنوان جاء منسجماً مع مضمون النص وبنيته السردية.

وتقول: "من هنا جاءت التسمية؛ فالعنوان يوحي بمضمون النص وتجد انعكاسه على البناء العام للسرد. وأنت تقرأ الرواية تشعر بعمق المأساة، وبما أن الرواية هي سيرة البطلة، فمن الطبيعي أن تكون سيرة وجع تمثل في النهاية وجع مجتمع بأكمله".

عنوان واحد لروايتين

بعد صدور الرواية، اكتشفت فائق وجود عمل روائي للكاتب السوداني أمير تاج السر يحمل العنوان ذاته، وهي مصادفة لم تكن على علم بها قبل نشر روايتها.

وتقول أن "الأمر انكشف لها بعد نشر خبر الرواية على صفحتها في فيسبوك، حين نبهها أحد الأصدقاء إلى وجود الرواية الأخرى، الأمر الذي دفعها إلى البحث عنها عبر «غوغل» والاطلاع على مضمونها وثيمتها الأساسية".

وتؤكد فائق أنها "لو كانت تعرف مسبقاً بوجود رواية تحمل العنوان نفسه، "لربما عمدت إلى تغيير العنوان".

لكنها، بعد اطلاعها على العمل الآخر، وجدت اختلافاً كبيراً بين الروايتين من حيث القصة والأحداث والمضمون.

وتوضح أن "رواية أمير تاج السر هي سيرة شخصية للكاتب نفسه، وتجربته بوصفه طبيباً انتقل بحكم عمله إلى منطقة بعيدة على الحدود السودانية الإريترية، حيث يرصد المكان والناس المقيمين فيه".

أما روايتها، فهي "مختلفة جذرياً رغم تشابه الاسم، فهي لا تتناول سيرتها الشخصية، وإنما سيرة بطلة أخرى، وتحمل أبعاداً سياسية وقومية، إلى جانب جوانب اجتماعية تتصل بحياة شعب مضطهد سياسياً في ظل حكم مستبد".

وتقول إن "العمل يمثل توثيقاً لسيرة بطلة تعرضت لشتى أنواع التعذيب في سجن «أبو غريب» وما ترتب على ذلك من تداعيات لاحقة، فضلاً عن توثيق جانب من تاريخ الشعب الكوردي".

وبذلك، ترى فائق أن التشابه بين الروايتين لا يتجاوز العنوان، بينما يختلف العملان في المضمون والسرد الروائي.

من الذاكرة الشخصية إلى الصوت الجمعي

وتتجاوز الرواية حدود التجربة الفردية لتطرح سؤال الذاكرة، وما إذا كانت "سيرة وجع" تمثل توثيقاً لذاكرة شخصية بحتة، أم أنها تتحول إلى صوت جمعي لمعاناة عاشها مجتمع بأكمله.

وتؤكد فائق أن "الرواية هي في الأساس توثيق لذاكرة شخصية، لكنها في الوقت ذاته تمثل نموذجاً لقصص ومآسٍ حدثت في تلك المرحلة الحالكة من تاريخ كوردستان".

وترى أن "بطلة الرواية لا تمثل تجربتها وحدها، وإنما تمثل كل من عانى مثلها في ذلك الزمن، لتتحول الحكاية إلى صوت جمعي لمعاناة بقيت، بسبب حساسيتها، بعيدة عن التناول".

وتقول إن "الرواية تمثل صوتاً جمعياً لمعاناة لم تعشها بنفسها، لكنها عاشت آثارها بحكم كونها جزءاً من ذلك الواقع في الماضي، فضلاً عن قربها من البطلة الحقيقية وقصتها التي تركت أثراً نفسياً عميقاً فيها".

وتشير إلى أن "قصة الرواية ظلت ملتصقة بها طوال سنوات، وكأنها كانت مصابة بمصاب البطلة الحقيقية، التي كانت تعرفها شخصياً، وهو ما دفعها في النهاية إلى كتابة قصتها، في محاولة للشفاء من أثرها".

وتضيف أن "الكتابة في مثل هذه الحالة تصبح محاولة لرتق الشقوق التي أحدثها ذلك التاريخ في الأرواح، قبل أن تختصر علاقتها بهذه التجربة بعبارة واضحة: "كنت أحمل هذا الوجع سنين طوال، إلى أن قررت أن أحوله إلى رواية، علني أشفى منها".

حين تدخل الشاعرة إلى فضاء الرواية

وبحكم حضور الشعر في تجربة فينوس فائق، يبرز سؤال آخر يتعلق بكيفية انتقال أدوات الشاعرة إلى البناء الروائي، خصوصاً أن الرواية تقوم على التفاصيل والصور والإيحاءات النفسية.

وترى فائق أن الشعر ليس مجرد لغة جميلة، وإنما «طريقة لرؤية العالم والتعمق في التفاصيل من حولنا»، وهو ما يمكن للشاعر أن يحمله معه إلى الرواية دون أن يحول النص إلى قصيدة.

وتوضح أن "الشاعر يقف طويلاً أمام تفاصيل قد تبدو صغيرة أو عابرة للإنسان العادي، مثل غمزة عين، أو رجفة يد، أو حركة قدم، أو رائحة أو لون، لكنه يمنحها من خلال حساسيته الشعرية دلالات نفسية ورمزية أعمق".

ومن هنا تؤكد الكاتبة فينوس فائق أن "التفاصيل الصغيرة تتحول داخل البناء الروائي إلى إشارات تحمل معاني تتجاوز ظاهرها، وهو ما يسمح للشعر بأن يحضر في الرواية بوصفه طريقة في النظر، وليس مجرد أسلوب لغوي".

الفلسفة.. أسئلة تعمل من تحت السرد

ولا تقتصر أدوات فائق في بناء روايتها على الشعر، إذ تحضر خلفيتها الأكاديمية في الفلسفة من خلال مجموعة من الأسئلة التي تتصل بالإنسان والحرية والوجود والمعنى.

وتقول إنها "استفادت كثيراً من دراستها للفلسفة في معالجة أسئلة مصيرية، من بينها: كيف يمكن للإنسان أن يستمر في الحياة بعد تجارب تحطمه وتدمره نفسياً وإنسانياً ووجودياً؟ وكيف يمكن لتجارب لم يعشها الإنسان بنفسه أن تترك آثارها في مستقبله وقراراته؟ وكيف يستطيع أن يكون حراً في ظروف قاسية تسلبه حق الاختيار؟ وكيف يمنح وجوده معنى عندما يفقد أبسط مقوماته الإنسانية والقومية على أرضه؟ ".

وتؤكد أن "الفلسفة في روايتي لا تظهر بشكل مباشر، بل تعمل من تحت البنية الروائية، لتتجسد في التفاصيل الإنسانية ومصائر الشخصيات وهواجسها".

وهكذا تلتقي في "سيرة وجع" تجربة الشاعرة مع أسئلة الفيلسوفة وذاكرة الإنسان الذي يحمل أثراً لتاريخ قاسٍ، لتتحول الكتابة في النهاية إلى محاولة لاستعادة ما تركته التجربة من ندوب، وتحويل الوجع الشخصي إلى حكاية تتسع لتصبح ذاكرة جماعية.

فينوس فائق.. تحولات الغربة والمهجر

وعن تجسيد مشاعر الغربة والحنين، وتأثير الاستقرار في المهجر في ثنايا "سيرة وجع"، وما إذا كان المنفى قد شكّل بالنسبة إليها مكانًا للجرح أم فضاءً للمراجعة والتأمل، تقول فينوس فائق إن انتقالها واستقرارها في هولندا لم يكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل مثّل تحولًا في علاقتها بذاكرتها وذاتها، وكذلك بالمكان الذي تركته وراءها.

وتوضح فائق أن "سيرة وجع لا تتعامل مع الماضي بوصفه زمنًا انتهى، وإنما تستحضره باعتباره حاضرًا ومستمرًا في الذاكرة، وفي الأسئلة التي لم تجد لها أجوبة حتى الآن".

وترى أن "الغربة في هولندا لا تقتصر على الابتعاد الجغرافي عن الوطن، وإنما تمتد إلى الابتعاد عن لغة الأم والأمكنة التي شهدت الطفولة والصبا، وتلك التي تشكلت فيها الذاكرة. وتقول إن المغترب يواجه نوعًا من الغربة المكانية، لكنه في الوقت نفسه يعيش انقطاعًا عن بيئته الإنسانية والثقافية الأولى".

وبالنسبة إلى فائق، يمكن للمنفى أن يكون "مكانًا للجرح وفضاءً للمراجعة والتأمل في آن واحد". ففي المنفى، بحسب رأيها، يفقد الإنسان الكثير، لكنه يكتسب في المقابل أشياء أخرى؛ إذ يفقد المكان الذي تشكلت فيه ذاكرته، وعلاقاته ومحيطه الإنساني، والبيئة الثقافية التي عاش فيها، وهو ما يخلق شعورًا بالانقطاع عن الماضي ويقود أحيانًا إلى حالة من الكآبة.

من الذاكرة الكوردية إلى الحكاية الإنسانية

وعن حضور الذاكرة الجمعية الكوردية في «سيرة وجع»، ومدى قدرة الرواية على تمثيل المآسي التي عاشتها أجيال من الشعب الكوردي في العراق، تؤكد فينوس فائق أن الرواية جاءت كمحاولة لتوثيق جانب من هذه الذاكرة، من دون أن تدعي أنها أرشيف شامل لتاريخ الشعب الكوردي.

وتوضح أن ما حاولت القيام به هو "أن أمنح وجهًا وصوتًا ولونًا لتجربة إنسانية قاسية وموجعة"، وأن تحيي، ولو جزءًا بسيطًا، من تلك الذاكرة، بعيدًا عن لغة المؤرخ الذي يسرد وقائع القتل والتهجير والقمع والاستبداد وحملات الإبادة الجماعية.

وفي هذا السياق، اختارت فائق أن تقترب من المأساة من خلال تجربة شخصية، بدل الاكتفاء بسرد أحداثها التاريخية، موضحة: "حاولت أن أجعل القارئ يعيش المأساة من خلال قصة إنسانة عانت من تلك السياسة غير الإنسانية، وأقل ما يقال عنها إنها كانت سياسة غاشمة".

وترى أن الفرق يكمن في طبيعة التلقي؛ فالمؤرخ، بحسبها، يستطيع أن يروي كيف حدثت الجرائم والمآسي، بينما تحاول الرواية أن تجعل القارئ يعيش إحساس بطلة العمل من خلال قصتها الموجعة.

وتعتقد فائق أن مفتاح تحويل الألم الجمعي إلى نص إنساني يكمن في "الانتقال من سرد التاريخ إلى سرد مأساة الشخصية الرئيسية في الرواية"، بحيث تختصر هذه الشخصية، من خلال تجربتها، جانبًا من الأوجاع التي عاشها الشعب الكوردي.

أما مسألة وصول هذا الألم إلى القارئ غير الكوردي، فتصفها فائق بأنها مهمة ليست سهلة، خصوصًا أنها لم تكتب الرواية بهدف استدرار التعاطف أو القول للقارئ إن هذا هو ألم الكورد، وإنما حاولت، على حد تعبيرها، "أن أسحب القارئ إلى عمق الألم من خلال قصة واحدة، ليكتشف بنفسه ما لا يعرفه عن تاريخ الكورد".

وتضيف أن الطريق إلى وجدان القارئ غير الكوردي "يبدأ أو يمر بتفاصيل صغيرة ودقيقة"، إذ يستطيع القارئ أن يربط هذه التفاصيل ببعضها لتكتمل أمامه الصورة والمشهد الإنساني الموجع.

 

 

صحافي عراقي


مشاهدات 59
الكاتب رامي فارس
أضيف 2026/11/02 - 1:31 PM
آخر تحديث 2026/11/03 - 2:20 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 205 الشهر 4630 الكلي 16655164
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/11/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير