فرحة ممزوجة بالم الرحيل
احسان الباشي
كنت قد عقدت العزم على انهاء هذه السطور المتواضعة قبل بدء العام الدراسي الجديد، وهو عامي الاخير في جامعة واسط، كلية التربية للعلوم الانسانية، قسم التاريخ، كي يتسنى لي ارساله الى الصحف العراقية والمواقع الالكترونية المعتمدة، توثيقا وامتنانا لجهود من اشرت اليهم في مقالات سابقة. لكن الظروف شغلتني عنه، ولم اتمكن من اتمامه في الوقت الذي خططت له، حتى وجدت نفسي على اعتاب عام دراسي جديد، رايته هذه المرة مختلفا عن كل الاعوام السابقة.
لم اكن استقبل عاما دراسيا جديدا فحسب، بل كنت اقف على العتبة الاخيرة من حلم انتظرته طويلا.
المرحلة الرابعة…
العام الاخير…
كلمات تبدو بسيطة حين تقال، لكنها بالنسبة الى تختصر سنوات من الانتظار والتعب والاصرار، وحلما ظل يكبر في داخلي رغم كل الظروف.
عدت لايام الدراسة لاجلس في مقعدي الذي اعتدت الجلوس عليه طيلة الاعوام الثلاثة السابقة، وانا ادرك انني اصبحت قريبا جدا من النهاية.
وهنا تكمن المفارقة التي لا استطيع تجاوزها.
انا سعيد لانني وصلت، وحزين لان الوصول يعني ان الرحيل اصبح قريبا.
كم هو غريب هذا الشعور!
ان تنتظر شيئا طويلا، وحين تصل اليه، تكتشف انك لا تريد له ان ينتهي.
كنت اظن انني، عندما اصل الى المرحلة الاخيرة، ساكون في قمة الفرح، وساعد الايام والساعات حتى احصل على الشهادة واغادر الجامعة منتصرا، بعد ان حققت حلما طال انتظاره.
لكنني اكتشفت ان القلب لا يتعامل دائما بمنطق الحسابات، فله حساباته الخاصة، ومشاعره التي لا تخضع للمنطق وحده.
وها انا اليوم اجد نفسي متعلقا بمكان كنت اظن انني ساغادره بسهولة.
جامعة واسط، كلية التربية للعلوم الانسانية، وتحديدا قسم التاريخ، لم تكن بالنسبة الي مجرد بناية ومحاضرات وامتحانات وكتب.
كانت مساحة من العمر.
كانت حلما موجلا تحقق.
وكانت فرصة لاعيش شيئا تمنيت ان اعيشه منذ زمن بعيد؛ ان اكون طالبا جامعيا، اجلس في قاعة الدرس، وافتح كتابا، واستمع الى استاذ، واناقش واختلف واتعلم، ثم اعود الى البيت وانا احمل في راسي معرفة جديدة وفكرة تستحق التامل.
ربما يراها البعض تفاصيل عادية، اما انا فلم تكن تلك التفاصيل عادية أبدا.
كنت اعيشها كما يعيش الانسان هدية انتظرها طويلا، حتى اصبح الحصول عليها جزءا من حلمه.
ولهذا، فان فكرة ان هذا العام هو الاخير تولمني.
ليس لانني لا اريد التخرج، بل لانني احببت الطريق نفسه.
احببت التفاصيل، والايام، والبدايات.
واحيانا، يا لهذه "الاحيان"القاسية، نعشق بقاءنا في البدايات اكثر مما نحتفي بوصولنا الى النهايات.
في البداية، كان امامي وقت طويل.
كنت اقول لنفسي: ما زال هناك عام، ثم عام اخر،ثم اخر…
اما الان، فقد اصبح العام الاخير حقيقة اعيشها، لا مجرد فكرة موجلة.
وبعده لن يكون هناك عام خامس انتظر فيه المحاضرات، ولا جدول دراسي اترقبه، ولا امتحانات استعد لها، ولا قاعة اعود اليها وانا اقول في نفسي: ما زال امامي الكثير.
سيصبح كل ذلك ذكرى.
وربما لهذا السبب بدات التفت الى الاشياء الصغيرة التي كنت امر عليها دون ان امنحها حقها من الاهتمام.
صوت المحاضرة.
وجوه الزملاء.
احاديث الممرات.
الانتظار قبل الامتحان.
القلق من سوال قد يرد في ورقة الاسئلة.
والفرحة التي تاتي بعد انتهاء الامتحان.
حتى التعب، الذي ربما كنا نتذمر منه احيانا، ساشتاق اليه.
فالانسان لا يعرف قيمة بعض ايامه الا عندما تصبح جزءا من ماضيه، ولا يدرك احيانا كم كانت لحظاته جميلة الا حين يدرك انها لن تتكرر بالطريقة نفسها.
اما حلم التدريس،فله حكاية اخرى.
كنت اتمنى ان يكون التخرج بداية جديدة؛ ان احمل ما تعلمته في قسم التاريخ الى صف دراسي، وان اقف امام الطلبة لاشرح لهم التاريخ، لا بوصفه سنوات واسماء واحداث فحسب، بل بوصفه ذاكرة الشعوب، وسجلا لتجارب الامم، ودروسا تكشف اسباب صعودها وسقوطها، وتساعدنا على فهم الحاضر وتجنب اخطاء الماضي.
كنت اريد ان يكون ذلك امتدادا طبيعيا للحلم الذي سعيت اليه.
لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفينتي.
حدث ما حدث، وتغيرت بعض الاشياء، ولم تسر الحياة كما رسمتها في مخيلتي.
ومع ذلك، تعلمت مع الوقت ان الانسان لا يملك دائما اختيار شكل النهاية، لكنه يملك ان يقرر كيف ينظر الى ما حققه، وكيف يتعامل مع المسافة التي قطعها، مهما كانت الطريق شاقة.
وانا اخترت ان افرح.
نعم، سافرح.
سافرح لانني لم استسلم.
سافرح لانني وصلت.
سافرح لانني حققت حلما كان من الممكن ان تجعله الظروف مجرد امنية موجلة، لا تجد طريقها الى الواقع.
وحتى ان لم تات المرحلة التالية كما تمنيتها، فان ذلك لن ينتقص من قيمة ما انجزته، ولن يلغي فرحتي بما وصلت اليه.
فالاحلام لا تقاس دائما بما تمنحنا اياه بعد تحققها، بل بما تمنحنا اياه ونحن نسعى اليها؛ من قوة وصبر واصرار، ومن قدرة على اكتشاف انفسنا من جديد.
لقد اعاد الي هذا الحلم شيئا من نفسي.
وعلمني ان العمر، مهما تقدم، لا يستطيع وحده ان يمنع الانسان من البدء، وان بعض الاحلام، مهما تاخرت، تظل قادرة على طرق ابواب القلب من جديد.
لذلك قررت،حين ادخل الى الكلية، ساحاول الا افكر كثيرا في النهاية.
ساعيش يومي.
ساستمع الى المحاضرة.
سالتقي باساتذتي وزملائي.
ساجلس في مقعدي.
سافتح كتب التاريخ.
وساترك للذاكرة مهمة الاحتفاظ بكل شيء.
فربما ياتي يوم اجلس فيه بعيدا عن الجامعة، واستعيد هذه الايام، فابتسم واقول:
كنت هناك… وكنت سعيدا.
وربما اتذكر انني كنت املك عاما دراسيا كاملا، ومع ذلك كنت اتمنى لو ان الزمن يتوقف قليلا، كي امنح كل لحظة حقها من العيش، واحتفظ بكل تفصيل جميل قبل ان يتحول الى ذكرى.
لكن الزمن لا يتوقف لاحد.
البدايات تتحول الى نهايات، والنهايات تتحول الى ذكريات، والذكريات تصبح، مع مرور السنوات، جزءا من تكويننا، ومن الحكايات التي نحملها معنا اينما ذهبنا.
لذلك، لن اقاوم النهاية.
ساعيشها.
ساحزن قليلا…
وافرح كثيرا…
وساترك للروح حقها في التعلق بالمكان الذي احبته.
فانا لا اودع جامعة فحسب، بل اودع مرحلة من عمري؛ مرحلة حلمت بها طويلا، وحين جاءت عشت تفاصيلها بكل ما فيها من فرح وتعب وامل، وحين اقتربت نهايتها تمنيت لو انها تطول اكثر.
بدات عامي الاخير.
عام الوصول…
وعام الوداع.
عام الشهادة…
وعام الذكريات.
عام الفرح…
وعام وجع الروح.
لكنني سامضي.
فقد تعلمت من التاريخ، قبل ان اتعلم منه داخل الكتب، ان الزمن لا ينتظر احدا، وان لكل مرحلة نهاية، مهما حاولنا الاحتفاظ بها.
وساكتب في الصفحة الاولى من عامي الاخير:
"لا تحزن لان النهاية اقتربت…ابتسم لانك وصلت".
ثم امضي…
محملا بحلمي، وذكرياتي، وكل تلك اللحظات التي لن تعود، لكن اثرها سيبقى حيا في داخلي.
فبعض الاحلام، حين تتحقق، لا تنتهي…
بل تتحول الى جزء منا.
كلمة اخيرة…شكرا من القلب
الى الكادر التدريسي والاداري الفاضل في قسم التاريخ، اتقدم بخالص الشكر والتقدير على ما قدمتموه لنا من جهود علمية وانسانية، وعلى الاجواء الايجابية التي اسهمت في جعل هذه الرحلة الجامعية تجربة جميلة، لا نقترب من نهايتها الا ونشعر بشيء من الحزن على فراقها.
لقد كان لاساتذتنا دور في اثراء معرفتنا، وتوسيع افاق تفكيرنا، وتعزيز صلتنا بالتاريخ، بما يحمله من احداث وتجارب وعبر. وسيبقى لما قدموه من علم وجهد اثر طيب في نفوسنا وذاكرتنا.
والشكر موصول الى زملائنا الاحبة، الذين جمعتنا بهم مقاعد الدراسة وهدف مشترك، فكانوا رفاق رحلة تقاسمنا فيها القلق والفرح، والتعب والامل، وتركوا في نفوسنا اثرا طيبا سيبقى حاضرا في الذاكرة، وسنستعيده بكل محبة في قادم الايام.
فبعض المراحل تنتهي، لكن ما تتركه من ذكريات ومواقف ووجوه جميلة لا ينتهي…لانكم كنتم جزءا من حلم تحقق على ارض الواقع.
وان كان هذا العام هو عام الوداع، فسيبقى في ذاكرتي عام الوصول الى حلم طال انتظاره، وعاما ساحمل منه ما هو ابعد من الشهادة: ساحمل اثر المكان، وفضل الاساتذة، ورفقة الزملاء، وذكريات مرحلة ستظل عزيزة على قلبي ما حييت.