الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هسهسات ضوء الدكتور شعبان

← بواسطة azzaman

فم مفتوح .. فم مغلق

هسهسات ضوء الدكتور شعبان

زيد الحلي

 

امتناني العالي للكاتب والمفكر الدكتور عبد الحسين شعبان، الذي أتاح لي، عبر كتابه الجديد، فرصة اللقاء بنحو أربعين قامة أدبية وثقافية وفكرية، وجعلهم ضيوفاً معززين مكرمين في بيتي، فدخلت إلى عوالمهم، وتجولت في حدائق أفكارهم، وأبحرت في رؤاهم وتجاربهم، وخرجت من تلك اللقاءات الورقية أكثر إعجاباً بسجاياهم، وأعمق تقديراً لعطائهم، وكأنني لم أقرأ كتاباً، بل حضرت مجلساً ثقافياً عراقياً امتد عبر أجيال من الإبداع والمعرفة.

ضيوف من طراز رفيع، ينتمون إلى اتجاهات ومدارس فكرية وأدبية وفنية متعددة، يمثلون خارطة واسعة لحقول المعرفة والشعر والثقافة والفن والأدب والسياسة، من بينهم أحمد الصافي النجفي، وبدر شاكر السياب، وبلند الحيدري، وحميد سعيد، وسعدي يوسف، ومحمد مهدي الجواهري، ومظفر النواب، وشمران الياسري «أبو كاطع»، وشريف الربيعي، وخير الدين حسيب، وروفائيل بطي، وحسين جميل، وأحمد الحبوبي، وسعد صالح، وشيرزاد النجار، والفنانة ناهدة الرماح، وغيرهم من الأسماء التي تركت بصماتها في الذاكرة العراقية.هذه الأسماء ليست مجرد شخصيات عبرت في تاريخنا الثقافي، بل هي علامات مضيئة في مسيرة الإبداع العراقي، لكل منها حكاية، ولكل حكاية وجعها وجمالها، ولكل تجربة ما يستحق التأمل وإعادة القراءة.

لقد قدمها الدكتور شعبان في كتابه «هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية» في عمل ثقافي جامع، أقرب إلى حديقة فكرية شذية الأريج، أو بانوراما إنسانية واسعة تستعيد ملامح شخصيات أسهمت في تشكيل الوعي الثقافي العراقي الحديث.

فالكتاب، كما وجدته، ليس مجرد سير لشخصيات أدبية وفكرية، ولا استعراضاً لأسماء صنعت شهرتها في ميادين الإبداع، بل هو، في جانب مهم منه، خريطة لوجع العراق وجماله، لذاكرته وانكساراته، ولعلاقة المثقف بوطنه، حين يصبح السجن أكثر حضوراً من الحرية، والمنفى أكثر اتساعاً من الوطن، وتتحول الكلمة إلى موقف قد يدفع صاحبها ثمنه من حريته وراحته واستقراره. وما أكثر ما دفع المثقف العراقي من أثمان باهظة بسبب رأي لم يتراجع عنه، أو قصيدة لم يتنكر لها، أو موقف اختار فيه أن ينحاز إلى ضميره، حتى لو وجد نفسه وحيداً في مواجهة الريح!

بعد أن فرغت من قراءة الكتاب خلال ليلتين، شعرت بأنني أمام عمل يستحق وقفة تأمل، ففي مشهدنا الثقافي المعاصر تتوالى الإصدارات وتتعدد العناوين، غير أن قليلاً منها يترك أثراً عميقاً في الذاكرة، وقليلاً منها يستطيع أن يجمع بين متعة السرد ورصانة البحث، وأن يختزل جانباً واسعاً من ذاكرة وطن إبداعية بين دفتي كتاب.

من هنا، أجد أن «هسهسات الضوء» يمثل إضافة نوعية للمكتبة الثقافية العراقية والعربية، ومأدبة فكرية عامر تجمع تحت سقفها قامات بارزة في شتى صنوف المعرفة والفن والجمال.

ولعل ما يمنح هذا العمل خصوصيته هو ذلك التنوع المدهش في الشخصيات التي تناولها المؤلف، إذ لم يحصر اهتمامه في مدرسة أدبية واحدة، أو اتجاه فكري محدد، ولم يجعل من الاختلاف السياسي أو الفكري حاجزاً يحول دون الاعتراف بقيمة الإبداع وأصحابه.

وثمة جانب آخر استوقفني، هو أن الدكتور شعبان لم يتعامل مع الشخصيات بوصفها تماثيل منصوبة في متحف الثقافة، لا يجوز الاقتراب منها إلا بالإعجاب والتبجيل، بل سعى إلى تقديمها في سياقاتها الإنسانية والفكرية، بما يفتح الباب أمام التساؤل والمراجعة وإعادة التقييم.

إن كتاب «هسهسات الضوء» يذكرنا بمسؤولية المؤسسات الثقافية والجامعات ودور النشر ووسائل الإعلام في صيانة هذا الإرث، وتقديمه إلى الأجيال الجديدة، بعيداً عن الانتقائية والنسيان والتصنيفات الضيقة.

ولا يمكنني الإشادة بهذا المنجز دون التوقف عند النزاهة الفكرية والجرأة النقدية اللتين سعى مؤلف الكتاب  إلى اعتمادهما.

وأخيراً، أقول إنني حين أغلقت الصفحة الأخيرة من «هسهسات الضوء» لم أشعر بأنني ودعت أربعين مبدعاً، بل أحسست بأنني تركتهم في مكتبتي أحياءً، يتحاورون ويتجادلون وينشدون ويكتبون، ويذكرونني بأن المبدع الحقيقي قد يغادر الحياة، لكن الضوء الذي يتركه لا يعرف الغياب.

وهكذا أدركت أن الدكتور شعبان لم يكتب عن الضوء وحده، بل أنقذ من عتمة النسيان شيئاً من ذاكرة العراق المضيئة.

Z_alhilly@yahoo.com


مشاهدات 41
الكاتب زيد الحلي
أضيف 2026/10/31 - 1:08 PM
آخر تحديث 2026/11/01 - 1:32 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1356 الشهر 1356 الكلي 16651890
الوقت الآن
الأحد 2026/11/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير