الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الدبلوماسية إرث عريق من الثروة الفكرية لمام جلال

← بواسطة azzaman

الدبلوماسية إرث عريق من الثروة الفكرية لمام جلال

بارزان الشيخ عثمان

 

رغم كل الصعاب التي تواجهني في النواحي العدة ،إلا أنني  لا اسمح لنفسي ان يمر يوم واحد دون ان أذكر أسم الرئيس مامجلال و التصفحُ في الصفحاتِ المضيئةِ لأكثرَ من خمسةٍ وستينَ عاماً من تاريخِ نضالِهِ المشرقِ  و عطاءاته الثمينة من  ثروته الفكرية  و النضالية .   

 

      لو نشبّه  إرث أفكار  مامجلال بالمحيط لاتساعها وعمقها وتفرعها،  فاليوم اختار  ( قطرة ) واحدة   من هذا المحيط الفكري للتركيز عليها وفهمها، إلا و هي الدبلوماسية .

على الرغم من تمسكه بكافة الأنماط و القنوات النضالية ، كان مامجلال يعتبر النضال الدبلوماسي  احدى الركائز لتحقيق طموحات الشعب  العراقي و نضاله الديمقراطي  . و حقاً كان فخامته مهندساً بارعاً و متفوقاً على صعيد الكردستاني، العراقي ، الإقليمي و الدولي في هذا المحيط النضالي .  حيث  ادرك   منذ بداية نضاله السياسي  مثل سلفه الأستاذ إبراهيم أحمد  ، ان  لفت أنظار  الآخرين إلى القضية الكردية يحتاج إلى  فتح قنوات الاتصال و التقارب مع القوى السياسية العراقية و الإقليمية  و حتى العالمية .  لذلك نرى ان سيادته تمكن من  بناء  أول  دعائم هذا الجسر  خلال مشاركته كممثل لطلاب كردستان العراق  في المؤتمر التأسيسي الأول لطلبة العراق   في بغداد المعروف ب (مؤتمر السباع)، و بعد ذلك  فُتِحَتْ  أَمامَهُ آفاقٌ و طرق  لتمديد هذا الجسر في العلاقات و القفز بها إلى خارج المنطقة من اجل حشد التأييد  و الدعم  العالمي لا للقضية الكردية فحسب بل القضية العراقية بشكل عام.  فسافر في عام 1955 إلى وارسو    للمشاركة في مهرجان الشباب العالمي  و من هناك التقى بكبار  الساسة و من هناك سنحت له الفرصة ان تسافر إلى  موسكو و الصين   و تحقق مامجلال  في هذه الرحلة الدبلوماسية و السياسية نجاحاً ملموساً في كسب التأييد للقضية الكردية و العراقية.   و في عام 1957 ايضاً شارك في المهرجان  العالمي للشباب في موسكو  ، و استطاع في   كلا التجمعين  العالمين ان  يحشد تأييدا قوياً  واسعاً و اعتراف  الأحزاب السياسية من خلال وفود شبيبتها بالقضية الكردية في العراق و  و الاعتراف بحصول الشعب  الكردي على حقه في تقرير المصير.

وبعد هذه التجربة الناجحة في بداية حياته السياسية   اصبح الرئيس طالباني على دراية  تامة  بأن التعامل بطرقٍ دبلوماسيةٍ هو أنجعُ طريقة، لإقناع الآخرين  و إنهاء الخلافات ، لذلك نرى ان سيادته كان   ليس معروفاً  بانه يلجأ دوماً إلى الدبلوماسية الهادئة  لحل المشاكل العالقة بين الأطراف  كافة فحسب  ، بل ترجمه إلى سلوك يومي في إدارته للأزمات، حيث كان يبحث دائماً عن “القواسم المشتركة” بين الخصوم، ممتلكاً قدرة استثنائية على تحويل طاقة الإصطدام  إلى طاقة حوار وتوافق.

 و عُرف بقدرته الفائقة على تقريب وجهات النظر بين الخصوم والكتل السياسية المتناقضة. وقد وصفه المرجع الأعلى السيد علي السيستاني بأنه “صمام أمان العراق”؛ نظراً لحنكة الدبلوماسية القائمة على استيعاب المكونات المختلفة تحت مظلة وطنية ودستورية واحدة. 

 الرئيس مامجلال  كان  يردد دوما المقولة التي تؤكد ان القوة الحقيقية ليست دائماً في الانتصار .بل امتلاك القدرة  على ضبط النفس لمنع النزاع من التحول إلى كارثة هي القوة الحقيقية ، لذلك لم يدخر وسعاً لحظة  واحدة لإخماد الفتن و الاحتقار بين الكتل السياسية و حتى بين الدول المنطقة ايضاً   ، و تصفير المشاكل . 

و لم تكن الدبلوماسية عند الرئيس طالباني تكتيكاً مؤقتاً، بل كانت استراتيجية حياة لحماية السلم الأهلـي. وقد استطاع بعبقريته الدبلوماسية بناء جسور ثقة متينة بين مختلف المكونات القومية والمذهبية والسياسية، وحظي باحترام محلي وإقليمي ودولي واسع، بفضل قدرته الفائقة على احتواء الأزمات المستعصية والوصول بالجميع إلى قواسم مشتركة.

 

إن الثروة الفكرية لدبلوماسية “مامجلال” لم تنبع من فراغ، بل كانت ثمرة مسيرة طويلة من العمل السياسي  و الخبرة في كافة الميادين  .لذلك مثلما نجح في  قيادة  الثورة و الكفاح المسلح من  اجل الديمقراطية  للعراق و حق تقرير مصير شعبه و ، المصالحة  العامة الكردستانية و العراقية قبّل الانتفاضة  الجماهرية الكردستانيّة عام 1991 و قبل سقوط نظام العفلقي عام 2003 ،نجح  ايضاً في نسج شبكة علاقات معقدة ومتوازنة في آن واحد؛ فجمعت بين العمق العربي (منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر ودول الخليج ) والعلاقات الاستراتيجية مع الجوار الإقليمي كإيران، و تركيا وصولاً إلى مراكز القرار العالمي في واشنطن والعواصم الأوروبية.

ولم يكن تبوؤه منصب نائب رئيس منظمة الاشتراكية الدولية ثم اختيارها له كـ رئيس فخري إلا اعترافاً أممياً بحنكته السياسيةوتقديراً عالمياً لإرثه كقائد ديمقراطي سعى دوماً لبناء الجسور بين الشعوب والحكومات على أسس من العدالة والمساواة. و سر كل هذه النجاحات و التفوق  في الدبلوماسية هو ان الرئيس مامجلال  سخر حياته  و رسخ مكانته للسياسة فقط ، من اجل خدمة الشعب ليس إلا  . و ان  دبلوماسيته التي هي ارث حي و خالد كانت رسالة سلام وهوية فكرية راسخة.  و بهذا  ترك للمكتبة السياسية الإنسانية والشرق أوسطية إرثاً عريقاً وثروة فكرية حية. . و إن “مدرسته الدبلوماسية” تظل اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، حاجة ملحة وخارطة طريق لكل من يسعى إلى حل النزاعات وصناعة الاستقرار في عالم تتقاذفه الأمواج العاتية.  و في الختام     ان مامجلال  الإبن البار العراقي و الكردستاني ، ناضل اكثر من 65 عاماً من اجل  الوطن و الشعب و  قارع الدكتاتورية  و وقف على مسافة واحدة   من الجميع  و سهر على صيانة الدستور و توفير الأمن و السلام للعراق و العراقيين دون التميز ، لذلك  أقترح على الجهات المختصة   التربوية و الأكاديمية في العراق و اقليم كردستان   بتخصيص  جميعاً  حكومياً و حزبياً و شعبياً  ليس ان نثمن نضاله و نسير على نهجه فحسب ، بل إدراج الإرث النضالي لمامجلال  في مناهج التاريخ والسياسة من المرحلة المتوسطة وحتى المعاهد والجامعات، وتحفيز خريجي الجامعات على نيل الماجستير والدكتوراه في دراسة مسيرة ونضال هذا  الرمز العراقي و الكردستاني الذي يفتخر به في المحافل الإقليمية و العالمية و  يشهد العالم بقدرته و امكانياته البراغماتية .

 


مشاهدات 36
الكاتب بارزان الشيخ عثمان
أضيف 2026/10/03 - 1:36 AM
آخر تحديث 2026/10/03 - 2:47 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 208 الشهر 3444 الكلي 16588613
الوقت الآن
السبت 2026/10/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير