الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
قراءة وتأويل لقصيدة نخبك يا وطن لعبد المنعم حمندي
 رياض عبد الواحد


قراءة وتأويل لقصيدة نخبك يا وطن لعبد المنعم حمندي

جدلية الكأس والخراب 

 رياض عبد الواحد

 

تنهض هذه القصيدة على مفارقة شعرية مركزية تتولد منذ النصيص وتمتد إلى آخر سطر في النص: كيف يمكن أن يتحول النخب، بوصفه طقسًا للاحتفال والحياة والمشاركة، إلى فعلٍ شعري لرثاء وطنٍ متهدم؟ وكيف تتحول الكأس، التي يفترض أن تحمل نشوة الاحتفاء، إلى وعاء للحسرة والخراب؟ من هذه المفارقة ينفتح النص على تجربة تتجاوز حدود الشكوى الفردية لتصبح فيها الذات جزءًا من جغرافيا وطنية جريحة، ويغدو المكان ذاكرةً مهددة، ويصبح التاريخ فردوسًا مفقودًا، ويستحيل الشراب نفسه استعارةً للمرارة.

هيئة احتفال

ولذلك لا تبدو القصيدة مجرد استحضار للحزن الوطني بل تبدو كأنها تشييد شعري لطقس جنائزي يتخذ هيئة احتفال. فالشاعر لا يرثي الوطن من خارجه إنما يرفع كأسه له، ويشرب في صحته، ثم يكتشف أن ما يشربه ليس إلا حسرةً وحطامًا. ومن هنا تتأسس القصيدة على حركة دلالية متواصلة بين الحياة والموت، الاحتفال والرثاء، الذاكرة والنسيان، الانتماء والضياع بحيث تصبح الكأس صورة مصغرة للوطن نفسه: إناءٌ يُفترض أن يحمل الفرح، لكنه ممتلئ بالجرح.

النصيص: حين ينقلب النخب إلى مرثية:

يتكون النصيص من تركيب بالغ الاقتصاد:

(نخبك يا وطن)

لكن هذا الاقتصاد اللغوي يخفي كثافة دلالية واسعة. فكلمة (نخب) تستدعي في الوعي الثقافي فعل الشرب احتفاءً بشخص أو مناسبة أو قيمة لذلك هي  تنتمي في أصلها إلى حقل الفرح والمشاركة والاحتفال غير أن إضافة الكلمة إلى ضمير المخاطب في (نخبك) تجعل الوطن مخاطبًا حيًا، لا فكرة مجردة؛ ثم يأتي النداء:

(يا وطن)

ليمنح هذا الكيان المجرد حضور الشخص الذي يمكن مخاطبته والاحتفاء به ومساءلته ورثاؤه.

غير أن المتن يقلب الدلالة المتوقعة للنصيص منذ السطر الأول:

(وفي الكؤوس حسرتي)

ثم يذهب الانقلاب إلى أقصاه:

(فاخترتُ أوّل شرْبةٍ

في صحّة الوطن الحطام)

هنا لا يعود النخب احتفالًا بالوطن بيد انه يصبح احتفالًا مأساويًا بما آل إليه. ولا تعود الكأس حاملةً للخمر أو النشوة فحسب إنما تحمل الحسرة. إن الشاعر يشرب (في صحة) وطنٍ أصبح (حطامًا)  فتتجاور في العبارة الواحدة مفردتان متنافرتان: (الصحة) بما تحمله من معنى الحياة والعافية، و(الحطام) بما يحمله من معنى الانهيار والموت.

وظيفة عميقة

وهذه المفارقة هي التي تمنح النصيص وظيفته العميقة، فهو ليس مجرد تسمية للنص إنما بذرة دلالية تتفتح داخل القصيدة كلها. فمعجم الشراب لا يختفي بعد البداية بل يعود في:

(املأ كؤوسك باصطبارك والندى)

ثم في:

(وفي الشراب والرغيف)

بل تتشخص صورة الشراب في موضع آخر حين:

(والريح تسكر بالحفيف)

وهكذا يصبح فعل الشرب شبكةً دلالية تمتد من أول القصيدة إلى آخرها، ويتحول النخب إلى استعارة كبرى تتداخل فيها نشوة الحياة مع مرارة الخراب.

الكأس بوصفها صورةً للوطن:

إذا كانت الكأس في بداية القصيدة تحمل الحسرة، فإنها لا تبقى مجرد أداة في المشهد بل تتحول تدريجيًا إلى بنية رمزية. يشرب الشاعر  للوطن لكنه لا يشرب فرحه بل يشرب انكساره. وفي هذا التحول تنعكس علاقة الذات بالوطن: فكما أن الكأس تحتوي ما يُسكب فيها، فإن الذات تحتوي جرح المكان وتاريخه وذاكرته.

لهذا يأتي الاستهلال:

(مَنْ ذا ينادمني المُدام؟

وفي الكؤوس حسرتي

وقصة الليل الطويل المسنضام)

فالسؤال عن النديم ليس سؤالًا عابرًا عن رفيق الشراب ، إنه كشف مبكر عن وحدة الذات. المنادمة فعل يقوم على المشاركة لكن الشاعر لا يجد من يشاركه سوى الكأس والحسرة وليلٍ طويل مثقل بما كُبت فيه من ألم. وحين يختار (أول شربة)، فإن الشربة تصبح فعل اعتراف: إنه يشرب وحده لكنه يشرب باسم وطن كامل.

من هنا يمكن القول إن القصيدة تبدأ من كأس فردية لتنتهي بجغرافيا جماعية، فالمأساة التي تبدو في البداية تجربة ذاتية تتسع تدريجيًا حتى تشمل بغداد، ودجلة، والنخيل، والمضيف، والجسور، والوجوه، واللافتات، والرغيف.

الوطن: اتحاد الهوية مع الضياع

بعد مشهد الكأس ينتقل النص مباشرة إلى أكثر مواضعه كثافة في تمثيل علاقة الذات بالوطن:

(الشمسُ نفسك،

والبلادُ تقمّصتك، وأنت فيها ضائعٌ

تدري.. ولا تدري

إلى أين تسيرُ بك الجهات)

هنا لا يقف الوطن في مقابل الذات لكن يحدث تبادل في الهوية. الشمس هي الذات، والبلاد تتقمصها غير ان المفارقة أن هذه الذات التي تمثل البلاد ضائعة داخلها.

وهذه من أعمق مفارقات النص: الوطن هو المكان الذي يفترض أن يمنح الإنسان هويته لكنه يتحول إلى المكان الذي يضيع فيه.

ولذلك لا يأتي سؤال (إلى أين تسير بك الجهات) بوصفه سؤالًا جغرافيًا فقط، فالجهات هنا تفقد وظيفتها الأصلية. المكان الذي ينبغي أن يمنح الإنسان اتجاهًا يتحول إلى فضاء من التيه. ويصبح الضياع وجوديًا أكثر منه مكانيًا.

ثم تتأنسن البلاد في صورة أخرى:

(تبكي بكاء الثاكلات)

فالبلاد هنا ليست خارطة ولا حدودًا إنما كائن يبكي بل أم ثكلى تحمل في بكائها ذاكرة الفقد. وهكذا ينتقل الوطن من مفهوم سياسي مجرد إلى جسد عاطفي منكوب.

من فقد الأحبة إلى فقد الزمن:

بعد ضياع الذات في الوطن، يتسع الحزن ليشمل الجماعة:

(أين الذين أحبّهم، أترابَ عهدِ صبابةٍ؟

رحلوا إلى زمنٍ غريب آخرٍ)

 لا يبحث السؤال عن الأشخاص وحدهم إنما يبحث عن زمن كامل كان أولئك الأشخاص يمثلونه لذلك فإن رحيلهم ليس بالضرورة موتًا جسديًا فقط إنما انتقال من زمن إلى زمن، ومن منظومة قيم إلى منظومة أخرى.

ويقول:

(تلوّنت فيه الوجوه

تغيّرت قيمٌ وأفئدة الأنام من الحجر)

تتحول الوجوه إلى شيء متبدل، وتتصلب القلوب حتى تصير (من الحجر). ويستحضر التعبير صدى دينيًا معروفًا عن قسوة القلوب، لكن أهمية التناص هنا لا تكمن في مجرد الإشارة إلى النص الديني وإنما في نقل معنى القسوة من مستوى الفرد إلى مستوى الجماعة.

ثم يبلغ التحول الأخلاقي ذروته في:

(مستعبدون، ملوّثون تغوّلوا وتسيّدوا،

واستعمرت أحلامنا زُمر الغجر)

والصورة الأخيرة لا ينبغي حصرها في تفسير سياسي مباشر لا يصرح به النص إنما يمكن قراءتها بوصفها صورة للاضطراب والطارئية وعدم الاستقرار، فالأحلام التي يفترض أن تكون المجال الأكثر حرية للذات تصبح هي الأخرى واقعة تحت الاستعمار.

إن التعبير:

(استعمرت أحلامنا)

أشد أهمية من تحديد هوية (الغجر) نفسها لأنه ينقل فعل الاستعمار من الأرض إلى الحلم. وهنا يبلغ الخراب مستوى داخليًا: لم يعد ما يُحتل هو المكان وحده بل القدرة على تخيل مستقبل مختلف.

بغداد: المدينة بين الذاكرة والغياب:

حين يصل النص إلى بغداد، يتحول الحنين إلى سؤال عن مدينة لم تعد مطابقة لصورتها القديمة:

(وأصيح: يا بغداد.. أين مدينتي..

أين الضياء المشرئب من السراج؟)

إن كلمة (مدينتي) شديدة الأهمية،  فالشاعر لا يسأل: أين بغداد؟ وإنما يسأل عن بغداد التي تنتمي إلى ذاكرته. المدينة موجودة لكن المدينة التي يعرفها الشاعر غائبة.

وهذا يفسر انتقال النص إلى هارون الرشيد:

(وأصيحُ:

يا هارون هل نضبتْ سحابتكَ

السخيّة في الفجاج؟

أين السحائب والخراج؟)

إن استدعاء هارون ليس مجرد استحضار تاريخي لشخصية عباسية، وإنما استدعاء لصورة حضارية مضادة. فبغداد التاريخية تُستدعى في مواجهة بغداد التي يسكنها العجاج. السحابة والخراج والسخاء تنتمي إلى فضاء العطاء والوفرة بينما حاضر القصيدة يتشكل من الحطام والحسرة والنزيف.

وهكذا يصبح التاريخ في النص مقياسًا للفقد، فالماضي لا يُستدعى لأنه ماضٍ فقط بل لأنه يكشف مقدار المسافة بين ما كانت المدينة تمثله وما آلت إليه.

 

الحلاج: صوت يأتي من داخل العجاج:

في هذه اللحظة يدخل الحلاج:

(فيجيبني صوتٌ نحيلٌ يستمدّ أنينهُ

الحلّاج من هذا العجاج)

وهنا تتجاوز الإحالة الحلاجية وظيفة الاستشهاد التراثي. فالحلاج يظهر بوصفه صوتًا، وصوته (نحيل)، يستمد أنينه من (العجاج). إنه صوت صادر من قلب الخراب، لا صوت يأتي من عالم خارجه.

ثم يأتي قوله:

(إنسَ البلاد وأهلها،

وارسم لها شكلًا جديدًا

في كوابيس الظلام)

المفارقة هنا أن الصوت يدعو إلى النسيان، بينما القصيدة كلها تقوم على فعل التذكر. فالشاعر يسأل عن الذين أحبهم، ويسأل عن بغداد، ويستدعي هارون، ويستعيد دجلة والنخيل والمضيف والوجوه لذلك فإن الحلاج يأمر بالنسيان، بينما القصيدة نفسها تمارس التذكر.

وهذه المفارقة تفتح النص على سؤال أعمق: هل يستطيع الشاعر أن ينسى وطنه كي ينجو منه؟

 يجيب النص ضمنيًا بالنفي، إذ سرعان ما يعود إلى الحنين، وكأن النسيان الذي يقترحه الصوت الحلاجي يظل مستحيلًا.

ثم يقول:

(كُن صورة الوحش

المدجّج بالعواصف صخرةً)

فتظهر محاولة لإعادة تشكيل الذات في هيئة مقاومة للخراب. وبعدها:

(واملأ كؤوسك باصطبارك والندى

واشغل سماءك باليمام)

وهنا يعود معجم الكأس مرة أخرى، لكن الكأس التي كانت في البداية ممتلئة بالحسرة تصبح مطالبة بأن تمتلئ بالصبر والندى. إنه تحول رمزي مهم: الكأس نفسها التي حملت الخراب يُطلب منها أن تحمل إمكانية احتماله وتجاوزه.

غير أن الشاعر لا يقدم خلاصًا يقينيًا بل يقول:

(فلربما يصحو انكسارك في المدى)

وكلمة (لربما) تترك المستقبل في منطقة الاحتمال، لا اليقين. ثم يعود النص إلى:

(لنزف قلبك في السقام)

فتظل إمكانية النهوض محكومة باستمرار الجرح.

حين يتحول المكان إلى جسد جريح:

في المقطع الأخير يتسع الحزن حتى يصبح جزءًا من تفاصيل المكان:

(حزني تناسل في النخيل،

وفي الدلال وفي المضيف،

وفي الجسور،

وفوق دجلة.. في النزيف)

إن فعل (تناسل) يجعل الحزن كائنًا قادرًا على التكاثر والانتشار. لم يعد الحزن إحساسًا فرديًا إنما صار ينتقل من موضع إلى آخر حتى يستولي على عناصر المكان العراقي.

واللافت أن هذه العناصر ليست جغرافية محضة. فالنخيل يحيل إلى الأرض والذاكرة، والدلال والمضيف يحيلان إلى الضيافة والهوية الاجتماعية، والجسور تحيل إلى الوصل، ودجلة يحيل إلى الحياة والتاريخ.

لكن الشاعر يقلب وظائف هذه العناصر:

(وفوق دجلة.. في النزيف)

فالنهر الذي يفترض أن يجسد الجريان والحياة يصبح موضع نزيف. وهنا تتحول جغرافيا العراق إلى جسد كبير ينزف.

الجرح الذي لا يسمح للخطى بالاستقرار

يقول الشاعر:

(أفكلما آخيتُ جرحًا نافراً

هربتْ خطايَ من الرصيف؟)

ليست العلاقة مع الجرح هنا علاقة مشاهدة إنما علاقة (أخوة) ، إنه يؤاخي الجرح، أي يحاول أن يتصالح معه أو يحتضنه، لكن الخطى تهرب من الرصيف.

ويواصل:

(في الماء.. ما زلّت بنا قدمٌ

ولا ليلٌ تعثّر بالنجوم)

تقوم هذه الصورة على مفارقة دقيقة: القدم لا تزل، والليل لا يتعثر، لكن:

(الحلمُ منكسرٌ)

أي أن الذي أصابه السقوط الحقيقي هو الحلم.

وهذه من أكثر لحظات النص تكثيفًا، فالقصيدة لا تحتاج إلى إعلان انهيار الإنسان أو المكان ما دام يمكن اختصار المأساة في كسر الحلم.

ثم:

(ولا شجرٌ تبلل بالغيوم

والريح تسكر بالحفيف)

تستمر مفردات الجفاف والشراب في الوقت نفسه. الشجر محروم من المطر، بينما الريح وحدها (تسكر) وكأن الطبيعة نفسها تدخل في طقس القصيدة لكن بصورة مقلوبة: ما ينبغي أن يروي لا يروي، وما ينبغي أن يبقى حركة طبيعية يتحول إلى نشوة عابثة.

وهنا يستعيد النص، بنحو خفي حقل الشراب الذي بدأ به:

المدام، الكؤوس، الشربة، الصحة، الكؤوس مرة أخرى، تسكر.

لكن هذا الحقل يتقاطع باستمرار مع حقل آخر:

الحسرة، الحطام، الأسى، العجاج، الانكسار، السقام، اليباب، النزيف، المجزرة.

ومن تداخل الحقلين تنشأ جدلية القصيدة كلها: كأس الحياة ممتلئة بماء الخراب.

الحنين بوصفه مقاومة للنسيان

يقول:

(أمضي ويسبقني الحنينُ

إلى الوجوه المتعبات من المراثي)

وهنا يعود الشاعر إلى ما حاول صوت الحلاج أن يأمره بنسيانه. لقد قيل له:

(إنسَ البلاد وأهلها)

لكنه لا يستطيع لأن الحنين يسبقه.

هذه العودة تجعل الحنين أكثر من عاطفة، إنه قوة مضادة للنسيان لذلك فإن الوجوه لا تظهر منفردة، بل تأتي محاطة بالمراثي، ثم:

(واللافتات مغلّفات في السوادِ

وفي الحدادِ

وفي الشراب والرغيف)

وهنا تتداخل تفاصيل الموت مع تفاصيل الحياة اليومية. السواد والحداد يقابلان الشراب والرغيف، أي أن الموت لا يقف خارج الحياة إنما يتسلل إلى طعامها وشرابها ومناسباتها اليومية.

وبذلك يعود النص مرة أخرى إلى (الشراب)  لكن الشراب في هذا الموضع لم يعد طقسًا احتفاليًا خالصًا، كما لم يعد في البداية كذلك. لقد أصبح جزءًا من اقتصاد الفقد اليومي.

الإيقاع بوصفه حركة انفعالية:

تتحرك القصيدة في أسطر متفاوتة الطول، وتتخللها الأسئلة والنداءات والتكرارات، مما يجعل الإيقاع تابعًا لحركة الانفعال أكثر من خضوعه لبنية منتظمة صارمة. وتتكرر صيغ مثل:

(أين...)

(يا بغداد..)

(يا هارون...)

(فلربما...)

(أمضي...)

فتبدو القصيدة وكأنها تتحرك بين السؤال والاستدعاء والحنين والتحذير.

كما أن تكرار مفردات الماء والشراب والنزيف والغيوم والندى ودجلة يمنح النص شبكة داخلية تربط عناصره المتباعدة. فالماء يظهر بوصفه شربةً في الكأس، ثم نهرًا، ثم غيمًا، ثم ندى، ثم نزيفًا، أي أنه يتحول من عنصر للحياة إلى عنصر للخراب، ومن الشراب إلى الدم.

وهذه التحولات تجعل الماء نفسه استعارةً للوجود العراقي في القصيدة: ماءٌ يفترض أن يروي لكنه يتحول مرة إلى حسرة، ومرة إلى نزيف، ومرة إلى غياب للمطر.

الخاتمة:

تنبني (نخبك يا وطن) على حركة شعرية تبدأ من كأس صغيرة في يد ذات وحدة ثم لا تلبث أن تتسع حتى تحتوي وطنًا كاملًا. فالشاعر لا يرفع كأسه احتفالًا بوطن مكتمل إنما يشرب (في صحة الوطن الحطام) وبذلك يتحول النخب إلى مرثية، ويتحول الشراب إلى حامل للحسرة.

وتكمن قوة القصيدة في أنها لا تضع الذات في مواجهة الوطن لكنها تجعل الاثنين داخل مأزق واحد: الذات ضائعة في البلاد، والبلاد متقمصة للذات. ومن هذه الوحدة المأساوية يتولد الحنين إلى الأحبة، ثم إلى بغداد، ثم إلى تاريخها، ثم إلى رموزها، قبل أن يعود الشاعر في النهاية إلى الجغرافيا العراقية نفسها: النخيل، والمضيف، والجسور، ودجلة، والوجوه، والرغيف.

أما استدعاء هارون والحلاج فلا يأتي بوصفه زينة تراثية إنما بوصفه استدعاءً لذاكرة تبحث عن صورة مفقودة للعطاء، وصوتٍ روحي يأتي من قلب العجاج. غير أن المفارقة الأشد عمقًا أن الحلاج يقول:

(إنسَ البلاد وأهلها)

بينما لا تفعل القصيدة شيئًا سوى استعادة البلاد وأهلها. وهكذا يصبح العجز عن النسيان جوهر التجربة الشعرية، فالشاعر يستطيع أن يشرب، وأن يحدق في الحطام، وأن يستمع إلى صوت الحلاج لكنه لا يستطيع أن يتخلى عن الحنين.

وفي النهاية، حين يقول:

(يا أيها الماشي إلى غابٍ ومجزرةٍ

تمهّلْ فالعواصفُ لا تغارُ من الخريفِ)

لا يغلق النص على وعدٍ صريح بالخلاص، ولا يمنح المتلقي يقينًا مريحًا بالمستقبل بل يتركه أمام تحذير مفتوح. فالعاصفة هنا ليست مجرد ظاهرة طبيعية، والخريف ليس مجرد فصل إنما تتجاور الطبيعة والتاريخ في صورة واحدة من صور الخراب.

وهكذا تنتهي القصيدة حيث بدأت: بالماء والشراب والخراب، لكن الكأس التي كانت في البداية بين يدي الشاعر تصبح في النهاية صورةً رمزية لوطن بأكمله؛ وطنٍ يُحتفى به في اللغة لأنه يُرثى فيها، ويُستعاد لأنه مهدد بالنسيان، ويُحب لا رغم جرحه فحسب بل بواسطة هذا الجرح نفسه.

إن (نخبك يا وطن) في جوهرها ليست قصيدة عن كأسٍ يشربها الشاعر إنما عن وطنٍ صار الشاعر يشرب جرحه لذلك فإن النخب فيها لا يعني اكتمال الفرح بل الاعتراف بالخراب، ولا يعني الانتصار على الذاكرة لكن الاستسلام لثقلها. ومن هنا تتشكل المفارقة المركزية التي تمنح النص وحدته: كلما حاولت الكأس أن تكون كأس احتفال امتلأت بالحسرة، وكلما حاول الشاعر أن ينسى، سبقه الحنين، وكلما بدا الوطن حطامًا، ظل حاضرًا بوصفه الاسم الأكثر استعصاءً على الغياب.

 

النص الاصلي

« نخبك يا وطن «

.....

مَنْ ذا ينادمني المُدام ؟

وفي الكؤوس حسرتي

وقصة الليل الطويل المسنضام

فاخترتُ أوّل شرْبةٍ

في صحّة الوطن الحطام ..!

الشمسُ نفسك ،

و البلادُ تقمّصتك ، وأنت فيها ضائعٌ

تدري .. ولا تدري

إلى أين تسيرُ بك الجهات

تبكي بكاء الثاكلات

و تستعيرُ من الأسى

لغةً نمت وتفرّعت

شجراً حزبناً في الفلاة

.....

أَين الذين أحبّهم، أترابَ عهدِ صبابةٍ ؟

رحلوا إلى زمنٍ غريب آخرٍ

تلوّنت فيه الوجوه

تغيّرت قيمٌ و أفئدة الأنام من الحجر

مستعبدون ، ملوّثون تغوّلوا و تسيّدوا ،

و استعمرت أحلامنا زُمر الغجر


مشاهدات 12
الكاتب  رياض عبد الواحد
أضيف 2026/09/29 - 3:25 PM
آخر تحديث 2026/09/29 - 11:32 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1713 الشهر 50823 الكلي 16583343
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير