العراق بين حصرية السلاح وخطر البلقنة.. الدولة أمام إختبار السيادة ووحدة القرار
خالد محسن الروضان
يمر العراق اليوم بمرحلة دقيقة تضع مفهوم الدولة وسيادتها أمام اختبار حقيقي. والسؤال الذي يفرض نفسه في بغداد ليس متعلقًا بالسلاح وحده، وإنما بجوهر الدولة نفسها: هل تستطيع الدولة العراقية أن تكون صاحبة القرار الوحيد في الأمن والسلاح والحرب والسلام؟
يكتسب هذا السؤال أهمية استثنائية مع اقتراب 30 أيلول/سبتمبر 2026، الموعد المقرر لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق. وقد أكدت بغداد وواشنطن الالتزام بهذا الجدول، في انتقال يفترض أن يفتح مرحلة جديدة تتحمل فيها المؤسسات الأمنية العراقية المسؤولية الأساسية عن أمن البلاد.
لكن خروج القوات الأجنبية، على أهميته، لا يكفي وحده لإعلان اكتمال السيادة. فهناك حقيقة أخرى لا تقل أهمية: لا يمكن لدولة أن تكتمل سيادتها بينما توجد داخل حدودها قوى مسلحة تمتلك قرارها العسكري خارج التسلسل الرسمي للدولة.
حقيقتان متداخلتان
أمام العراق اليوم مساران متلازمان: انتهاء المهمة العسكرية الأجنبية من جهة، وحصر السلاح والقرار الأمني بيد الدولة من جهة أخرى. وقد بدأت بعض الجماعات المسلحة خطوات باتجاه وضع أسلحتها تحت سلطة الدولة أو تنظيم أوضاعها، فيما لا تزال فصائل أخرى ترفض التخلي عن سلاحها أو تربط ذلك بشروط تتعلق بالوجود الأجنبي وقضايا أمنية وسياسية أخرى. وهذا يكشف أن الملف أكثر تعقيدًا من أن يُحسم بالشعارات أو المواعيد وحدها.
ملف سياسي
بل إن الحكومة عدّلت الجدول الزمني الذي طُرح سابقًا؛ فبعد الحديث عن نهاية أيلول موعدًا لحسم ملف السلاح، أعلن رئيس الوزراء علي الزيدي أن العملية ستسير على مراحل، على أن تستهدف استكمالها بحلول 30 حزيران/يونيو 2027.
وهذا يعني أن العراق يدخل مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، يكون نجاحها مرتبطًا بقدرة الدولة على معالجة الملف سياسيًا وقانونيًا وأمنيًا، من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية تهدد السلم الأهلي.
السيادة ليست مجرد خروج القوات الأجنبية السيادة ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة، ولا تتحقق بمجرد مغادرة آخر جندي أجنبي. السيادة الحقيقية تعني أن يكون القانون واحدًا، والمؤسسة العسكرية واحدة، وقرار الحرب والسلام واحدًا، والسلاح الشرعي خاضعًا للدولة وحدها.
وعندما تتحقق هذه المبادئ، يستطيع العراق أن يقول إن شعار «العراق أولًا» تحول من عبارة سياسية إلى مشروع دولة.
أما وجود قرارات عسكرية متعددة ومراكز قوة مستقلة، فإنه يُضعف الدولة مهما كانت قوة مؤسساتها الرسمية، لأن الدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم على ازدواجية القرار الأمني.
تحذير من «البلقنة»
وفي هذا السياق، حذّر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في نيويورك من أن استمرار قوى مسلحة مستقلة قد يؤدي إلى ما وصفه بـ«بلقنة» العراق، في إشارة إلى خطر تفكك سلطة الدولة إلى مراكز نفوذ متنافسة. وقال بعد لقائه رئيس الوزراء العراقي إن واشنطن ترى أن وضع جميع الأسلحة تحت سلطة الدولة مسألة أساسية لممارسة العراق سيادته الكاملة. لكن حصرية السلاح ينبغي ألا تكون استجابة لمطلب أميركي أو إقليمي، بل قرارًا عراقيًا نابعًا من مصلحة العراق نفسه. فالدولة التي تريد حماية استقلال قرارها لا تستطيع أن تجعل سيادتها مرهونة بإرادة الخارج، كما لا تستطيع أن تقبل بوجود قوة داخلية تنافس مؤسساتها في قرار الحرب والسلام.
لا نريد عراقًا موزعًا بين مراكز القوة
الخطر الحقيقي ليس في الاختلاف السياسي أو الفكري؛ فهذا أمر طبيعي في أي مجتمع تعددي. الخطر يبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى قوة مسلحة، ويتحول الحزب إلى مؤسسة عسكرية، ويصبح لكل طرف قراره الأمني الخاص.
عندها لا تعود المشكلة مجرد «سلاح منفلت»، وإنما تصبح مشكلة تعدد في السيادات داخل الدولة الواحدة.
والبلقنة، بالمعنى السياسي، لا تبدأ دائمًا برسم حدود جديدة على الخرائط؛ فقد تبدأ عندما تتوزع سلطة الدولة بين جماعات ومناطق ومراكز نفوذ، إلى أن تصبح الحكومة المركزية عاجزة عن فرض قانون واحد على الجميع.
العراق يحتاج إلى فرصة للحياة
لقد دفع العراقيون خلال العقود الماضية أثمانًا باهظة من الحروب والحصار والإرهاب والصراعات الداخلية. واليوم لا يحتاج العراق إلى حرب جديدة، بل إلى فرصة للحياة؛ إلى البناء بدل الخراب، والتنمية بدل الصراع، والاستثمار بدل السلاح، والدولة بدل تعدد مراكز النفوذ.
إن خروج القوات الأجنبية يجب أن يكون بداية لتعزيز استقلال العراق، لا بداية لفراغ تتنافس القوى الداخلية على ملئه. وحصر السلاح بيد الدولة لا يعني إلغاء أحد أو الانتقام من أحد، وإنما يعني الانتقال من منطق الجماعة إلى منطق المؤسسة، ومن شرعية القوة إلى قوة الشرعية والقانون. فالجيش للدولة، والسلاح للدولة، وقرار الحرب والسلام للدولة.
بينما يبقى الاختلاف السياسي حقًا للجميع تحت سقف الدستور.
وعندها فقط يمكن القول إن العراق انتقل من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الدولة.
فالعراق أمام خيار تاريخي: دولة واحدة بقرار واحد وقانون واحد، أو استمرار تعدد مراكز القوة بما يحمله ذلك من مخاطر على وحدته وسيادته ومستقبله.