الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فتوحات الشاعر


فتوحات الشاعر

مهند الياس

 

يقف الشاعر متأملا عبر افاقه المشرقة ، فتملي عليه مشاعره باحاسيس روحية متداخلة ، تأخذه الى حيث اللاطمأنينة بداية .. وهنا تضيع مراميه بالرغم تحفزه ازاء ما يتحرك امام عينيه من صور لم تكن مألوفة لديه من قبل ، فيذهب الى حيث   تفسير هذه -الصور - بالاطبيعي او بالاحرى بالعالم الجديد الحقيقي الذي لابد منه .

ان قوة التجليات التي تدفعها روحية البحث عن معنى الحقيقة والتي كثيرا ما يطمح الشاعر وبفضول قوي ان يكشف جانبا منها ، هي التي تكون التحول مابين العادي ومابعده .. لذلك تصبح الحالة مريبة لدى الشاعر ، فتراه يرتدي جلباب العارف ومن ثم يهزأ  بالخلف الذي جعله نشازا لقناعاته المتقدمة !

لذلك نرى ان ما يفصح به الشاعر ، لا عن طريق المباشر في صياغة الكلام ... وذلك تخوفا من الوقوع في الافصاح باسرار  مايرى ، فتسقط هيبته ، لذلك فهو كثيرا ما يحاول ان  يقف قيل ان يفصح بعيدا عن ماهو فيه ، لذلك نراه يستعمل الكتابة في الوصف اي في وصف رؤاه عبر التجليات والوصول الى ماهخو فوق وهذا ماحصل للشاعر الحسن ين هانيء -ابو نؤاس -

موطن الاسرار

حين صرح زلما شربناها ودب دبيبها    ..... الى موطن الاسرار قلت لها قفي!

، وهنا نقف ونسأل في دهشة : ماهي موطن الاسرار الذي عبر عنها ابو نؤاس بالكتابة ، دون ان بفصح او يوضح خيطا من خيوطها !

بالطبع لا يجوز له الافصاح فهو في هذه الحالة يحترق كيانه ، وتجف احاسيسه وينتهي توقده الذي حصل عليه من خلال الرحيل نحو الافق المشرق البعيد .. و هو جزء من التزام المتأمل الصوفي ، وربما كذلك تواجهنا معضلة : هل ان ابو نؤاس كان متصوفا ؟

اقول : ان التصوف بالمعنى العام كما يوثقه الموثقون ، يختلف عن التصو ف الخاص ، فاذا كان قد عرف عن ابي نؤاس بأنه كان ماجنا شاذا خمريا غير ملتزما ، فهذا لا يعني انه شاعرا له امتيازا ت نجلياته الشعرية ، وغوصه في اعماق النفس البشرية ومن ثم الولوج الى افاق الروح البعيدة والتي لا تستقر في جانب واحد من جوانب المتحرك الخفي  داخل وثبات العقل والقلب والروح .

ان ابا نؤاس حبن وصل الى  حسه الداخلي الى فنوحات اشراقاته ، بقي لم بفصح عما يرى ، فاحتفظت عبناه بالسر المقدس لديه ، لذلك فهو يختلف عن الحلاج الي افصح جانبا من اسراره بقوة :

عجبت منك ومني

        يامنية المتمني

ادنيتني منك حتى

 ظننت انك اني

وغبت في الوجد حتى

 اخفيتني بك عني

يا نعمتي في حياتي.

 وراحتي بعد دفني

مالي بغيرك انس

.من حيث خوفي وامني

يامن رياض معانيه

قد طويت كل فني

وان تمنيت شيئا

فانت كل التمني

وفي قول اخر :

غبت وما غبت عن ضميري

 وصرت فرحتي وسروري

وانفصل الفصل يافتراق

فصار في غيبتي حضوري

فانت في سر غيب همي

اخفى من الوهم في حضوري

تؤنسني في النهار حقا

.وانت في الدجى سميري

ان ابا نؤاس لم يبح بما يختلج  به عقله وقلبه ، فلما اوقدته الخمرة توقف قبل ان يشتعل ويبيح ، بينما نجد الحلاج لما اباح جانبا من مواطن اسراره قتل !

 

ان تأمل الشاعر عبر صفحات تجليات الوجد ، يكممن برسم في هاجسه ، افاقا هي بمثابة مواطن الصفاء الذي تتحد روحه

معه بل يفنى داخل  طقوس ذلك الصفاء لذلك نرى ولدى اكثر الشعراء يبطنون ولا يظهرون في المعنى ، فيكون المتلقي متشككا في الرأي ، ويذهب الى التأويل وينهل من مداخلاته .

لغة خاصة

لقد اكدت فتوحات الشاعر وعلى مدى تأملاته ازاء توجسه في الافاق البعيدة  من المألوف حقيقة لا مفر منها الا وهي ان الشاعر وحين يصل الى مناحي جديدة وباتجاهات ما بعد المألوف تصرخ احاسيسه بالدهشة فيبدأ يدون هذا الفرح بلغته الخاصة ، حتة وان كانت محيرة .

ان بادرة انسلاخ الشاعر من عالمه الفوضوي  وانتقاله الى عالم الفناء ، هذه العملية ليست عامة لدى الشعراء ، انها حالة تتطلب من الشاعر عملية ترويض العقل والروح معا ، فهو يدخل مهارة فكرية وروحية صعبة حتى يصل الى مايريد ان يرى :

انظر الى قول المنتجب العاني :

فتحت سمعي وطرفي في هواه فلم

انظر سواه ولا اصغي لواشيه

مولى اذا قلت : اني عبد طاعته

اطاعني الكون من اقصى نواحيه

ان الشاعر وفي حالة الانفصال هذه  ، انما  يؤكد اليقين الكبير الذي يتأسس في روحه وهو يقين يتجسد من خلال مخاض عسير من الرحلة المضنية للبحث عن الحقيقة العليا والتي لا ينتالها الا المغامرون في مواجهة عذابات النفس المؤلمة  وهي في ذات الوقت امتحلن صعب للمقدرة العقلية والروحية ازاء مواطن  الاطمئنان ، لذلك نرى ان الشاعر حين يحوز على مقامه  يتحد باتلفوقي ويعيه بكل ادراكه ، فيصبح الكائن المجرد عن كل شيء سوى التعلق بالسمو  ومبادلة الوفاء بالوفاء .

لقد اكدت فتوحات الشاعر وعبر تقصيه ، ان اول ما يصل اليه حسه ا لعقلي هو بمثابة العثور على عالم مشرق له ابعاده العليا المترامية يستمد منه الشاعر اقصى مايمكن من قوة في اطمئنان النفس والروح والقلب


مشاهدات 11
الكاتب مهند الياس
أضيف 2026/09/29 - 3:23 PM
آخر تحديث 2026/09/29 - 11:32 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 1713 الشهر 50823 الكلي 16583343
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير