لا أحدَ هنا يريد إغلاق ملف
كفاح محمود
من يتأمّل خريطة الشرق الأوسط اليوم لا يرى دولاً تتجاور بقدر ما يرى ملفّاتٍ تتقاطع. والعملة المتداولة في هذه السوق ليست المصلحة المشتركة، بل الملفّ المفتوح. فالملفّ ما دام معلّقاً يدرّ على صاحبه ريعاً متجدّداً، فإذا سُوّي انقضى وانقضى معه ريعه. ولهذا لا يُغلق أحدٌ ملفاً هنا، لأن حلّ المشكلة يعني إتلاف رأس المال.
وليس هذا استنتاجاً يحتاج إلى برهان؛ فقد قاله رئيس أكبر دولة في العالم صراحةً. كتب دونالد ترامب أنه لا يسعى إلى إجبار إيران على التفاوض، وأنه يفضّل الوضع القائم كثيراً حيث تسيطر واشنطن سيطرةً شبه كاملة على مضيق هرمز فيما ينهار الاقتصاد الإيراني. هذه هي الأطروحة بلسان صاحب القرار: الأزمة أفضل من حلّها.
ولاحظ كيف انتقلت الورقة نفسها من يدٍ إلى يد. كان المضيق تهديداً إيرانياً معلّقاً فوق رقبة الاقتصاد العالمي، فصار بعد حرب شباط 2026 ورقةً بيد واشنطن، حتى باتت طهران هي التي تطلب تسوية ملفّ المضيق ورفع الحصار قبل أي تفاوضٍ نووي. تبدّل حاملُ الورقة ولم تتبدّل قاعدة اللعبة، وهذا وحده يكفي للردّ على من يظنّ المسألة أخلاقاً لا بنية.
والسرّ في أن الملفّ المفتوح يدفع مرّتين: مرّةً في الخارج أداةَ ضغط، ومرّةً في الداخل مصدرَ شرعية. والدفعة الثانية هي التي تجعل إغلاقه مستحيلاً، لأن الحاكم الذي يغلق ملفاً ينزع عن نفسه سلاحاً كان يواجه به خصومه في الداخل قبل جيرانه في الخارج. ولذلك تُفتح الملفّات القديمة كلّما ضاقت الحكومات، ولا علاقة لتوقيت فتحها بالجار الذي يُفترض أنها موجّهة إليه.
والعراق أوضح مثالٍ على ذلك وأمرّه. فصائل مسلّحة تشارك في الحكومة وتهدّدها في آن، فتمسك الدولة من عنقها وتضعها بين انتمائها العربي وارتهانها الإقليمي. وفي قلب المعادلة يدفع إقليم كوردستان ثمن وعوده قبل ثرواته: بين 28 شباط و20 نيسان 2026وحدها تعرّض الإقليم لـ 809 هجماتٍ بالصواريخ والمسيّرات، استُشهد فيها عشرون مواطناً وأُصيب مئةٌ وثلاثة وعشرون، على الرغم من حياده المعلن في النزاعات الإقليمية.
والمقصود من ذلك لا يحتاج إلى تفسير: غازُ الإقليم قادرٌ على كسر تفرّد الغاز الإيراني وإنهاء ابتزازه لبغداد والمنطقة، فوجب أن يبقى الحقل تحت النار. والأدهى ما جرى بعد الهجوم الحادي عشر على «كورمور»: أعلنت السلطات أنها حدّدت هوية المنفّذين ووصفتهم بـ«الخارجين عن القانون»، ولم تذكر اسماً واحداً ولا دافعاً واحداً. دولةٌ تعرف من ضربها ولا تستطيع أن تسمّيه، هي دولةٌ صار الملفّ المفتوح جزءاً من تركيبتها لا طارئاً عليها.
ومثله ملفّ خور عبدالله مع الكويت: نزاعٌ قانونيٌّ قابلٌ للحسم بالتحكيم، يُترك جرحاً يُفتح كلّما احتاجت قوى داخلية إلى ورقة مزايدةٍ وطنية، فتتحوّل قضيةٌ إجرائية إلى قنبلةٍ موقوتة بين بلدين تفرض عليهما الجغرافيا الشراكة لا الخصام. وفي الشمال تتعامل أنقرة مع القضية الكوردية بمنطق الورقة الأمنية لا الاستحقاق السياسي، فيبقى الكورد في سوريا والعراق بنداً احتياطياً في جدول أعمال الآخرين. وفي المغرب العربي تقف الرباط والجزائر على طرفي قطيعةٍ عنوانها الصحراء وجوهرها النفوذ، أغلقت الحدود وجمّدت اتحاداً مغاربياً كان يمكن أن يصير قوةً اقتصاديةً كبرى.
وحربُ هذا العام أثبتت القاعدة بدل أن تنقضها: القوة العارية قادرةٌ على التدمير عاجزةٌ عن الحسم. دمّرت إسرائيل قدرات خصمها ولم تنتزع منه استسلاماً سياسياً، وخسرت إيران رؤوساً وقدرات واحتفظت بأذرعها الممتدّة من لبنان إلى العراق إلى اليمن، أذرعٍ تقاتل بالوكالة وتبتزّ بالنيابة. فبقيت الجبهات مفتوحةً على استئنافٍ مؤجَّل، وبقي كلُّ طرفٍ يساوم بما تبقّى له.
والنتيجة أن أحداً لا ينتصر. الجميع يملك القدرة على الإيلام، ولا أحد يملك القدرة على الحسم. وهذا ليس توازن رعبٍ بل سجنٌ مشترك: كلّ طرفٍ محتجَزٌ بورقة خصمه، وورقتُه هي سبب احتجازه. أما من لا يملك ورقةً أصلاً فيدفع ثمن أوراق الآخرين، وهو حال دول الخليج التي خسرت من أمنها وممرّاتها واقتصادها، ووجدت نفسها تتفاوض اليوم مع طهران على المضيق في غياب واشنطن. والفاتورة تُحال في النهاية إلى المواطن: غلاءً ونزوحاً وأجيالاً تنشأ على ثقافة الأزمة الدائمة. أما مؤسسات العمل المشترك، من الجامعة العربية إلى صيغ التعاون الإقليمي، فصارت شاهدَ زورٍ على صراعات أعضائها، تجتمع لتصدر بياناً ثم تنفضّ.
ولذلك فإن الدعوة إلى «سياسة المصالح بدل سياسة الأوراق» شعارٌ لا يكفي. فالملفّ لا يُغلق حين يقتنع صاحبه بالأخلاق، بل حين تصير كلفة الاحتفاظ به أعلى من ريعه. وهذا يقتضي إجراءات بعينها: إحالة النزاعات القانونية، من خور عبدالله إلى الصحراء، إلى التحكيم الملزم فتخرج من سوق المزايدة الداخلية؛ وصيغة أمنٍ إقليمي تضع الصواريخ والأذرع المسلّحة والمضائق على طاولةٍ واحدة، فلا أمن لطرفٍ على حساب الباقين؛ وقبل ذلك كلّه دولةٌ تحتكر قرارها، لأن الدولة التي تتعدّد فيها أيدي الورقة لا تملك ورقتها أصلاً.
إن إقليماً يملك ثلثي احتياطات الطاقة وأعرق حضارات الأرض، ويعجز عن إنتاج منظومة مصالح مشتركة واحدة، هو إقليمٌ يستثمر في أزماته بدل ثرواته. والسؤال الذي يفرض نفسه على عواصمه: هل تدرك أن الورقة التي تمسكها بيدٍ تمسك بها يدٌ أخرى من طرفها الثاني؟ فالمبتِزّ في هذا الشرق مبتَزٌّ بدوره، والرابح الوحيد هو الأزمة نفسها.