الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المدرسة الأولى.. عود على بدء

بواسطة azzaman

أذن وعين

المدرسة الأولى.. عود على بدء

عبد اللطيف السعدون

 

جميل أن يستذكر المرء في هذه الأيام، وهو يتابع خطوات أحفاده وأصدقائهم وهم في طريقهم إلى المدرسة، خطواته هو عندما كان ينطلق نحو مدرسته قبل سنوات موغلة في الزمن، وكيف كان على قدر من العفوية والمرح، وفي بعض الأيام كانت ترتسم على وجهه موجة قلق وعدم ارتياح لأنه لم يتمكن في الليلة الفائتة من كتابة واجباته البيتية لدرس الحساب، ويخشى أن يحصل على تأنيب معلمه، هكذا تمر أمامه مشاهد مدرسته الأولى، يتذكر زملاءه الذين يشاركونه نفس الصف، وشلة أصدقائه الذين تجمع بينهم براءة افتقدناها عندما كبرنا، كما يتذكر معلميه، وبينهم من كنا نرتاح لهم، ونجلهم أكثر من غيرهم لأننا كنا نلمس منهم التفاني في تعليمنا، والتفاعل مع كل ما كنا نقدمه في الدرس، وهؤلاء تركوا بصمة عندنا بفضل هذا التفاني والتفاعل، ومن خلال ثقافتهم الغنية التي أخذنا منها الكثير، وعندما كبرنا أدركنا كم يكون الفرق كبيرا بين معلم تمتلئ «رحلات» الصف أثناء تدريسه المادة الموكولة إليه، وبين آخر لم نكن نجد الحافز الذي يدفعنا للحضور الى الصف عندما يجيء الدور له لأنه كان كثير ما يتعامل معنا بقسوة، ويؤنبنا ويعاقبنا عند أول خطأ نرتكبه.

ايصال معلومة

لكننا اكتشفنا عندما امتد بنا العمر كم كانت احكامنا على معلمينا في بعض الاحيان قاصرة، وفيها الكثير من التعسف اذ أن لكل معلم طريقته في ايصال المعلومة الى طلبته، وقد تعلمنا منهم ألا نخشى الصعاب، وان نواجه التحديات بحزم، واكتشفنا فيهم حبهم للمهنة، وشغفهم بها، وعرفنا متأخرين ان قسوة بعضهم أحيانا كانت مطلوبة لترويضنا، وزادت قناعتنا يومًا بعد يوم بأنّ ما كنا نحتاجه كطلاب ليس  المواد المقررة في المنهج الدراسي فقط، وانما أيضا ما بدفعنا للابتكار والابداع، وتنمية الحافز لدينا لفعل ذلك، وبالطبع كان معلمونا يدركون ذلك أكثر منا.

عام دراسي

وها نحن اليوم مع بدء العام الدراسي الجديد، نتذكر بمحبة معلمينا الأوائل الذين غمرونا بمحبتهم، وقدموا لنا أفضل ما أمكنهم تقديمه، وها هم أبناؤنا وأحفادنا يعيشون تجاربهم الخاصة مع معلميهم كما عشناها نحن، ولكن على نحو مختلف فقد تغيرت الدنيا، وتعددت وسائل العلم والمعرفة حتى أصبح من يدخل الى المدرسة اليوم للمرة الأولى يعرف من التطورات العلمية ما يجعله قادرا على التقدم بحماس ورؤية سليمة نحو تلقي العلم برغبة وشغف، وتحديد الوجهة التي يريد الوصول إليها عندما يكبر.

نتذكر معلمينا بمودة وامتنان خاصين، كان كل درس منهم أشبه بمغامرة شيقة في أرض مجهولة، ونشعر اليوم بقدر كبير من الامتنان لهم فقد سعوا جاهدين لتعليمنا، واعدادنا للحياة، وكانوا ينظرون إلى أخطائنا كعقبات صغيرة يجب تجاوزها، وتحديات يجب مواجهتها، ولهذا السبب كانوا يتحرون نقاط ضعفنا دون أن يشعرونا بذلك، وإنما لمساعدتنا على التغلب عليها، ويفرحون بنجاحاتنا، حتى الجزيئة منها، وكانوا على استعداد دائم لمنحنا فرصا أخرى للوصول إلى النجاح..  وقبلنا كتب كثيرون في تمجيد المعلم، وفي الدعوة لإعلاء شأنه في المجتمع، ونستعيد ما دعانا إليه الراحل أحمد شوقي: «قم للمعلم وفه التبجيلا/ كاد المعلم أن يكون رسولا» وأيضا ما قرأناه بقلم ألبير كامو، الفيلسوف والكاتب والحائز على جائزة نوبل في استذكار معلمه الأول السيد جيرمان: «كانت حصص السيد جيرمان دائمًا شيقة لسبب بسيط، وهو حبه الشديد لعمله، مثلت محاضراته غذاء روحيا لنا عندما كنا جوعى الى العلم، جوعى الى اكتشاف الأشياء، في الحصص الأخرى كان معلمونا يعطونا دروسهم كما لو كانوا يريدون تسمين مجموعة من الأوز، لكن جيرمان كان يشعرنا بوجودنا، وبأننا جديرون بأسمى درجات التقدير، ومثله يستحق كل احترام وتقدير».

 


مشاهدات 41
الكاتب عبد اللطيف السعدون
أضيف 2026/09/19 - 2:02 AM
آخر تحديث 2026/09/19 - 2:48 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 235 الشهر 31483 الكلي 16564003
الوقت الآن
السبت 2026/9/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير