البيشمركة من منطق الأحزاب إلى عقيدة المحراب
شيرزاد نايف
تتجاوز مسألة توحيد قوات البيشمركة وإنهاء التعددية القيادية حدود الإجراء الإداري أو الترتيب العسكري المحض، لتلامس جوهر الفلسفة الأمنية الشاملة التي يحتاجها العراق والمنطقة برمتها. فالنظرية السياسية المعاصرة تؤكد أن القوة المفتتة تجلب الخوف، بينما القوة المنظمة تصنع الاستقرار؛ ومن هنا يكون الانتقال من «تشتت السلاح» إلى «وحدة الصلاح» حجر الزاوية في بناء شراكة استراتيجية حقيقية بين بغداد وأربيل.
إن ظاهرة «الفراغات الأمنية» لم تكن يوماً مجرد جغرافيا خالية من الجنود، بل كانت نتاجاً لـ «فراغات المفاهيم» وتضارب الإرادات. وحينما تلتقي الإرادة العسكرية للإقليم متمثلة بوزارة البيشمركة مع القيادة العسكرية الاتحادية عبر عقل المنظومة الموحدة، يتحول التنسيق من مجرد «إدارة أزمات» إلى «إدارة استقرار». هذا التكامل يعني إغلاق الثغور أمام الإرهاب، وحماية التنوع الحضاري، وتحويل مناطق التماس إلى جسور للتواصل والتنمية الإقليمية.
وفي العمق، فإن قوة البيشمركة حينما تنتظم في عقيدة مؤسساتية جامعة، لا تعزز أمن الإقليم فحسب، بل تشكل درعاً متيناً للسيادة العراقية كلها، وتبعث برسائل اطمئنان إلى المنطقة الإقليمية برمتها أن العراق—بكل مكوناته ومؤسساته—يتجه نحو «منطق الدولة» ويتسامى عن «مناطق التنافس»، ليكون ركيزة أمن ثابتة في الشرق الأوسط.
من هنا، يأتي القرار الموقر لوزارة البيشمركة بتوحيد الوحدتين (70 و80) تحت مظلة قيادة حكومية وقانونية واحدة، ليرسل أصداءً إيجابية في أنحاء العراق كافة؛ كبصيص أمل يُسهم في حماية البلاد من التقلبات الاستراتيجية. فالشارع العراقي يدرك تماماً أن صمام أمان بلده يكمن في وجود قوة عسكرية موحدة تحتكم لسلسلة أوامر هرمية داخل البيت العراقي–الكردستاني، ولعل تجربة دحر أعتى هجمة إرهابية أطلقها تنظيم «داعش» عبر التنسيق الميداني المباشر بين البيشمركة والقوات الاتحادية خير شاهد ودليل على ما يمكن أن تحققه هذه الشراكة.